السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

روزاليوسف تفتح ملف أباطرة السناتر الرقمية

مراجعة ليلة الامتحان أم «حضانة» سلفية؟

«بسطتهالك» ولوبى «البيج داتا».. من يحمى إمبراطورية الدروس من الضرائب والرقابة؟



 

قبل مراجعة ليلة الامتحان لمادة اللغة العربية للثانوية العامة فى العام الماضى، والتى يستعد لدخولها أكثر من 785 ألف طالب وطالبة، أعلن (محمد صلاح)، أحد أشهر مدرسى السناتر التعليمية، عن ضيوفه: داعية شاب اسمه ياسر ممدوح (أحد دعاة التريند من الشباب الذين يوجهون حديثهم للجيل Z،وأحد فيديوهاته يسخر فيها من هؤلاء المهنئين للمسيحيين فى أعيادهم)، وداعية آخر سلفى هو محمد الغليظ (صيدلى يقدم نفسه محاضرًا ويذهب لتحريم الغناء فى أحد فيديوهاته وتقديم آراء سلفية بوصفها الأصح حتى لو خالفت دار الإفتاء المصرية)، بالإضافة إلى المنشد فارس حميدة (مطرب مهرجانات قال إن االله من عليه بطريق الهداية ليترك الغناء ويتحول إلى منشد دينى).

 

كانت التركيبة غريبة فى مراجعة ليلة الامتحان، فلماذا هؤلاء بالذات باتجاههم الفكرى الذى يمثلوه؟ وكيف يستعان بهم ويروج لأفكارهم فى ليلة امتحان يعتبره كثيرون مصيريًا، ويكون الطلبة فى حالة من الهشاشة النفسية تجعل أغلبهم قد يتعامل مع هؤلاء بوصفهم مرجعًا دينيًا، أو اتجاهًا فكريًا ينضمون له فيما بعد؟

كتبت هذه التساؤلات فى حينها، ولفت نظرى هجوم ضارٍ من لجان إلكترونية، وغضب من ألتراس محمد صلاح وضيوفه، وبعد ما يزيد على عشرة أشهر حذف فيس بوك المنشور الخاص بى، وبمجرد الحذف وجدت هذه الرسالة على هاتفى الشخصى:

«انت عمال تجيب سيرة واحد حبيبى بالغلط.. فأنا حبًا فيه ولشخصه الكريم مسحتلك البوست، وكان بإيدى أكتر من كده وما كنتش هتلاقى حسابك ده تانى.. بس ما يرضينيش أذى حد ولا أحب الضرر لحد، ف الله يرضى عنك خليك فى حالك، وماتجيبش سيرة الناس وتؤذيهم فى أكل عيشهم هما ومئات البيوت اللى فاتحينها». 

ثم تبع ذلك حذفًا لكل ما كتبته عن التهديد وفضح اللجان وعن محمد صلاح وظاهرته، لتكون المفاجأة أن ذلك تم عبر شركة هندية سيئة السمعة، تستخدم بلاغات حقوق ملكية فكرية وحماية علامة تجارية بشكل قوى، وعلى طريقة إغراق فيس بوك بالشكاوى، لإسكات أى نقد لعملائها، لكن هل سيفلحوا فى إسكات منتقديهم والمحذرين من خطورتهم فى الصحافة؟

 نبتدى منين الحكاية؟

مرحبًا بكم فى دولة السناتر التعليمية، حيث نظام تعليمى موازى يسمى فى الأدبيات «تعليم الظل»، ويقنن فى بعض الدول مثل كوريا الجنوبية، وتتعايش معه الدولة بشكل غريب وكأنها تعترف به رغم كونه خارج منظومة القانون، أو يتحايل على القانون بأقل العبارات تهذيبًا، بل وصل الأمر إلى أن أحد وزراء التعليم - د. رضا حجازى - كان يفكر فى تقنين السناتر ومنحها ترخيصًا، وهو الاقتراح الذى واجه انتقادات كبيرة لأنه يعنى إصدار شهادة الوفاة للمدارس بدلًا من بثها قبلة الحياة بتطوير حقيقى نحتاجه جميعًا. 

