بعد إعلان الحكومة تعميم التجربة
العمل أون لاين هل أسهم فى ترشيد الاستهلاك؟
نعمات مجدى
مع تزايد التحديات المرتبطة بارتفاع استهلاك الطاقة، عادت تجربة العمل عن بُعد لتفرض نفسها كأحد الحلول المطروحة لتخفيف الضغط على الموارد، خاصة بعد تطبيقها لمدة شهر وما أظهرته من مؤشرات متباينة بين الخبراء حيث أعلن رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى استمرار تجربة العمل عن بعد يومًا فى الأسبوع.
فبينما يرى البعض أنها خطوة فعالة لترشيد الاستهلاك؛ وتقليل الضغط على المواصلات والانبعاثات، يؤكد آخرون أن تأثيرها الأكبر يظل فى خفض استهلاك الوقود أكثر من الكهرباء، فى حين ترتبط جدوى تعميمها بطبيعة كل قطاع وحدود تأثيرها على النشاط الاقتصادى.
وبين هذه الرؤى المختلفة، تظل تجربة العمل عن بُعد نموذجًا يحتاج إلى تقييم دقيق؛ لتحقيق التوازن بين كفاءة استهلاك الطاقة؛ واستمرار عجلة الإنتاج.
التطور التكنولوجى
يرى المهندس محمد جبران، وزير العمل السابق، أن تجربة العمل عن بُعد لمدة شهر أثبتت فعاليتها فى ترشيد الاستهلاك، خاصة مع انخفاض الضغط على المواصلات والطرق، وما ترتب عليه من تقليل فى معدلات الاستهلاك بشكل عام.
وأوضح أن هذه التجربة يمكن تعميمها، لاسيما أن أغلب الدول الأوروبية تطبق بالفعل أنماط العمل الحديثة، وعلى رأسها العمل عن بُعد، مستفيدة من التطور التكنولوجى.
مرونة العمل
وأشار إلى أن قانون العمل الجديد أتاح أنماطًا متعددة من العمل، من بينها العمل عن بُعد، وهو ما يمثل فرصة كبيرة لتوسيع هذا النموذج داخل مصر، فجانب تقليل الزحام والانبعاثات، يسهم هذا النمط فى خفض استهلاك الطاقة داخل المؤسسات، ويمنح مرونة أكبر فى سوق العمل، خاصة مع وجود شركات عالمية ومراكز خدمة عملاء تعمل من مصر لصالح الخارج، وهو ما يحقق عائدًا اقتصاديًا مهمًا.
وأضاف أن التجربة الأخيرة، التى تضمنت تقليل أيام العمل الحضورى، أثبتت أن تخصيص يوم إضافى للعمل عن بُعد خلال الأسبوع يمكن أن يساهم بشكل ملحوظ فى خفض الاستهلاك، خصوصًا مع اقتراب فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، التى تؤدى إلى زيادة استخدام أجهزة التكييف.
وأكد أن تقارير وزارة الكهرباء تعكس بالفعل أهمية هذه الخطوة فى تخفيف الأحمال، حتى قبل الوصول إلى ذروة الحرارة.
وفى الوقت نفسه، شدد جبران على ضرورة مراعاة طبيعة بعض القطاعات فى مصر، مثل الأنشطة السياحية والأعمال المرتبطة بالاقتصاد غير الرسمى أو العمالة غير المنتظمة، والتى قد تتأثر سلبًا بتقليل ساعات العمل أو إغلاق بعض الأنشطة وأشار إلى أن هذه القطاعات تمثل مصدرًا مهمًا للدخل القومى والضرائب، فضلًا عن ارتباطها بتشغيل أعداد كبيرة من العمالة اليومية.
وأوضح أن زيادة بقاء المواطنين فى المنازل قد يؤدى إلى ارتفاع استهلاك الكهرباء المنزلى، مقارنة بالاستهلاك فى المنشآت التجارية التى قد تكون مغلقة جزئيًا.
لذلك، اقترح وضع ضوابط متوازنة، مثل تحديد مواعيد إغلاق مناسبة للمحال، مع إتاحة مرونة أكبر لأماكن الترفيه والمناطق السياحية، مثل خان الخليلى، بما يضمن استمرار النشاط الاقتصادى الليلى ودعم العمالة المرتبطة به.
واختتم المهندس مجمد جبران كلامه معانا بالتأكيد على دعمه الكامل لاستمرار تطبيق العمل عن بُعد بشكل جزئى، مع ضرورة تحقيق التوازن بين ترشيد الاستهلاك والحفاظ على النشاط الاقتصادى فى مختلف القطاعات.
توفير الوقود
أكد د. حافظ السلماوى أستاذ هندسة الطاقة بكلية الهندسة جامعة الزقازيق؛ أن الهدف الأساسى من تطبيق العمل من المنزل لا يتمثل فى ترشيد استهلاك الكهرباء، بل فى خفض استهلاك الوقود، موضحًا أن تقليل الاعتماد على وسائل المواصلات، سواء الخاصة أو العامة، هو العامل الأكثر تأثيرًا فى تحقيق وفر حقيقى فى الطاقة.
