السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

كيف تحولت أرض الفيروز إلى قبلة للاستثمار والسياحة والتنمية

سيناء آمنة

مع حلول ذكرى عيد تحرير سيناء، لا تعد سيناء مجرد صفحة من صفحات التاريخ، بل تتحول إلى عنوان حاضر لمعادلة شديدة الأهمية فى الدولة المصرية»؛ الأمن يقود التنمية والتنمية ترسخ الأمن، وبينما تستعيد مصر أرضها فى الوجدان، تؤكد على الأرض واقعًا مختلفًا صنعته خلال السنوات الأخيرة، حيث لم تعد سيناء فقط منطقة حدودية ذات حساسية استراتيجية، بل أصبحت نموذجًا متكاملاً لإعادة البناء، ومقصدًا واعدًا للاستثمار والسياحة، ورسالة واضحة بأن الاستقرار هو المدخل الحقيقى لأى نهضة، وسيناء فى قلب الأمن القومى المصرى.  



 سيناء

تُعد شبه جزيرة سيناء، الممتدة على مساحة نحو 61 ألف كيلومتر مربع، أحد أهم المفاتيح الاستراتيجية لمصر، فهى البوابة الشرقية للدولة، ونقطة الاتصال الجغرافى بين قارتى آسيا وإفريقيا، ولهذا ارتبط مفهوم الأمن القومى المصرى تاريخيًا بقدرة الدولة على تأمين سيناء والحفاظ على استقرارها.

وخلال السنوات التى أعقبت عام 2013، واجهت مصر تحديًا كبيرًا تمثل فى انتشار التنظيمات الإرهابية فى شمال سيناء، وهو ما استدعى تحركًا شاملًا من الدولة.

 لم يكن الحل أمنيًا فقط، بل اعتمدت الدولة على استراتيجية متعددة الأبعاد، جمعت بين المواجهة العسكرية الحاسمة، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتجفيف منابع الفكر المتطرف.

 التنمية الشاملة

شهدت سيناء طفرة غير مسبوقة فى إنشاء الطرق والأنفاق، حيث تم إنشاء 6 أنفاق أسفل قناة السويس، وتنفيذ عشرات لمحطات تحلية المياه ومعالجة الصرف، وتوصيل الكهرباء إلى غالبية المناطق، مع التوسع فى مشروعات الطاقة.

 وفى السياق ذاته، أقامت الدولة مدنًا جديدة؛ مثل بئر العبد الجديدة ورفح الجديدة والشيخ زويد الجديدة؛ واستصلاح مئات الآلاف من الأفدنة، اعتمادًا على مياه المعالجة، خاصة من مشروعات مثل محطة بحر البقر، ما فتح آفاقًا جديدة للزراعة فى سيناء؛ وأُنشئت مجمعات صناعية، مثل مجمع الرخام فى الجفجافة، ومجمع الصناعات الصغيرة، بالإضافة إلى تطوير مصانع قائمة مثل مصنع أسمنت العريش.

ولم تعد تنمية سيناء مشروعًا منفصلًا، بل تم دمجها ضمن مشروع أوسع هو تنمية محور قناة السويس، ما جعلها جزءًا من شبكة اقتصادية عالمية، وقد ساهمت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس فى جذب استثمارات ضخمة.

 سيناء والسياحة

تمثل مدن جنوب سيناء، وعلى رأسها شرم الشيخ ودهب، نموذجًا ناجحًا للسياحة؛ حيث تستقطب ملايين السائحين سنويًا، وقد شهدت هذه المدن تطويرًا كبيرًا فى البنية السياحية، مع التركيز على السياحة المستدامة والبيئية، مثل مشروع «التجلى الأعظم» فى سانت كاترين، والذى يستهدف السياحة الروحانية.

ورغم أن شمال سيناء لم يكن تقليديًا على خريطة السياحة، إلا أن ما تمتلكه من شواطئ بكر، مثل شواطئ العريش، ومناطق طبيعية فريدة، يجعلها مرشحة بقوة لتكون وجهة سياحية جديدة.

 إمكانيات سياحية هائلة

وقال د. حسام هزاع الخبير السياحي؛ إن السياحة المصرية حققت أكثر من 19 مليون سائح فى عام 2025، ونسعى للوصول إلى 30 مليون سائح بحلول 2031، وهو ما يجعل سيناء، بشقيها الشمالى والجنوبى، عنصرًا أساسيًا فى تحقيق هذا الهدف.

وأضاف: إن سيناء تمتلك إمكانيات سياحية هائلة، مؤكدًا أن جنوب سيناء أصبح بالفعل من أهم المقاصد السياحية فى العالم، لكن الفرصة الأكبر الآن تكمن فى شمال سيناء، مؤكدا أن شواطئ العريش تُعد من أجمل الشواطئ غير المستغلة سياحيًا، ويمكن أن تنافس وجهات عالمية إذا تم تطويرها بالشكل المناسب. 

 الاستقرار الأمني

وأوضح إلهامى الزيات رئيس اتحاد الغرف السياحية سابقًا؛ أن الأمن هو العامل الأول فى اتخاذ القرار السياحى، مشيرًا إلى أن أى تحسن فى الوضع الأمنى ينعكس فورًا على معدلات الإقبال السياحي.

ويضيف: إن الرسائل الإيجابية التى ترسلها الدولة، من خلال تطوير المطارات والموانئ، مثل مطار العريش ومينائه، تعزز ثقة الأسواق العالمية فى المقصد المصري.

