رفض عربى واسع وخطوة مثيرة للجدل
أبعاد التحرك الإسرائيلى بمنطقة القرن الإفريقى
آلاء شوقى
تشهد منطقة القرن الإفريقى فى الآونة الأخيرة تحولات جيوسياسية متسارعة، تشير إلى مساعى بعض الأطراف لإعادة تشكيل موازين القوى، والنفوذ الإقليمى والدولي.
وفى خضم هذه التحولات، قام الاحتلال الإسرائيلى بتعيين مبعوث دبلوماسى لدى -ما يعرف- بـ(أرض الصومال)، أو (صومالى لاند)، كأحد أبرز التطورات التى فجرت أزمة دبلوماسية جديدة، أثارت ردود فعل غاضبة من دول عربية وإسلامية، وفتحت الباب أمام تساؤلات عميقة حول مستقبل وحدة الصومال وأمن البحر الأحمر.
تصعيد دبلوماسى غير مسبوق
تعود جذور الأزمة إلى ديسمبر 2025، حين أعلنت إسرائيل اعترافها بأرض الصومال كدولة مستقلة فى سابقة دولية؛ تلا ذلك زيارات دبلوماسية متبادلة؛ بينما قامت تلك المنطقة بتعيين سفير لها لدى إسرائيل فى فبراير 2026.
فى 15 إبريل الجارى، أعلنت إسرائيل تعيين الدبلوماسى «ميخائيل لوتيم» مبعوثًا غير مقيم لدى منطقة أرض الصومال، فى خطوة وُصفت بأنها انتقال من التفاهمات السرية إلى التحرك العلنى، ما أثار موجة غضب واسعة، خاصة من «الصومال» التى اعتبرته انتهاكًا مباشرًا لسيادتها، إذ تخشى «مقديشو» من أن يؤدى هذا التصعيد إلى تقويض جهود الاستقرار، ومنح الجماعات المسلحة مثل (حركة الشباب) مبررات لتكثيف نشاطها.
وفى 18 إبريل، صدر بيان مشترك من 15 دولة عربية وإسلامية، إلى جانب جامعة الدول العربية، أدان الخطوة الإسرائيلية بشدة، واعتبرها تصعيدًا خطيرًا يهدد وحدة الأراضى الصومالية واستقرار المنطقة.
وعكس البيان المشترك إجماعًا سياسيًا واسعًا لرفض أى إجراءات أحادية تمس سيادة الدول أو تشجع النزعات الانفصالية، مشددًا على ضرورة الالتزام بقرارات الأمم المتحدة، التى تؤكد وحدة الأراضى الصومالية، ومحذرًا من أن مثل هذه الخطوات قد تؤدى إلى اضطرابات أوسع فى المنطقة.
وفى هذا السياق، أعلنت «مصر» رفضها القاطع للخطوة، مؤكدة دعمها لوحدة «الصومال»، بينما شددت «تركيا» على رفض أى محاولات لتقسيم البلاد، فيما حذر «الاتحاد الإفريقي» من أن هذه الخطوة قد تشجع حركات انفصالية أخرى داخل القارة.. أما القوى الدولية، فتراقب الوضع بحذر، خشية أن يؤدى التصعيد إلى زعزعة الاستقرار فى منطقة تعانى أصلًا من هشاشة أمنية.
الأبعاد الجيوسياسية والاستراتيجية
لا يمكن فصل التحرك الإسرائيلى عن سعيها لتعزيز حضورها فى البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية العالمية. الموقع الجغرافى لأرض الصومال يمنحها أهمية استراتيجية، كما تتقاطع هذه التحركات مع مصالح إثيوبيا (الحبيسة) التى تبحث عن منفذ بحرى، ما قد يؤدى إلى تشكل تحالفات جديدة تعيد رسم خريطة النفوذ فى المنطقة.
وفى هذا السياق، قال السفير «صلاح حليمة»، نائب رئيس المجلس المصرى للشئون الإفريقية ومساعد وزير الخارجية الأسبق - فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- إن الخطوة الإسرائيلية تصرف أحادى يخالف القوانين الدولية والمواثيق ذات الصلة، وانتهاك لوحدة وسلامة وسيادة الصومال، وتتعارض مع المبادئ الأساسية للاتحاد الإفريقي. وعليه، تعد الخطوة باطلة وغير قانونية.
