مدبولى تحت القبة.. روشتة الصمود فى مواجهة نيران الإقليم
رسائل «المصارحة» بين الحكومة والبرلمان
أسامة رمضان
لم يكن وقوف الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، أمام نواب الشعب يوم الثلاثاء الماضى، مجرد كشف حساب تقليديًا أو إجراءً بروتوكوليًا تفرضه اللوائح، بل كان لحظة مكاشفة وطنية شاملة، وضعت الجميع أمام الحقيقة المرة التى يفرضها الواقع الجيوسياسى المتعلق بصراعات المنطقة.
الخطاب لم يأت ليدافع عن سياسات إجرائية، بل ليرسم خارطة طريق تشرح كيف تحولت نيران الإقليم، من توترات مضيق هرمز إلى حروب الجوار الممتدة، إلى فاتورة يومية باهظة يستشعرها المواطن، وتتحملها الدولة كمصدات صدمات فى ميزانية مرهقة، وسط عالم لا يعرف الاستقرار.
رسائل الحكومة
وفى قراءة سياسية عميقة لرسائل الحكومة، يبرز التوافق البرلمانى حول توقيت ومضمون البيان؛ ويرى النائب الدكتور أيمن محسب، وكيل لجنة الشئون الاقتصادية بمجلس النواب، أن بيان مدبولى جاء فى وقت حاسم كانت فيه الحاجة ماسة - شعبًا ونوابًا- لفهم أن الدولة لا تسير بعشوائية، بل وفق منهج محدد وقوى، حيث إن كل خطوة تتضع لها الحكومة لها ألف حساب، وما هو غير محسوب ويستجد وفقا للأحداث والأزمات يتم التعامل معه بمرونة واحترافية عالية.
ويسترسل محسب فى رؤيته التحليلية، مؤكدًا أننا بينما رأينا دولًا من حولنا تنهار اقتصاديًا نتيجة الصدمات، ظل اقتصادنا متماسكًا وقويًا، ولم نشهد أزمات فى توفر السلع الأساسية فى الأسواق، بل إن البيان حمل بشرى حقيقية بالتأكيد على باكتشافات جديدة فى آبار الغاز والنفط، مما سيقلل مستقبلًا من حدة تأثرنا بجنون أسعار البترول العالمية، ولن نشعر بوطأتها كما يحدث فى الخارج.
الشفافية منهج الرئيس
ويشدد وكيل اقتصادية النواب، على أن الشفافية هى منهج الرئيس السيسى الدائم، حتى من قبل وقوع الأزمات العالمية، وهى التى تجعل المواطن شريكًا، وداعما لإجراءات الدولة، عندما يدرك حجم القدرات والتحديات بوضوح، مشيرًا إلى أن إجراءات مثل ترشيد الاستهلاك أو تنظيم مواعيد المحال التجارية هدفها الأساسى هو ضمان استدامة تقديم الخدمات للمواطن لأطول فترة ممكنة، فإغلاق المحال مبكرًا هو رسالة للناس من أجل الحفاظ على الموارد، مع مرونة الدولة فى رفع المواعيد فى الأعياد والمناسبات لتأمين احتياجات الناس من مصادر أخرى، وهذا كله يصب فى بند استدامة الموارد الوطنية.
مؤسسات الدولة
وعلى جانب آخر من الأهمية، يأتى تحليل النائب مصطفى سالم، وكيل لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، فى تصريحات خاصة لروزاليوسف، حيث أكد أن بيان الحكومة أوجز كافة الإجراءات التى تمت تحسبًا لاستمرار الحرب، وذلك منذ بداياتها الأولى.
ويرى سالم أن هذه الإجراءات الاحترازية، كانت ضرورة حتمية بسبب تأثر كل دول العالم، ومن بينها مصر، جراء توقف حركة التجارة بعد إغلاق مضيق هرمز، خاصة فى القطاعات المتعلقة بالطاقة.
