محمد جمال الدين
من المسئول عن استشهاد فتيات الزاوية الحمراء؟
مؤكد أن النيران التى التهمت مصنع أحذية الزاوية الحمراء لم تكن مجرد حادث عرضى، بل كانت شهادة دامغة على خلل أعمق، تتحمل مسئوليته أجهزة الدولة ومؤسساتها قبل أى طرف آخر، بعد أن تسببت فى استشهاد سبع فتيات حرقا، كل ذنبهن أنهن خرجن للبحث عن لقمة عيش شريفة. ليصبحن وبقدرة قادر ضحايا لصاحب مصنع معدوم الضمير، ولأجهزة دولة فشلت فى أداء دورها الرقابى، حين سمحت بتواجد مثل هذا المصنع وسط منطقة سكنية، دون تطبيق اشتراطات وآليات الأمن والسلامة.
فأى مبنى أو مصنع أو حتى ورشة (سمه كما تشاء) يفتقد كل اشتراطات السلامة المهنية، بخلاف عدم توافر تراخيص الدفاع المدنى، يمارس نشاطه داخل منطقة سكنية، لا يعد سوى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار فى أى لحظة، لكونه يتعامل مع مواد أغلبها إن لم يكن جميعها قابلة للاشتعال، ومع هذا يمارس نشاطه دون حسيب أو رقيب، هذه العيوب والمخالفات ليست من وحى خيالى، بل هى نتيجة لما كشفته تحقيقات النيابة الأولية لموقع الحريق. نتائج بدورها تطرح سؤالا عن دور كل الأجهزة المنوط بها التفتيش الصناعى والحماية المدنية والمحليات التى سمحت أصلا بتواجد مثل هذا المصنع، المكون من ثلاثة طوابق، ضيق المداخل، وأبواب وشبابيك أغلبها موصدة، طرقاته ممتلئة بمواد سريعة الاشتعال (تنر وجلد وإسفنج وأقمشة ومواد كيماوية أخرى) ،ثم فجأة يندلع حريق بفعل هذه المواد، المخزنة عشوائيا داخل مساحة ضيقة لا تتجاوز عشرات الأمتار، حولت المكان فى لحظة إلى فرن مغلق، فشلت معه الفتيات السبع من الهرب ومن القدر المحتوم. بالمناسبة كان من الممكن أن يصبحن» تسع»، لولا تمكن الجيران والأهالى من إنقاذ اثنتين. سبع فتيات تحولت أحلامهن بالزواج وتكوين أسرة الى رماد، بفعل إهمال مزمن وضمير غائب، مغلف بصمت رسمى وتواطؤ إدارى فج، فتح الباب لكل صاحب مصنع بير سلم أو كيان يمارس بداخله نشاطًا غير شرعى ليعمل وفق هواه، لاعتقاده بينه وبين نفسه أنه فوق القانون، طالما أنه لا يوجد هناك من يراقب أو يحاسب.
صحيح أن النيابة أمرت بحبس صاحب المصنع بعد الحادث، ولكن يظل هناك سؤال مشروع لابد من طرحه عقب هذا الحادث عمن سيحاسب الأجهزة الرسمية التى سمحت بتواجد مثل هذا المصنع أو غيره، رغم مخالفته لجميع اشتراطات الأمن والسلامة؟ ومن الذى سمح أصلا بتواجد مثل هذه الورش والمصانع، التى تعمل طبقا لطبيعة اقتصاد غير منظم سمح لها ولغيرها، فى انتشار مصانع (بير السلم) التى تستعين بعمالة غير مؤمن عليها، أغلب منتجاتها غير مطابقة للمواصفات، سواء الصحية أو الفنية. فى وقت تتم فيه حملات تفتيش شكلية، من قبل أجهزة الدولة المعنية بهذا الشأن. لكونها لا تمت للحقيقة بصلة. لاعتمادها على موظفين لا يؤدون دورهم الحقيقى فى كشف مثل هذه المخالفات، مفضلين الجلوس فى المكاتب، والبعض الآخر منهم مستعد أن يغض بصره مقابل الحصول على مقابل أيا كان نوعه!!، هنا يصبح الموت حرقا أو بأى صورة أخرى حتميا، حتى ولو تأجل لبعض الوقت لأن أسباب حدوثه عديدة ومتوافرة.
لذلك تقع المسئولية على الدولة وأجهزتها التى سمحت بكل هذه المخالفات. لعدم تمكنها فى منع مثل هذه الكوارث، وبالتالى أصبحت شريكا فيها. وهذا ما يجعلنى أطالب بمحاسبة الموظف الذى يقصر فى أداء دورة، بداية ممن سمح له بالعمل، أو ممن تجاهل تلك المخالفات، أو ممن لم يمر للتفتيش على مثل هذه الكيانات، أو ممن ترك أرواح فتياتنا رهينة لجشع صاحب عمل منزوع الضمير، وبعدها يحق لنا أن نحاسبه هو وأمثاله، وبغير ذلك سنظل ندور فى نفس الدائرة، حادث يعقبه ضحايا، وغضب يتبعه تحقيقات، ومع مرور الوقت نصاب بمرض النسيان، حتى نبتلى بحادث جديد وهلما جرا.