وأكد «حليمة» أن الخطوة الإسرائيلية تأتى فى إطار رؤيتها لما يسمى بـ(الشرق الأوسط الجديد)، الذى يضم أجزاء من أراضي عدة دول تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي، مضيفًا أن إسرائيل تسعى من خلال مخططها، هذا لتحقيق عدة أهداف، من بينها: تغيير النظم فى الدول، أو تفتيت الدول والاعتراف بأقاليم مثل (صومالى لاند).
وفى هذا الصدد، أوضح أنه لإسرائيل عدة أغراض من الاعتراف، من بينها: احتمالية تهجير الفلسطينيين إلى هذا المكان بشكل قسري، واستخدام تلك الأرض كقاعدة عسكرية تواجه من خلالها «إيران» والحوثيين فى «اليمن»، إلى جانب سعيها للهيمنة والسيطرة على مضيق «باب المندب»، ومنطقة البحر الأحمر بتواجدها فى الجنوب والشمال.
وأكد أن الدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر- بعضها وقع اتفاقيات دفاعية مشتركة- تتحرك حاليًا لإبطال القرار الإسرائيلى فى أرض الصومال، وذلك إلى جانب رفض كل المنظمات الإقليمية والدولية والأممية تلك الخطوة، مضيفًا أن التحركات خاصة من «مصر»، و«السعودية»، وغيرهما سيجعل من هذه الخطوة غير ذات فعالية، للتأكيد على وحدة «الصومال»، وعدم التدخل فى شئونها الداخلية، وهو موقف يحظى بدعم من كل الدول والمنظمات.
وفى نهاية حديثه.. شدد «حليمة» على أن الموقف بالنسبة لاسرائيل وإثيوبيا -التى تسعى لأن تكون قوة إقليمية برية بحرية وتتواجد فى منطقة البحر الأحمر- منفرد ومنعزل.
مصالح –غير قانونية- مشتركة
أوضح الدكتور «أحمد عبد الدايم» أستاذ كلية الدراسات الإفريقية - فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- أن ما يعرف بأرض الصومال لا يعترف بها سوى «إثيوبيا»، وإسرائيل؛ موضحا أن «إثيوبيا» حينما حاولت أن يكون لها وجود على مدخل البحر الأحمر من خلال الاعتراف بأرض الصومال ثار المجتمع الدولي.
وفى هذا السياق، رجح أن تكون «إثيوبيا» هى من شجعت أو نصحت إسرائيل على اتخاذ تلك الخطوة لتحقيق مصالحهم، فضلًا عن إمكانية أن تكون مفتاح للولايات المتحدة، رغم إعلان الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» عدم وجود نية -حاليًا- للإعلان عن استقلال تلك المنطقة، إلا أنه أبقى الباب مفتوحًا أمام هذا الاحتمال مستقبلًا.
كما أكد «عبدالدايم» أن إسرائيل تستغل أى فرصة متاحة لتحقيق مصالحها، ومن بينها: ضمان وجود لها فى مدخل البحر الأحمر، والتمكن من الوقوف أمام (الحوثيين) على الجانب الآخر من البحر، والسعى لوضع موطئ قدم فى إحدى مناطق الأمن القومى العربي، مشيرًا –فى هذا الصدد- إلى أن ما يقلق، هو وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية فى تلك المنطقة بعد التبادل الدبلوماسى، لتؤدى إسرائيل دور بديل عن الدور الإثيوبى فى هذه المنطقة، فى ظل العلاقات الوطيدة بين «أديس أبابا» وتل أبيب.
وتوقع أنه فى ظل تصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على «إيران» وانخراط «لبنان» على خط الأزمة ، فإن ملف القرن الأفريقى قد لا يتصدر المشهد فى تلك الفترة.