وأوضح سالم، أن حرص رئيس الوزراء على إلقاء بيانه أمام الجلسة العامة، يؤكد على حالة التكامل والترابط والتواصل بين مؤسسات الدولة، سواء التنفيذية أو التشريعية، حيث جاء ليطلع نواب الشعب على أهم التحديات التى تواجهها الدولة المصرية نتيجة التداعيات الدولية.
ويرى وكيل لجنة الخطة والموازنة أن البيان ارتكز على عدة محاور جوهرية، بدأت بتوضيح أهم التحديات وتداعياتها على الأوضاع الاقتصادية والمالية العالمية والداخلية، وتأثير ذلك المباشر على أسعار النفط والعملات الأجنبية وسلاسل الإمداد والشحن، ثم انتقل سالم للحديث عن الخطوات التى اتخذتها الحكومة فى ملف الطاقة وترشيد الإنفاق، مشددًا على أهمية إجراءات الحماية الاجتماعية التى دعمت المواطن فى مواجهة موجات التضخم.
وكشف سالم، أن الحكومة لديها خطط بديلة فى حالة عودة الحرب أو امتداد أجلها زمنيًا أو جغرافيًا، مثمنًا القرارات المتعلقة برفع الأجور، وزيادة الحد الأدنى إلى 8 آلاف جنيه، معتبرًا إياها خطوة مهمة لتحسين مستوى المعيشة وتخفيف الضغوط العالمية.
كشف حساب اقتصادي
وفى قراءة تحليلية فنية معمقة، قدم الدكتور محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، قائلا: إن الكلمة حاولت بناء سردية لإدارة أزمة أكثر من بنائها كشف حساب اقتصادى قابل للقياس، معتبرا أن الخطاب قدم إطارًا سياسيًا متماسكًا يربط بين الحرب الإقليمية وصدمة الطاقة وضغوط الإمداد، وهى زاوية مفهومة سياسيًا لكنها اقتصاديًا لا تكفى وحدها ما لم تقرن بمصفوفة واضحة توضح ما الذى حدث بالأرقام قبل الأزمة، وما الذى تدهور بسببها، وما الذى تحملته الموازنة فعليًا، وما الذى تم احتواؤه بالفعل.
الضغوط الخارجية
وتوقف فؤاد، عند الشق الاقتصادى للكلمة، فى تصريحات خاصة لروزاليوسف، واصفًا إياها بالقوية فى وصف الضغوط الخارجية، لكنها كانت أقل قوة فى تفكيك التكلفة الداخلية؛ فعندما يقال إن فاتورة الغاز المستورد قفزت من 560 مليون دولار إلى 1.65 مليار دولار شهريًا، فهذا يفتح تلقائيًا أسئلة حول من سيتحمل تمويل هذه الفجوة: الموازنة أم الشركات أم المستهلك النهائي؟ وما الأثر الصافى على العجز والدين وكلفة الإنتاج الصناعي؟ كما انتقد فؤاد الربط بين نجاح السياسة النقدية والقدرة على امتصاص الصدمة دون التوقف عند الكلفة المقابلة من حيث أثر ذلك على الأسعار وخدمة الدين وتكلفة التمويل والقوة الشرائية، معتبرًا أن الخطاب عرض جانب الاستقرار أكثر من عرض ثمن الاستقرار.
حماية الفئات الأولى بالرعاية
وفيما يخص إدارة المالية العامة، رأى فؤاد أن الكلمة حملت رسالة مزدوجة بين حماية الفئات الأولى بالرعاية وبين رفع أسعار المحروقات وترشيد الإنفاق، وهى حزمة تحتاج لتفسير أعمق حول اتساقها المالى، وما إذا كانت الزيادات الاجتماعية المعلنة ممولة تمويلًا دائمًا أم أنها استجابة ظرفية، وهل وفر ترشيد الطاقة والإنفاق يقارب الزيادة فى تكلفة الواردات البترولية والدعم والأجور، أم أننا أمام توسع فى الالتزامات الجارية تحت ضغط الأزمة.
