د. صلاح سلام
أرض البطولات
منذ حوالى أربع سنوات احتفلنا بالتحرير الثانى لسيناء من قوى الظلام التى امتد تخريبها لكل المكتسبات على الشمال والوسط منها طوال عقد من الزمان نستطيع أن نسمى تلك الفترة بالعشرية السوداء كالتى مرت على الجزائر فى تسعينيات القرن الماضى وبنفس القوى التى تدعى امتلاكها الحقيقة المطلقة وتحت عباءة الدين والدين منها براء فهم أسوأ من الخوارج فقد عاثوا فى الأرض فسادا وشرا واستباحوا الدماء وقتلوا الشيوخ والنساء والأطفال.. وفى سبيل التحرير الثانى وقفت القوات المسلحة وهى الدرع الواقى للوطن وقفة الأسود مثل تلك التى كانت فى أكتوبر 1973 تزود عن الوطن وتقدم التضحيات من خيرة الرجال ويشاركها هذه المرة رجال الشرطة الذين تحملوا عبئا تنوء به الجبال وقدموا أيضًا ثلة من الشهداء وبمشاركة شعبية من خيرة رجال القبائل الذين كانوا كتفا بكتف من اجل استئصال تلك الطغمة الفاسدة لتعود سيناء بالكامل آمنة تستقبل رؤساء ووفود العالم من كل حدب وصوب برّا وبحرا وجوا مؤازرة لقطاع غزة الجريح الذى دمرته آلة البطش الإسرائيلية فى محاولة يائسة لتهجير شعبه إلى سيناء وهو الحلم الذى يراود الفكر الصهيونى منذ خطة برنارد لويس إلى إيجورا لاند وخطة تبادل الأراضى واستكمالا لمشروعهم التوسعى.. فقد استطاع الرئيس السادات رحمه الله انتزاع سيناء من براثن أنيابهم حربا وسلما فبعد انتصار أكتوبر 1973 دخل مفاوضات من موقع قوة وحصل على ما يريد بقوة الحجة والدبلوماسية الهادئة.. وليت كل دول الطوق المحيطة بإسرائيل حذت حذوه لكانت الجولان الآن فى حضن سوريا وجنوب لبنان فى كنف الدولة اللبنانية بدون ميليشيات وغور الأردن بلا اتفاقية إذعان والحكم الذاتى للفلسطينيين ربما قد وصل الآن إلى دولة كاملة السيادة ولكن العند العربى وقتها لم يكن يرى أبعد من قدميه وكان السادات صاحب رؤية وبعد نظر والآن وبعد نيف وأربعة عقود على التحرير بعد احتلال دام خمسة عشر عاما كانت فيها سيناء صحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء فنحن أمام 61 ألف كيلومتر مربع أى ستة أضعاف مساحة دولة لبنان ناهيك عن دول أخرى فقد بدأ الرئيس السادات بأول نفق تحت قناة السويس «الشهيد أحمد حمدى» ثم كانت مدينة شرم الشيخ مقصد العالم فى الجنوب وميناء نويبع ومدن الطور وكاترين ودهب ورأس سدر وفى الوسط مدينة نخل والحسنة.. مستشفيات ومدارس وبنية تحتية وقرى سياحية بطول الخليج من قناة السويس حتى طابا ثم مطار العريش الذى استقبل كل وفود العالم فى العامين الماضيين وميناء العريش الذى أصبح من الموانى العالمية ولا بد أن أذكر أن سيناء بالكامل لم يكن بها سوى مدرسة ثانوية بنين وأخرى بنات ومن يقدر على التعليم الجامعى لا بد أن يذهب إلى القاهرة.. ومن الذى يستطيع؟ الآن ثلاث جامعات تشمل جميع الكليات جامعة فى الجنوب واثنتان فى العريش ومصانع أسمنت ورخام ومؤخرا مصنع البلاستيك وجامعة تكنولوجية شرق بورسعيد وفرع لجامعة سيناء بالقنطرة شرق وتعتبر على أرض سيناء أيضًا ومعاهد عليا فى العريش وبئر العبد ومستشفيات مجهزة استطاعت استقبال آلاف الجرحى أثناء الحرب على غزة وما زالت تستقبل يوميا.. والحقيقة أن درة التاج كانت شرايين الحياة التى امتدّت تحت قناة السويس فى الإسماعيلية وبورسعيد فجعلت المرور طبيعيا وبدون حواجز وقد كانت المعاناة الكبرى هى السفر من وإلى وادى النيل سواء للأفراد او لمنتجات سيناء التى كانت تقف ساعات وأحيانا أيام تنتظر المعديات والطابور كان يصل إلى خمسة كيلومترات فى الانتظار.. كل هذا أصبح من الماضى بل بدأت رحلة قطار السكك الحديد تعود مرة أخرى وستكتمل قريبا إلى العريش وتمتد جنوبا إلى طابا لتخترق وسط سيناء فتنشئ محورًا استراتيجيًا يربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض.. وكنا نتمنى أن يعود كما كان حيث يصل القدس ومنها إلى الأردن وسوريا فتركيا كما كان يطلق عليه قطار الشرق السريع…ما زالت سيناء تنتظر المزيد خاصة الشمال لنستعوض ما دمره الإرهاب البغيض.. فعما قريب ننتظر المستشفى الجامعى ومدينة العريش الجديدة وإسهامات بنك الإسكان والتعمير أسوة بباقى محافظات الجمهورية فالأراضى شاسعة ونريد أن نزرع سيناء بالبشر والحجر والشجر بمزيد من التسهيلات لتكون مصدر جذب ولتوقف كل الأطماع بأنها أرض بلا شعب كما يقولون.. واجب تاريخى الآن هو تفريغ الدلتا المزدحمة فى أرض سيناء لتزرع.







