السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

عودة طابا نصر فى الحرب وفى القضاء

من ساحات الحرب إلى أروقة المحاكم الدولية، تجلت « العبقرية المصرية»،  فبعد أن استعادت مصر كرامتها فى حرب أكتوبر المجيدة عام 1973، ولقن الجيش المصرى العظيم، العدو الإسرائيلى المتغطرس درسًا فى فنون الحرب ودمرنا خط بارليف وسيطرنا على كل النقاط الحصينة به ورفعنا العلم المصرى على الضفة الشرقية للقناة، جاءت ملحمة العقل والقانون، لتؤكد للعالم أن المصريين لم ولن يفرطوا فى شبر واحد من أرضهم، فبعدما رفض العدو الانسحاب من طابا، أملا منه فى ضمها لوطنه المزعوم كان الموقف المصرى حاسمًا.



 

مؤكدا أنه لا تهاون أو تفريط فى تلك البقعة الغالية من مصر، وتحولت أزمة طابا إلى ملحمة عبور ثانية خاضتها الدبلوماسية المصرية بعقل لا يقل براعة عن المقاتل الذى عبر قناة السويس، فكانت إرادة الدبلوماسيين والقانونيين المصريين، عامل الحسم فى الحكم لصالح مصر بأحقيتها فى طابا، بعدما أخضعوا الكيان المحتل لمنطق القانون، بعدما أخضعنا للجلوس على مائدة التفاوض بمنطق القوة والسلاح بعد معركة التحرير.

معركة التحكيم وعودة طابا، أثبتت أن «سيناء» أرض التجلى ومعبر الأنبياء، والتى رويت بالدماء أكثر من الماء، هى درة التاج المصرى والأمانة المقدسة، التى لا تقبل التفريط فى ذرة رمال منها، فبين سلاح المقاتل وحكمة القانونى، تظل السيادة المصرية عنواناً لا ينكسر، فمصر لديها درع وسيف لحماية حدودها وسيادتها ومقدراتها الوطنية، و«عقولاً» قانونية ودبلوماسية قادرة على حماية حقوقها فى المحافل الدولية.

قضية طابا، بدأت بعد توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل فى عام 1979، والتى نصت على سحب «تل أبيب» كامل قواتها من أرض الفيروز  فى موعد أقصاه 25 أبريل 1982، لكن كعادتها أثارت الدولة الصهيونية أزمة منذ ديسمبر 1981 من خلال الإدعاء بمواقع غير صحيحة للعلامة رقم 91 فى محاولة للاستيلاء على طابا، إلا أن الموقف الإسرائيلى اصطدم بحكمة الدولة المصرية ،وعدم تهاونها فى ذرة رمال من الأرض المحررة، حيث تم التوافق على حل  يسمح باستكمال الانسحاب الإسرائيلى فى الموعد المتفق عليه، مع البحث عن طريقة لحل الخلافات القائمة حول العلامات المعلقة دون حسم.

الدولة المصرية كانت تدرك جيدا ما تسعى إليه الدولة اليهودية، لتعطيل عملية الانسحاب، لذلك عملت على توقيع اتفاق فى 25 أبريل 1982 لوضع النزاع فى إطار محدد لتسويته بإحدى وسائل تسوية المنازعات الدولية عن طريق المفاوضة أو التوافق أو التحكيم التى حددتها المادة السابعة من معاهدة السلام بين البلدين.

433 ساعة من « الأشغال العقلية الشاقة»، خاضتها الدولة المصرية لإثبات مصرية طابا، فى 11 سبتمبر 1986، وقعت مشارطة؟؟ التحكيم بين الدولتين وأُحيل النزاع إلى هيئة تحكيم دولية تكونت من خمسة محكمين، ومنذ تشكيل هيئة التحكيم وحتى 29 سبتمبر 1988، قدم الفريق المصرى أسانيد ووثائق تؤكد حق مصر التاريخى فى منطقة طابا، تمتد من عام 1274، وأيضاً مجموعة من الأسانيد والوثائق التاريخية من المندوب السامى البريطانى إلى الخارجية المصرية، والمخابرات المصرية عام 1914 وتقارير مصلحة الحدود فى عام 1931 وأخرى، كما تم إثبات 10 علامات حدودية لصالح مصر من مجموع 14 علامة بأغلبية 4 أصوات ضد صوت واحد من المحكمين، وإثبات 4 علامات لصالح مصر بإجماع الأصوات الخمسة، واستمرت المعركة القانونية إلى أن أسدل الستار فى 29 سبتمبر 1988 بإصدار هيئة التحكيم حكمها التاريخى فى جلسة علنية عقدت فى قاعة المجلس الكبير بالمقر الرسمى لحكومة مقاطعة جنيف فى حضور وكيلى الحكومتين، وأعضاء هيئة الدفاع لكلا الجانبين معلنة عودة طابا إلى أحضان الوطن المصرى.

وبعد صدور الحكم قامت إسرائيل بالتهرب من التنفيذ، ما أدى إلى عقد جولات أخرى من الاجتماعات لتنفيذ حكم التحكيم وتسليم طابا منشآتها إلى مصر حتى وصلت إلى المرحلة الأخيرة بتسليم طابا فى 15 مارس 1989 ورفع العلم المصرى عليها فى 19 مارس من نفس العام . 

يذكر أن منطقة طابا هى آخر النقاط العمرانية المصرية على خليج العقبة، وهى ذات أهمية استراتيجية وسياحية كبيرة، حيث تقع على رأس خليج العقبة بين سلسلة جبال وهضاب طابا الشرقية من جهة، ومياه خليج العقبة من جهة أخرى، وتبعد عن مدينة شرم الشيخ حوالى 240 كيلومترًا باتجاه الشمال، وتجاورها مدينة إيلات الإسرائيلية، وتمثل المنطقة الواقعة بين طابا شمالاً وشرم الشيخ جنوباً أهم مناطق الجذب والتنمية السياحية بجنوب شبه جزيرة سيناء، ومساحتها كيلومتر مربع واحد (حوالى 508.8 فدان).

 

أبرز أعضاء الفريق القانونى والدبلوماسى

- الدكتور نبيل العربى.. «رئيس اللجنة القانونية» وسفير مصر لدى الأمم المتحدة آنذاك، وقاضٍ سابق فى محكمة العدل الدولية.

- الدكتور مفيد شهاب.. أستاذ القانون الدولى ورئيس جامعة القاهرة الأسبق، وأحد الأعمدة الرئيسية فى صياغة المرافعات.

- الدكتور وحيد رأفت.. نائب رئيس مجلس الدولة الأسبق وأحد كبار فقهاء القانون الدولى فى مصر.

- الدكتور محمد يونس.. خبير القانون الدولى والمستشار القانونى بوزارة الخارجية.

- الدكتور أحمد القشيرى..عضو الهيئة المصرية للتحكيم.

- السفير مهاب مقبل..عضو اللجنة الدبلوماسية.

- الدكتور يوسف أبو الحجاج.. أستاذ الجغرافيا الذى قدم الخرائط والمستندات الجغرافية الحاسمة.

- اللواء محسن حمدى.. رئيس الجانب المصرى فى اللجنة العسكرية المشتركة، وصاحب الدور الميدانى الأبرز فى تحديد نقاط الحدود.

- المستشار محمد أمين المهدى.. تولى لاحقاً رئاسة مجلس الدولة، وكان عضواً فاعلاً فى اللجنة.

- الدكتور حامد سلطان أستاذ القانون الدولى وكان عضو لجنة التحكيم عن الجانب المصرى.