ويرى أن سيناء خاصة جنوبها، نجحت فى الحفاظ على مكانتها رغم التحديات الإقليمية، وهو ما يعكس قوة الإدارة السياحية فى مصر، وقدرتها على التكيف مع المتغيرات.

 مركز استثماري

ويربط د. وليد جاب الله الخبير الاقتصادى بين التنمية الاقتصادية والسياحة، مؤكدًا أن تحويل سيناء إلى مركز استثمارى وصناعى يدعم بشكل غير مباشر قطاع السياحة، ويشير إلى أن تطوير شبكة الطرق، وربط سيناء بمحور قناة السويس، يسهل حركة السياحة الداخلية والخارجية، ويجعل الوصول إلى المناطق السياحية أكثر سهولة.

 الأمن والسياحة

ومن جهته أكد اللواء المهندس عادل محمود العمدة نائب مدير كلية الدفاع الوطنى الأسبق؛ وعضو المجلس المصرى للشئون الخارجية، أنه لا يوجد خلاف على أن الأمن والسياحة والاستقرار والتنمية عناصر مترابطة، وكل منها يُكمل الآخر ولا يمكن فصله عنه، والفلسفة المصرية خاصة بعد إنهاء الاحتلال واستعادة كامل أرض سيناء، قامت على الانطلاق نحو تعمير وتنمية سيناء.

وأضاف: إن الدولة المصرية تعاملت مع سيناء من خلال استراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب، قامت على ثلاثة محاور رئيسية: المحور الأمنى، والمحور التنموى، والمحور الفكري.

وأضاف بأن هذه الجهود تزامنت مع تنفيذ عدد من العمليات العسكرية الكبرى، مثل عملية حق الشهيد؛ والعملية الشاملة سيناء 2018، والتى نجحت فى القضاء على البؤر الإرهابية واستعادة الاستقرار، مؤكدًا أن الإرهاب أصبح من الماضى، وهو ما يتجلى فى حجم المشروعات التنموية الجارى تنفيذها حاليًا.

ولفت إلى أن من أبرز هذه المشروعات تطوير شبكة السكك الحديدية، خاصة الخط الممتد من الإسماعيلية إلى بئر العبد ثم العريش، وصولًا إلى رفح شرقًا، وطابا جنوبًا، بما يعكس اكتمال منظومة الربط والتنمية داخل سيناء.

وأكد أن الدولة حرصت على إنشاء «شرايين تنمية» متكاملة، من خلال تنفيذ شبكة طرق تجاوزت 7 آلاف كيلومتر.

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن ما تحقق فى سيناء منذ عام 2014 وحتى الآن يمثل نقلة نوعية حقيقية، ويعكس نجاح الدولة فى تحقيق الأمن والاستقرار، وتهيئة المناخ المناسب للتنمية المستدامة، لتصبح سيناء نقطة انطلاق حقيقية لمستقبل أفضل لمصر.

 أرض الفيروز

أضاف العقيد حاتم صابر خبير مكافحة الإرهاب الدولى والحرب المعلوماتية، أن شبه جزيرة سيناء لم تكن مجرد بقعة جغرافية على الخريطة المصرية بل كانت عبر التاريخ مطمعاً؛ وقضية أمن قومى من الدرجة الأولى إلا أن العقد الأخير شهد تحولاً جذرياً غير مسبوق، حيث انتقلت «أرض الفيروز» من مربع المواجهة الدامية مع الإرهاب العابر للحدود إلى أن تصبح نموذجاً عالمياً فى كيفية «تجفيف منابع التطرف عبر التنمية الشاملة»

وبدراسة الإحصائيات الخاصة بالعمليات الارهابية خلال الحرب على الإرهاب، نجد أننا أمام قصة نجاح الدولة المصرية فى استعادة السيطرة الأمنية الكاملة؛ فإذا نظرنا إلى عام 2013 نجد أن الدولة كانت تواجه ذروة التحدى بـ 306 عمليات إرهابية موجهة؛ وهى الفترة التى تلت ثورة 30 يونيو؛ وحاولت فيها الجماعات المتطرفة تحويل سيناء إلى «ولاية» منفصلة.

السياحة والاستثمار

وقال إن اليوم لم يعد الحديث عن سيناء مرتبطاً بأخبار «الكمائن» أو «العبوات الناسفة»؛ بل بقمة المناخ (COP27)، والمناطق الصناعية فى «شرق بورسعيد»؛ والمزارع السمكية والزراعية بوسط سيناء، وأصبح الاستقرار الأمنى «مغناطيساً» لجذب الاستثمارات الأجنبية والسياحة الوافدة، وعادت الفنادق لترفع شعار «كامل العدد» فى جنوب سيناء؛ وبدأت المصانع تفتح أبوابها فى شمالها ووسطها.

وأنهى حديثه إن الأرقام التى تظهر فى الإحصائية ليست مجرد بيانات صماء؛ بل هى ثمن دفعه شهداء القوات المسلحة؛ والشرطة والمواطنين الشرفاء؛ من أجل أن تتحول سيناء من «بؤرة للتهديد» إلى «قاطرة للتنمية»، وإن التجربة المصرية فى سيناء تثبت أن الأمن هو حجر الزاوية لأى نهضة اقتصادية وأن العمار هو الضمانة الوحيدة لعدم عودة الظلام مرة أخرى.