روشتة لكل بيت
اقتصاد الناس كيف ننفق؟
محمد مشعال
فى ظل التحديات الاقتصادية العالمية المتسارعة، وتزايد الضغوط على موارد الطاقة، يبرز ملف ترشيد استهلاك الطاقة فى مصر كأحد أهم القضايا الاستراتيجية التى تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ما يطرح تساؤلات حول كيفية الإنفاق والاستهلاك داخل كل أسرة.
وبين توجهات حكومية تستهدف حماية الموارد، ورؤى خبراء تدفع نحو التحول إلى الطاقة المتجددة، تتشكل ملامح مرحلة جديدة عنوانها: «الاستدامة وإدارة الأزمة بوعي».
أولًا: الترشيد لم يعد خيارًا
يؤكد الدكتور محمد الشوادفى، خبير الطاقة، أن ترشيد استهلاك الطاقة لم يعد خيارًا مطروحًا، بل أصبح ضرورة ملحة لمواجهة الأزمات الاقتصادية الحالية وبناء مستقبل أكثر استقرارًا.
ويشير فى تصريحات خاصة لـ«روزاليوسف» إلى أن كفاءة الدول تقاس بقدرتها على إيجاد حلول وبدائل للأزمات، موضحًا أن الترشيد يمثل ركيزة أساسية لتحقيق التوازن بين محدودية الدخل وارتفاع معدلات الاستهلاك، إلى جانب دعم معدلات الادخار وبناء اقتصاد مستدام قائم على الاستخدام الرشيد للموارد.
ويضيف أن الاستهلاك غير الرشيد للطاقة يتعارض مع المعايير الاقتصادية الحديثة، لافتًا إلى أن الحكومة تبنت سياسات ترشيد الطاقة بهدف تقليل الضغط على النقد الأجنبى المستخدم فى استيراد المواد البترولية، وتوجيه الطاقة إلى القطاعات الإنتاجية، خاصة القطاع الصناعى، بما يسهم فى زيادة الإنتاج وتوفير العملة الصعبة.
ويشدد على أن ترشيد الطاقة ينعكس مباشرة على تعزيز الادخار ودعم الاقتصاد الوطنى، مؤكدًا أن الأزمة الحالية مرشحة للاستمرار فى ظل تعقيدات المشهد الاقتصادى والسياسى عالميًا.
ثانيًا: التحول للأخضر
فى سياق متصل، يرى المهندس إبراهيم محروس، خبير الطاقة، أن مصر حققت خطوات متقدمة فى التحول إلى الاقتصاد الأخضر، مشيرًا إلى أن الطاقة المتجددة أصبحت عنصرًا رئيسيًا فى جذب الاستثمارات الصناعية العالمية.
وأوضح لـ«روزاليوسف» أن الطاقة الشمسية تمثل طفرة اقتصادية حقيقية، حيث تمتد عمر المحطات إلى 25 عامًا مع إمكانية استرداد التكلفة خلال 7 سنوات فقط، ما يجعلها مصدرًا منخفض التكلفة على المدى الطويل.
ويؤكد أن الصناعة الخضراء لم تعد خيارًا، بل أصبحت شرطًا أساسيًا لدخول الأسواق الأوروبية والأمريكية التى تعتمد على «البصمة الكربونية» كمعيار للتصدير، مشيرًا إلى أن مصر تمتلك 125 شركة معتمدة فى هذا المجال.
كما يلفت إلى أن المدن الصناعية الجديدة فى المنيا وأسوان ودمياط تعتمد على قدرات كبيرة من الطاقة النظيفة، ما يعزز مكانة مصر الإقليمية فى قطاع الطاقة المتجددة.
ثالثًا: مصر مركز إقليمى للطاقة النظيفة
يكشف خبير الطاقة عن نجاح مصر فى جذب استثمارات أجنبية من دول مثل النرويج وإسبانيا وفرنسا، للمشاركة فى مشروعات كبرى أبرزها «بنبان» و«نجع حمادي».
كما يشير إلى أن الربط الكهربائى مع إيطاليا سيجعل من مصر موردًا رئيسيًا للطاقة النظيفة إلى أوروبا، مستفيدة من تنوع مصادر الطاقة لديها بين الشمس والرياح والطاقة النووية فى الضبعة.
رابعًا: البعد المجتمعى.. الوعى هو الأساس
يرى خبراء الاقتصاد أن نجاح سياسات ترشيد الطاقة لا يعتمد فقط على الدولة، بل يحتاج إلى وعى مجتمعى حقيقى يتحول إلى سلوك يومى داخل المنازل والمؤسسات.
فترشيد الاستهلاك لم يعد مجرد إجراء اقتصادى، بل أصبح ثقافة مجتمعية تمس كل مواطن، وتنعكس مباشرة على استقرار الاقتصاد وقدرته على مواجهة الأزمات.