التحديات العالمية
وفى هذا الإطار، يحلل الدكتور أحمد الصفتى، الخبير الاقتصادى وأمين أمانة حزب مستقبل وطن بمدينة نصر 3، أبعاد هذا البيان قائلًا إن الحكومة وضعت المواطن المصرى فى مقدمة التزاماتها وأولوياتها، وبرنامجها يهدف إلى بناء مستقبل مشرق رغم التحديات العالمية.
وأكد الصفتى، أن المرحلة تتطلب تكاتف جميع القوى السياسية والمجتمع المدنى لدعم هذه الجهود والعمل معًا لتحقيق الأهداف الوطنية المشتركة، مشيرًا إلى أن دعم برنامج الحكومة هو ضرورة وطنية لبناء مستقبل مستقر بقيادة الرئيس السيسى، خاصة أن السياسات الحالية تتعامل مع عملية النقد والتعامل مع الأموال الساخنة بشكل متدرج مع السيطرة على التضخم الاستثمارى لضمان عدم حدوث قفزات غير مدروسة فى الأسعار.
حالة المكاشفة
ومن جانبه، أكد حزب الجبهة الوطنية برئاسة الدكتور عاصم الجزار، أن بيان رئيس الوزراء يعكس حالة المكاشفة التى تنتهجها الحكومة حول مستجدات الأوضاع الاقتصادية فى ظل الحرب القائمة.
وأشاد الحزب برؤية الرئيس السيسى الداخلية والخارجية خلال هذه الأزمة، حيث شاركت مصر بجهد ملموس فى محاولات تهدئة المنطقة مع الحفاظ على الثوابت المصرية.
وشدد الحزب، على أن إطلاع الحكومة للمجلس على تطورات المشهد الاقتصادى يعكس احترامها لدور المؤسسة التشريعية كشريك رئيسى، موضحا أن المرحلة الراهنة تتسم بالتعقيد بسبب اضطرابات سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، وهو ما يفرض على الدولة التحرك وفق رؤية استباقية لحماية مكتسبات الاقتصاد الوطنى، مثمنًا الإجراءات الوقائية لضمان توافر السلع الأساسية، وتعزيز مخزون الدولة الاستراتيجى، مشددًا على أهمية تكامل الإجراءات قصيرة المدى مع رؤية طويلة الأجل لتعزيز الإنتاج المحلى وتقليل تأثير الأزمات الخارجية مستقبلًا.
واستكمالًا لآراء النواب، أوضح النائب محمود سامى، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب المصرى الديمقراطى الاجتماعى، أن تواجد مدبولى داخل المجلس سبقه اجتماع لرؤساء الهيئات البرلمانية طالبوا فيه بضرورة المكاشفة، معتبرًا تواجده استجابة لهذا المطلب.
واستعرض سامى أرقام أزمة الطاقة، موضحًا أن فاتورة الغاز تضاعفت شهريًا لتصل إلى مليار و650 مليون جنيه، محذرًا من أنه لو استمرت الحرب وغلق المضيق فقد يتجاوز برميل البترول 140 دولارًا، ما قد ينعكس فى تخفيف أحمال أو زيادة أسعار.
وأثنى سامى على رفع الحد الأدنى للأجور لـ 8 آلاف جنيه كتعويض بسيط، لكنه انتقد التأخر فى ملف الطاقة المستدامة، مؤكدًا أنه كان يجب الاستعداد من فترة لتنويع المصادر وعدم البقاء تحت تهديد الأحداث الجارية، معربًا عن أمله فى أن تحقق الوعود الحكومية بالوصول لنسبة 40 % طاقة مستدامة بحلول 2028 نتائج ملموسة تنهى الأزمات الحالية.
تأمين الاحتياجات
وحسب النائب جلال القادرى، وكيل لجنة الطاقة والقوى العاملة بمجلس الشيوخ، فإن تأمين الاحتياجات الأساسية للدولة رغم اضطراب سلاسل الإمداد العالمية هو تحدٍ سيادى نجحت فيه الدولة ببراعة، موضحًا أن التحول نحو الطاقة الخضراء سيوفر مستقبلًا ما يقرب من 7 مليارات دولار سنويًا، ما يمنح مصر درعًا تحمى قرارها.







