السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
أمريكا.. متخصصة فى حروب دول العالم الثالث فقط!‏

أمريكا.. متخصصة فى حروب دول العالم الثالث فقط!‏

لو تخيلنا كائنا فضائيا تحطمت به مركبته وهبط على الأرض، وعاش فيها مخفيا خمسين ‏سنة، يراقب الأحوال ويرصد التصرفات ويتابع الأحداث، ويدون كل ما يراه فى أوراق ‏خاصة، إلى أن تمكن بنو جلدته من تحديد مكانه والوصول إليه وإنقاذه، وبعد أن عادوا به، ‏سألوه أن يكتب تقريرا عن الأرض وحكامها، فماذا يكتب؟



أتصور أنه سيكتب أن الأرض كوكب رائع، كل شيء فيه مدهش، لكن سكانه فيهم مس من ‏الجنون بالعنف والحروب والسيطرة، خاصة الساسة فى الدول الكبرى والقوية، لم يمض يوم ‏على هذا الكوكب طيلة 18 آلف يوم عشتها بينهم دون حرب ودماء وقتل وتدمير وصراع، ‏لكن من الأشياء المحيرة أن أقوى دول فيهم عسكريا واقتصاديا لا تشن حروبا إلا على دول ‏العالم الثالث كما يسميها أهل الأرض، لضعف إمكاناتها ومحدودية قدراتها، تحاربها وهى ‏ترفع رايات الحرية والديمقراطية، لكنها فى الواقع لا تحمى الحرية، وإنما تعيد إنتاج ‏الحروب، وتحول العالم الثالث إلى مسرح دائم للصراع، أمريكا تتذرع بالحرية، لكن واقعها ‏هو القوة الغاشمة.‏ ما رأيكم لو كتب الكائن الفضائى هذه الفكرة لأهل كوكبه البعيد؟

لا تحتاروا، ولا تتعبوا أنفسكم، الفكرة صحيحة مئة فى المئة، راجعوا علاقات الولايات ‏المتحدة مع دول العالم فى الخمسين سنة الأخيرة، من أول خروجها من فيتنام فى صيف ‏‏1973 إلى إعلانها الحرب على إيران فى ربيع 2026، ستجدون أن أمريكا متخصصة فى ‏نوع واحد من الحروب: ضد دول العالم الثالث فقط. ‏

كانت نهاية حرب فيتنام صدمة وجودية للولايات المتحدة، خروج مهين تحت ضغوط رهيبة ‏من الشارع الأمريكى والإعلام، فقدان أكثر من 58 ألف جندى أمريكى هباء، إذ سقطت بعدها ‏العاصمة سايجون فى قبضة فيتنام الشمالية الشيوعية وتوحد شطرى البلاد، وهذه الصدمة ‏أجبرتها على إعادة صياغة استراتيجيتها العسكرية. 

‏1- أن تتجنب المستنقعات الطويلة بعدم الدخول فى حرب مفتوحة ضد قوة عظمى أو فى ‏أرض واسعة يصعب السيطرة عليها.‏

‏2- أن تعتمد على التبريرات الأخلاقية فى مخاطبة الرأى العام، لتسويق نفسها كمدافعة عن ‏الحرية وحامية للمدنيين.‏

‏3- أن تتحكم فى السردية الإعلامية حتى لا تترك الإعلام يذيع الحقائق على الجمهور كما ‏فعل فى فيتنام.‏

‏4- أن تستخدم التكنولوجيا والقوة الجوية المكثفة لتقليل الخسائر البشرية وتحقق أهدافا ‏سريعة.‏

أى لم تنه حرب فيتنام نزعة أمريكا النهمة للحرب، بل أعادت توجيهها إلى العالم الثالث

وهذا التحول لم يكن مجرد تكتيك عسكرى فحسب، وإنما تجديد لمفهوم الحرب الأمريكية، ‏فبدلا من مواجهة أيديولوجية كبرى كما فى الحرب الباردة، أصبحت الحروب سلسلة من ‏التدخلات فى دول العالم الثالث، تختبر بها حدود القوة الأمريكية وتعيد صياغة الخرائط ‏السياسية.‏

وكانت جرينادا هى بداية تنفيذ الصياغة الجديدة، إذ حدث انقلاب عسكرى شيوعى بها فى 19 ‏أكتوبر 1983 أطاح برئيس الوزراء موريس بيشوب، الذى أعدم هو ومساعديه، فغزت ‏الولايات المتحدة جرينادا فى 25 أكتوبر فى عملية أسمتها «الغضب العاجل»، بذريعة حماية ‏‏600 طالب طب أمريكى يدرسون فى جامعة سان جورج، بينما الحقيقة أنها كانت تقطع ‏الطريق على النفوذ الكوبى السوفيتي.‏

ومن جرينادا قفزت على بنما فى شتاء عام 1989 بشعار «محاربة المخدرات»، وكانت تريد ‏إزاحة الرئيس مانويل نورييجا، والتخلص من ساسة مقربين من كوبا، والسيطرة على قناة ‏بنما!‏

يبدو أن اللعب العسكرى مع الكيانات الصغيرة أعجبت الإدارة الأمريكية، فلم تمر سوى ثلاث ‏سنوات حتى وضعت أمريكا أحذيتها الثقيلة فى القرن الإفريقى، تحديدا فى الصومال ما بين ‏عامى 1992 و1994، وهى تجيب عن التساؤلات الحائرة بـ«حماية حقوق الإنسان»!‏