التوقيت ليس عشوائيًا
أكد «رامى زهدى» -خبير الشئون الإفريقية لمجلة «روزاليوسف»- أن القراءة السطحية تشير إلى أن هذه الخطوة مجرد محاولة توسيع الحضور الدبلوماسى، لكن التفسير الاستراتيجى الأعمق يكشف عن حزمة أهداف مركبة تتجاوز الإطار التقليدى للعلاقات الثنائية، موضحًا أن أول هذه الأهداف يتمثل فى السعى لإيجاد موطئ قدم مباشر أو شبه مباشر فى منطقة شديدة الحساسية أمنيًا وجيوسياسيًا، بما تمثله أرض الصومال من إطلالة قريبة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
كما أكد أن التوقيت ليس عشوائيًا، بل يرتبط بتصاعد حدة التنافس الدولى على ممرات الطاقة والتجارة، خاصة فى ظل الاضطرابات الإقليمية الممتدة من «غزة» إلى «اليمن»، و«القرن الإفريقي»، مضيفًا أن إسرائيل تدرك أن إعادة تشكيل خرائط النفوذ فى هذه المنطقة تجرى الآن، وليس لاحقًا، ومن ثم فهى تسعى إلى حجز موقع مبكر فى هذه المعادلة، وعينها على سنوات مستقبلية بعيدة نسبيًا لكنها قريبة واقعيًا.
وأضاف «زهدي» أن الهدف الثانى يتمثل فى بُعد استخباراتى وأمنى واضح، يقوم على بناء شبكات للرصد والمتابعة لمواجهة التهديدات غير التقليدية، سواء المرتبطة بحركات مسلحة مثل حركة الشباب، أو بتأمين خطوط الملاحة فى مواجهة أى تهديدات محتملة، وجود تمثيل حتى لو غير رسمى بالكامل يمنح إسرائيل قدرة أعلى على جمع المعلومات والتأثير.
كما أوضح «زهدي» أن الهدف الثالث يمكن فهمه فى إطار استراتيجية (الاختراق عبر الأطراف)، والتى تقوم على بناء علاقات مع كيانات غير معترف بها دوليًا ،أو ذات وضع خاص، بهدف تجاوز التعقيدات السياسية التى قد تعترض التعامل المباشر مع الحكومات المركزية، كما هو الحال فى الصومال.
وفيما يتعلق بمسارات تطور الأزمة، قال «زهدي» إنه يمكن تصور 4 سيناريوهات رئيسة تتدرج من الاحتواء إلى التصعيد. ويتمثل السيناريو الأول فى (الاحتواء الدبلوماسي)، حيث يمكن احتواء التحرك الإسرائيلى عبر ضغوط إقليمية ودولية، لا سيما من الدول العربية والإفريقية الداعمة لوحدة «الصومال»، بما قد يدفع إسرائيل إلى خفض مستوى تمثيلها أو الإبقاء عليه فى إطار غير رسمى، وهو ما من شأنه الحد من تداعيات الأزمة.
وأوضح أن السيناريو الثانى، وهو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب، يتمثل فى (التطبيع غير المعلن)، حيث تستمر العلاقات بين إسرائيل وأرض الصومال فى التوسع دون إعلان رسمى كامل، مع التركيز على مجالات التعاون الأمنى والاقتصادي.
وأضاف أن السيناريو الثالث يتمثل فى (التصعيد السياسي)، من خلال اتخاذ الحكومة فى الصومال خطوات دبلوماسية تصعيدية، مثل قطع أو تجميد العلاقات أو اللجوء إلى المنظمات الإقليمية والدولية، بما يؤدى إلى توسيع نطاق الأزمة وتحويلها إلى قضية إقليمية.
ثم أوضح أن السيناريو الرابع، وهو الأعمق تأثيرًا، يتمثل فى (إعادة تشكيل التوازنات)، حيث يقود هذا التحرك إلى سلسلة من ردود الفعل من قبل قوى إقليمية، بما يفضى إلى إعادة توزيع النفوذ فى القرن الإفريقى على نطاق أوسع، وربما بروز تحالفات جديدة أو اصطفافات مختلفة.
واختتم «زهدي» حديثه مؤكدًا أن الأزمة -رغم ما تبدو عليه من محدودية فى ظاهرها- تنطوى على قابلية عالية للتطور، وأن إدارتها ستعتمد بشكل أساسى على قدرة الأطراف الإقليمية على فرض توازن يمنع الانزلاق نحو صراع مفتوح، مع الحفاظ على استقرار واحدة من أكثر المناطق حساسية فى «إفريقيا».