خامسًا: الاقتصاد الكلى وحماية محدودى الدخل
من جانبه، أكد الدكتور خالد الشافعى، الخبير الاقتصادى، لـ«روزاليوسف» أن الدولة تتحرك بشكل استباقى ومدروس لتقليل تداعيات أى أزمة عالمية محتملة، موضحًا أن مصر لم تعد تتعامل مع الأزمات برد الفعل، بل أصبحت تبنى سياسات مرنة قائمة على توقع السيناريوهات المختلفة، وهو ما ظهر بوضوح فى إدارة الأزمات الاقتصادية الأخيرة.
وشدد الشافعى على ضرورة مراعاة محدودى الدخل وتوفير السلع الأساسية بأسعار مناسبة وفى متناول الجميع، مؤكدًا أهمية التزام المواطنين بسياسات ترشيد الاستهلاك، بما يسهم فى تخفيف الضغوط الاقتصادية.
وقال إن «التكاتف بين الدولة والمواطنين أصبح ضرورة فى المرحلة الحالية، خاصة مع استمرار التحديات العالمية التى تؤثر على الأسواق وسلاسل الإمداد»، مضيفًا أن الوعى المجتمعى يلعب دورًا مهمًا فى عبور الأزمات.
واختتم الخبير الاقتصادى تصريحاته بالتأكيد على أن المرحلة تتطلب دعم المنتج المحلى، واستمرار السياسات الاحترازية للدولة، إلى جانب ترشيد الاستهلاك، بما يضمن الحفاظ على استقرار الأسواق وتخفيف الأعباء عن المواطنين قدر الإمكان.
سادسًا: الأسرة.. خط الدفاع الأول فى الترشيد
من جانبها، أكدت الدكتورة منى خالد، خبيرة الاقتصاد المنزلى، لـ«روزاليوسف» أن ربة المنزل تمثل عمود الأسرة، فهى المسئولة عن إدارة شئون المنزل وتنظيمه، سواء كانت عاملة أو متفرغة، مشيرة إلى أن القدرة على التدبير وحسن الاقتصاد تسهم فى ازدهار واستقرار الأسرة.
وأوضحت أن التخطيط المسبق ووضع ميزانية دقيقة للأسرة يُعدان من أهم أدوات الإدارة الناجحة، من خلال تقسيم الميزانية إلى شهرية وسنوية ونصف سنوية وأسبوعية وفقًا لدخل الأسرة واحتياجاتها، والتى تختلف من أسرة لأخرى حسب دخل كل أسرة، مع أهمية الترشيد فى الإنفاق وتحقيق التوازن بين الاحتياجات الأساسية والإمكانات المتاحة.
وأضافت أن ربة المنزل يمكنها الحفاظ على دخل الأسرة من خلال التخطيط المسبق لشراء المستلزمات على مراحل، والاستفادة من العروض والمبادرات التى توفرها الدولة، إلى جانب الجهود التى تبذلها وزارة الزراعة ووزارة الداخلية من خلال توفير شوادر وأسواق بأسعار مخفضة تناسب مختلف شرائح المجتمع.
وفى سياق متصل، أشارت إلى أهمية دور الأسرة، وخاصة الأم، فى دعم توجه الدولة نحو ترشيد استهلاك الطاقة فى ظل الظروف الاقتصادية العالمية، موضحة أن هذا الدور لا يقتصر على الترشيد فقط، بل يمتد إلى التربية السلوكية للأبناء.
وأكدت أن من أبرز الممارسات التوعوية داخل الأسرة تعليم الأبناء إطفاء الأنوار فى الغرف غير المستخدمة، وترشيد استهلاك الكهرباء والمياه، باعتبار ذلك سلوكًا يوميًا يسهم فى تنمية الوعى والتخطيط للمستقبل، وغرس قيم الانتماء وحب الوطن.
واختتمت بالتأكيد على أن غرس هذه المفاهيم داخل الأسرة يمثل أساسًا مهمًا لبناء جيل واعٍ قادر على إدارة الموارد بشكل صحيح، والمشاركة الإيجابية فى دعم جهود الدولة لتحقيق التنمية المستدامة وترشيد الاستهلاك.
نحو اقتصاد أكثر استدامة
فى ضوء هذه الرؤى المتكاملة، يتضح أن ترشيد استهلاك الطاقة فى مصر لم يعد سياسة وقتية، بل تحول إلى مشروع وطنى شامل يجمع بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص.
وبين التحول نحو الطاقة النظيفة، وتعزيز كفاءة الاستخدام، ونشر الوعى المجتمعى، تمضى مصر نحو مرحلة جديدة يصبح فيها الترشيد ليس مجرد وسيلة لتجاوز الأزمات، بل ركيزة لبناء اقتصاد أكثر قوة واستدامة وقدرة على مواجهة التحديات العالمية.