كانت الدروس الخصوصية مقننة للطلاب الضعفاء فى عشرينيات القرن الماضى بإذن من ناظر المدرسة لتحسين مستوى الطلاب الضعفاء، وكأنها برنامج علاجى لاستعادة مستواهم التعليمى وجعلهم قادرين على استكمال الدراسة، لكن مع مرور الوقت، ومع أنظمة الامتحانات المختلفة، وكثافات الفصول، وتراجع الدخل الخاص بالمعلمين واهتمام الدولة بهم، صارت الدروس الخصوصية أداة ابتزاز رئيسية يضغط بها المعلم على الطلاب والأسر لتحصيل دخل أكبر، وهنا بدأت الدولة فى الانتباه والوقوف أمام هذه الظاهرة بقوة قانون لم يستطع احتواء الظاهرة، لتولد ظاهرة أخطر فيما بعد، والغريب، أنها ولدت من قلب الدولة نفسها، ويقول الكاتب والباحث محمد توفيق فى كتابه «ضد المنطق.. قصة التعليم المصرى من محمد على باشا إلى إمبراطور الفيزياء» أنها بدأت حين قرر محمد على محجوب وزير الأوقاف الأسبق فى منتصف الثمانينات تخصيص المساجد وقاعاتها لمواجهة الدروس الخصوصية بدروس مخفضة، ليصبح بذلك أول من «قنن» هذه السناتر، وهو الأمر الذى ووجه وقتها بنقد شديد، لكنه كان بداية انتشار الظاهرة، التى أصبح البعض يتحايل على القانون فيها ويتستر خلف جمعيات أهلية تابعة للتضامن الاجتماعى، لتدرج ضمن أنشطتها إعطاء دروس ومجموعات تقوية بمبالغ زهيدة لمساعدة أهل الحي!! 

ومع مرور الوقت تراجعت المدرسة، وزادت سطوة السناتر، والتى أصبحت أنسب اقتصاديًا لميزانية الأسرة المصرية من الدروس الخصوصية.

 كيف ترعرع فى وادينا الطيب محمد صلاح ورفاقه؟

مع الإغلاق العام الذى واكب كورونا بدأ بيزنس السناتر التعليمية يتحول إلى الرقمنة، وكما برز صناع المحتوى فى تيك توك، بزغ عدد من أسماء المدرسين الذين ظهروا فى «لايفات» أو بث مباشر أو فيديوهات لشرح المنهج، وكان منهم مدرس من الإسماعيلية فى أواخر العشرينيات من عمره اسمه محمد صلاح، قدم حصصه عبر قناة على اليوتيوب اسمها «بسطتهالك» وصل المشتركين فيها اليوم لما يزيد على خمسة ملايين ونصف مشترك، محققة ما يزيد على نصف مليار مشاهدة، وهو ما جعل (أصحاب السناتر) يتساءلون عن هذا المدرس الذى حقق نجاحًا وتفاعلًا كبيرًا فى فترة بسيطة، وبمظهره السلفى، وبمناداته لطلابه بـ«يا مولانا» و«يا سيدنا»، لتكون أحد سناتر الهرم بداية الانتشار لمحمد صلاح ورفاقه، والذين استغلوا تراجع النظام التعليمى فى مصر للانقضاض على الطلاب بطرق مختلفة.

 لوبى البيج داتا!

المستر (م) هو أحد مدرسى السناتر، «بساريا» وسط «القروش» كما يحلو له أن يصف نفسه، وهو صديق قديم دفعه ما حدث معى من هجوم ومحاولات اختراق لحسابى لتعاطف شديد حكى من خلاله عن كيفية «استهداف» طلاب الثانوية العامة وتربيتهم وإعدادهم مبكرًا ليكونوا فى فريق أحد أباطرة السناتر، بداية من بعض موظفى الإدارات التعليمية الذين وزعوا بيانات طلاب الثانوية العامة فى عام الإغلاق، ليجد الطلاب أنفسهم – بالآلاف – فى مجموعات «تليجرام» تتحدث عن الثانوية العامة، وترسل نماذج امتحانات وحلولها، وتتفاعل فيها حسابات مجهولة لا يعرف أصحابها، ثم يدور السؤال حول: «هتاخدوا عند مين مادة كذا؟»، لتبدأ الردود بأسماء بعينها، ويخلق الرأى العام داخل الجروب، وتلعب الـ WORD OF MOUTH دورًا كبيرًا لتزكية أسماء بعينها، سنكتشف فيما بعد أنهم إما أصحاب الجروب نفسه، أو المستخدمين له كمعلن ومروج غير مباشر وفق اتفاق مالى غير مراقب، وهو البيزنس الذى دفع كثيرين لدخول المجال عن طريق «الوكالة»، وكأننا فى سوق ضخم تقوم الوكالات فيه بالتعاقد مع عدد من معلمى السناتر للترويج لهم عبر الجروبات، وتصوير محاضراتهم، وعمل محتوى سوشيال ميديا يجعل من المعلم صانع محتوى، ثم يعمل على «تنجيمه» لو جاز التعبير، ليصنع منه نجمًا يجنى منه ومن مشاهداته ومن تكليفاته أموالًا كبيرة، لكن الأمر تطور حين قرر بعض مدرسى السناتر أن يفتحوا وكالاتهم بالفعل، ثم زاد الأمر لصناعة سيستم متكامل قام فيه المعلمون بعمل منصات شخصية، بعيدة كل البعد عن رقابة الدولة، ويتم الدفع فيها عبر وسائل دفع مختلفة بعضها غير مراقب بالمرة، وهى حيلة شهيرة للتهرب من الضرائب والرقابة القانونية، لكن السؤال الأخطر يكمن فى (الداتا) الضخمة التى يجمعها أصحاب هذه المنصات – ومنهم محمد صلاح – للمشتركين، وهو ما يجعلنا نسألهم بوضوح: بأى حق يتم تجميع داتا عن شريحة كبيرة من طلاب مصر عبر هذه السنوات؟ وماذا تفعلون بالـBig Data الضخمة التى جمعتوها؟ ولحساب من؟