وأشار إلى أن تقدير حجم الوفر فى استهلاك الكهرباء نتيجة العمل من المنزل يعد أمرًا معقدًا، لأن الموظف الذى لا يذهب إلى مقر عمله يستهلك كهرباء داخل منزله بدلًا من مقر العمل، وبالتالى يصعب تحديد حجم التوفير بدقة وأوضح أن العمل من المنزل لا يقتصر على العمل “أونلاين”، بل يشمل أيضًا أنماطًا أخرى من العمل يمكن إنجازها من المنزل دون استخدام الحاسب، بحسب طبيعة كل وظيفة، لافتًا إلى أن هذا النموذج لا يمكن تطبيقه على جميع العاملين، خاصة فى القطاعات الخدمية التى تتطلب تواجدًا مباشرًا مع الجمهور، مثل الشهر العقارى وغيرها، بالإضافة إلى المعلمين الذين يُقدَّر عددهم بنحو مليون ونصف المليون ولا يمكن إدراجهم ضمن هذا النظام.
وأضاف أنه فى حال افتراض أن نحو نصف العاملين فى الحكومة — من إجمالى يقترب من 5 إلى 6 ملايين موظف — يمكنهم العمل من المنزل ليوم واحد، فإن الأثر الأساسى المتحقق يظل فى توفير الوقود وليس الكهرباء.
وأشار إلى أن بيان وزارة الكهرباء أوضح تحقيق وفر قدره 18 ألف ميجاوات/ساعة خلال أسبوع، أى ما يعادل 18ميجاوات/ساعة، مقارنة بمتوسط استهلاك يومى يتراوح بين 450 و500 ميجاوات /ساعة، بمتوسط تقريبى 475 ميجاوات/ساعة يوميًا، وهو ما يعنى أن إجمالى الاستهلاك الأسبوعى يقارب 3 آلاف إلى 3.3 ألف ميجاوات/ساعة.
وبناءً على هذه الأرقام، أوضح أن نسبة الوفر المتحققة تدور حول 0.5 % تقريبًا من إجمالى الاستهلاك، وهى نسبة منطقية، خاصة أن استهلاك المحال التجارية يمثل نحو 5 % من إجمالى الاستهلاك، ومع تقليل ساعات العمل بنحو ساعتين يوميًا من إجمالى 12 ساعة تشغيل (من 11 صباحًا إلى 11 مساءً)، فإن الوفر يكون محدودًا، رغم أن ساعات الليل ذات استهلاك أعلى بسبب الإضاءة.
كما أشار إلى أن إنارة الشوارع تمثل نحو 3 % من إجمالى الاستهلاك، ومع عدم إطفاء جميع الشوارع، فإن الوفر الفعلى يظل محدودًا، موضحًا أنه كان يتوقع أن يتراوح الوفر بين 1 % و1.5 %، إلا أن البيانات الرسمية أظهرت أن النسبة الفعلية تقترب من نصف فى المائة.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن الوفر فى الكهرباء يظل محدود التأثير، بينما يظل الوفر الأكبر والأهم ناتجًا عن تقليل استهلاك الوقود نتيجة خفض حركة التنقل اليومية.
أثبتت جدواها
قال د. جمال القليوبى أستاذ هندسة البترول والطاقة، إن تجربة العمل عن بُعد أثبتت جدواها فى ترشيد استهلاك الطاقة بشكل واضح. وأشار إلى أن الإحصائيات الصادرة عن وزارة الكهرباء، وخاصة الشركة القابضة للكهرباء، أوضحت أن اليوم الذى تم فيه تطبيق العمل عن بُعد كان يوفر نحو 4700 ميجاوات يوميًا.
وأضاف أن قرار ترشيد الاستهلاك من خلال تأخير مواعيد الغلق لمدة ساعة واحدة فقط، ولمدة 11 يومًا، أسهم فى توفير نحو 18 ألف ميجاوات، أى بمعدل يقارب 1600 ميجاوات يوميًا، وهو ما يعادل إنتاج محطة إلى محطة ونصف كهرباء تعمل بكامل طاقتها، نتيجة توفير ساعة واحدة أو ما يقرب من 8 ساعات من استهلاك العمل الفعلى.
وأوضح أن الوضع الحالى قد يخضع لإعادة تقييم، خاصة فيما يتعلق بمواعيد الغلق، بعد يوم 27 من الشهر الجارى، لكن ذلك يظل مرتبطًا بتطورات المشهد العالمى، خصوصًا المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.
وأكد القليوبى أن استمرار هذه الضغوط على أسواق الطاقة، هو ما يدفع مصر إلى مواصلة سياسات الترشيد لفترات قادمة، ولم يستبعد إمكانية توسيع تطبيق العمل عن بُعد ليشمل يومين أسبوعيًا بدلًا من يوم واحد، إلى جانب احتمالية مد مواعيد غلق المحال حتى الساعة الحادية عشرة مساءً خلال الصيف، أو اللجوء إلى إجراءات تخفيف الأحمال، كخطوات استباقية إذا استمرت حالة الجمود فى المفاوضات الدولية.