كانت الصومال فى حالة فوضى بعد سقوط نظام محمد سياد برى، تفككت المؤسسات واندلعت ‏صراعات عرقية وقبلية، فوقعت فظائع إنسانية وحدثت مجاعة كبرى، فأمر الرئيس جورج ‏بوش الأب بعملية عسكرية من 27 ألف جندى سماها «استعادة الأمل»، وهو التدخل الذى ‏عقد الأزمة ولم يسهم بمقدار خردلة فى تخفيفها وليس حلها، والحكايات كثيرة، وانتهت ‏بخروج الجيش الأمريكى فى مارس 1994.‏

ومن الصومال إلى أفغانستان ما بين 2001 و2021، تحت مزاعم الحرب على الإرهاب، ‏وهذه أول مرة تعلن فيها دولة حربا ضد «حالة» وليس ضد جيش محدد أو دولة بعينها، وهو ‏إعلان يمنحها مرونة فى الحركة إلى أى مكان تتهمه بـ«الإرهاب»، وطبعا فى أفغانستان كانت ‏تريد تثبيت وجود عسكرى فى قلب آسيا، قرب روسيا والصين، ضمن أفكار المحافظين ‏الجدد، بأن تظل أمريكا «القوة العظمى الوحيدة فى العالم» فى القرن الحادى والعشرين، ولا ‏تسمح بصعود قوة تنافسها، وتلقائيا نقلت حرب الإرهاب إلى العراق، بصيغة مختلفة هى «منع ‏انتشار أسلحة الدمار الشامل»، وإسقاط نظام صدام حسين ونشر الديمقراطية، بينما الحقيقة ‏كانت تعمل على إعادة تشكيل الشرق الأوسط وإضعاف قوة إقليمية كانت إسرائيل تراها ‏تهديدا لها، مع السطو على النفط العراقي.‏

نفس الهدف فى ليبيا بتفاصيل مختلفة، كفتح الباب أمام فوضى مسلحة قد تكون مفيدة على ‏حدود مصر الغربية، وضمان نفوذ غربى فى شمال إفريقيا.‏

وأخيرا إيران.. لمنعها من امتلاك سلاح نووى، مع عدم وجود دليل حاسم على أنها ساعية ‏إليه سوى الكلام، خاصة بعد الضربات الأمريكية الإسرائيلية المكثفة على منشآتها النووية ‏فى يونيو2025، وكانت الحرب جزءا من مخطط إعادة تشكيل الشرق الأوسط لمصلحة ‏إسرائيل، والتحكم فى النفط الإيراني.. ووضع مضيق هرمز فى قبضتها.‏

الكذب ليس مجرد خطأ عفوى فى صناعة الحرب الأمريكية، بل هو بنية ثابتة فى تكوينها، ‏كل تدخل يبدأ بحكاية أخلاقية تُسوَّق للرأى العام، والكذب فيها ضرورة لإقناع الداخل بالحرب ‏ولإسكات الخارج عن الرفض، على أن يعيد الإعلام إنتاج هذه الحكايات ليصبح الكذب نفسه أداة استراتجية لا تقل أهمية عن الطائرات والصواريخ.‏

وتركت الحروب الأمريكية دولا منهارة ومجتمعات ممزقة ونزاعات مستمرة وأزمات إنسانية ‏فى العراق وليبيا والصومال وأفغانستان والأراضى الفلسطينية وإيران..الخ، أى أنها أثرت ‏بشكل كبير على استقرار الشرق الأوسط.‏

‏ ولم تحاول الولايات الأمريكية قط أن تواجه السؤال المنطقي: بعد نصف قرن من الحروب ‏هل يمكن أن تُفرض الحرية بالقوة؟ مؤكد أن أى مفكر أمريكى يعرف أن الحرية ليست قيمة تمنح من الخارج، بل تجربة تبنى ‏داخليا بالثقافة والوعى، والقوة التى ترفع شعار الديمقراطية هى فى الأساس تزرع الفوضى.

وعموما أفكار القوة ليست جديدة على الولايات المتحدة، هى امتداد لتاريخ طويل من التوتر ‏بين القوة والقيم، والولايات المتحدة منذ تأسيسها وهى تسعى لتوسيع نفوذها، مستخدمة ‏الشعارات البراقة كأدوات تبرير، ولم تنتبه إلى التغييرات التى لحقت بالعالم، الذى شهد ‏تحولات جذرية فى موازين القوة، بوجود آخرين قادمين على الطريق للمشاركة فى قيادة ‏النظام العالمى، ولم يدرك ساسة أن بلادهم تواجه تحديات متزايدة فى الحفاظ على هيمنتها، ‏وان تدخلاتها العسكرية المتكررة تؤثر سلبا على صورتها الدولية، وتثير مقاومة شعبية ‏متنامية داخل حدودها وخارج حدودها.‏

باختصار حولت الولايات المتحدة قوتها العظمى إلى بلطجة عالمية، لأنها لم تفلح فى تحقيق ‏توازن بين القوة والمسئولية، ولم تفهم أن القوة الحقيقية ليس فى القدرة على فرض إرادتها ‏على الآخرين، بل فى قدرتها على بناء الثقة والاحترام المتبادل بين الأمم والشعوب فى عالم ‏معقد ومتغير.‏