 أصحاب الأكواد فى راحة!

عبر السيستم الدقيق الذى صنعه أباطرة السناتر، أصبح الأمر دولة داخل الدولة بالفعل، إذ أن هناك أكواد يتم بيعها للطلاب ولا نعرف وعاءها الضريبى، ومعلومات يتم جمعها عنهم لا نفهم أين تستخدم؟ ونظام تعليم موازى يرسخ من كره المدرسة، إذ أصبح الطالب فى منصة أستاذ السنتر (كلاينت) أو عميل، يجد خدمة كبيرة، وخط ساخن، ولا نعلم كذلك هل هذه المنصات مؤمنة؟ وهل هناك احتمالية استخدام هذه المنصات – غير المراقبة وغير المرخص كثير منها – فى أغراض أخرى بخلاف التعليم؟ وإذا كان محمد صلاح – أحد هؤلاء المعلمين – يستضيف دعاة سلفيين، ويعطيهم صكًا بالمشروعية بظهورهم فى ليلة الامتحان شاء أم أبى، اتفق أم اختلف، فما الذى يمنع – فى غياب الرقابة – من ترويج أى شخص آخر لأى أفكار لهذه المرحلة العمرية المرعبة، فى تلك اللحظة الصعبة؟

أؤمن أن هذا هو عمل الأجهزة الأمنية وأجهزة المعلومات، كما أن محمد صلاح ليس هدفًا فى حد ذاته، لكن الجملة المفتاحية فى التهديد المضحك الذى وصل هى أن محمد صلاح (مدرس اللغة العربية) فاتح بيوت مئات الأسر.

أى أفكار سيروجها محمد صلاح فى مراجعة ليلة الامتحان هذا العام؟ ومن سيستضيف؟ (اللهم بلغه ومنصته ليلة الامتحان). عمومًا، ربما يكون ما حدث سببًا لفتح ملف السناتر ومدرسيها وأباطرتها ومعرفة من هم؟ وماذا يقدمون؟ ولماذا لا تتحرك الدولة فى هذا الملف؟ 

ولا أقصد هنا التحرك الأمنى، وإن كان ضروريًا لإحكام الرقابة الحقيقية على أشياء غير مفهومة بالمرة وغير مبررة تتعلق بترويج أفكار بعينها لأسباب لا نعرفها، وإنما التحرك على مستوى وزارة التربية والتعليم والتعليم الفنى، والتى تقدم منتجًا قويًا لا تحسن تسويقه وترويجه رغم مجانيته (قنوات مدرستنا المجانية/ تطبيق مدرستنا بلس المجاني/ تطبيق فهيم للذكاء الاصطناعى)، ويبذل الوزير محمد عبداللطيف جهدًا ينبغى دعمه فى سبيل عودة الطلاب للمدارس، وعلى مستوى وزارة الاتصالات، وعلى مستوى مصلحة الضرائب، وعلى مستوى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وكلها جهات عليها مسئولية ضخمة وكبيرة، ولم تلتفت بعد لخطورة الأمر، وكواليسه المرعبة، لكن هذا حديث آخر نؤجله للأسبوع المقبل بإذن الله، مطمئنين – بفضل الله - لعدم قدرة الشركة الهندية على جمع نسخ روزاليوسف من السوق أو إيقاف الطباعة.