نبيل عمر
أمريكا.. متخصصة فى حروب دول العالم الثالث فقط!
لو تخيلنا كائنا فضائيا تحطمت به مركبته وهبط على الأرض، وعاش فيها مخفيا خمسين سنة، يراقب الأحوال ويرصد التصرفات ويتابع الأحداث، ويدون كل ما يراه فى أوراق خاصة، إلى أن تمكن بنو جلدته من تحديد مكانه والوصول إليه وإنقاذه، وبعد أن عادوا به، سألوه أن يكتب تقريرا عن الأرض وحكامها، فماذا يكتب؟
أتصور أنه سيكتب أن الأرض كوكب رائع، كل شيء فيه مدهش، لكن سكانه فيهم مس من الجنون بالعنف والحروب والسيطرة، خاصة الساسة فى الدول الكبرى والقوية، لم يمض يوم على هذا الكوكب طيلة 18 آلف يوم عشتها بينهم دون حرب ودماء وقتل وتدمير وصراع، لكن من الأشياء المحيرة أن أقوى دول فيهم عسكريا واقتصاديا لا تشن حروبا إلا على دول العالم الثالث كما يسميها أهل الأرض، لضعف إمكاناتها ومحدودية قدراتها، تحاربها وهى ترفع رايات الحرية والديمقراطية، لكنها فى الواقع لا تحمى الحرية، وإنما تعيد إنتاج الحروب، وتحول العالم الثالث إلى مسرح دائم للصراع، أمريكا تتذرع بالحرية، لكن واقعها هو القوة الغاشمة. ما رأيكم لو كتب الكائن الفضائى هذه الفكرة لأهل كوكبه البعيد؟
لا تحتاروا، ولا تتعبوا أنفسكم، الفكرة صحيحة مئة فى المئة، راجعوا علاقات الولايات المتحدة مع دول العالم فى الخمسين سنة الأخيرة، من أول خروجها من فيتنام فى صيف 1973 إلى إعلانها الحرب على إيران فى ربيع 2026، ستجدون أن أمريكا متخصصة فى نوع واحد من الحروب: ضد دول العالم الثالث فقط.
كانت نهاية حرب فيتنام صدمة وجودية للولايات المتحدة، خروج مهين تحت ضغوط رهيبة من الشارع الأمريكى والإعلام، فقدان أكثر من 58 ألف جندى أمريكى هباء، إذ سقطت بعدها العاصمة سايجون فى قبضة فيتنام الشمالية الشيوعية وتوحد شطرى البلاد، وهذه الصدمة أجبرتها على إعادة صياغة استراتيجيتها العسكرية.
1- أن تتجنب المستنقعات الطويلة بعدم الدخول فى حرب مفتوحة ضد قوة عظمى أو فى أرض واسعة يصعب السيطرة عليها.
2- أن تعتمد على التبريرات الأخلاقية فى مخاطبة الرأى العام، لتسويق نفسها كمدافعة عن الحرية وحامية للمدنيين.
3- أن تتحكم فى السردية الإعلامية حتى لا تترك الإعلام يذيع الحقائق على الجمهور كما فعل فى فيتنام.
4- أن تستخدم التكنولوجيا والقوة الجوية المكثفة لتقليل الخسائر البشرية وتحقق أهدافا سريعة.
أى لم تنه حرب فيتنام نزعة أمريكا النهمة للحرب، بل أعادت توجيهها إلى العالم الثالث
وهذا التحول لم يكن مجرد تكتيك عسكرى فحسب، وإنما تجديد لمفهوم الحرب الأمريكية، فبدلا من مواجهة أيديولوجية كبرى كما فى الحرب الباردة، أصبحت الحروب سلسلة من التدخلات فى دول العالم الثالث، تختبر بها حدود القوة الأمريكية وتعيد صياغة الخرائط السياسية.
وكانت جرينادا هى بداية تنفيذ الصياغة الجديدة، إذ حدث انقلاب عسكرى شيوعى بها فى 19 أكتوبر 1983 أطاح برئيس الوزراء موريس بيشوب، الذى أعدم هو ومساعديه، فغزت الولايات المتحدة جرينادا فى 25 أكتوبر فى عملية أسمتها «الغضب العاجل»، بذريعة حماية 600 طالب طب أمريكى يدرسون فى جامعة سان جورج، بينما الحقيقة أنها كانت تقطع الطريق على النفوذ الكوبى السوفيتي.
ومن جرينادا قفزت على بنما فى شتاء عام 1989 بشعار «محاربة المخدرات»، وكانت تريد إزاحة الرئيس مانويل نورييجا، والتخلص من ساسة مقربين من كوبا، والسيطرة على قناة بنما!
يبدو أن اللعب العسكرى مع الكيانات الصغيرة أعجبت الإدارة الأمريكية، فلم تمر سوى ثلاث سنوات حتى وضعت أمريكا أحذيتها الثقيلة فى القرن الإفريقى، تحديدا فى الصومال ما بين عامى 1992 و1994، وهى تجيب عن التساؤلات الحائرة بـ«حماية حقوق الإنسان»!
كانت الصومال فى حالة فوضى بعد سقوط نظام محمد سياد برى، تفككت المؤسسات واندلعت صراعات عرقية وقبلية، فوقعت فظائع إنسانية وحدثت مجاعة كبرى، فأمر الرئيس جورج بوش الأب بعملية عسكرية من 27 ألف جندى سماها «استعادة الأمل»، وهو التدخل الذى عقد الأزمة ولم يسهم بمقدار خردلة فى تخفيفها وليس حلها، والحكايات كثيرة، وانتهت بخروج الجيش الأمريكى فى مارس 1994.
ومن الصومال إلى أفغانستان ما بين 2001 و2021، تحت مزاعم الحرب على الإرهاب، وهذه أول مرة تعلن فيها دولة حربا ضد «حالة» وليس ضد جيش محدد أو دولة بعينها، وهو إعلان يمنحها مرونة فى الحركة إلى أى مكان تتهمه بـ«الإرهاب»، وطبعا فى أفغانستان كانت تريد تثبيت وجود عسكرى فى قلب آسيا، قرب روسيا والصين، ضمن أفكار المحافظين الجدد، بأن تظل أمريكا «القوة العظمى الوحيدة فى العالم» فى القرن الحادى والعشرين، ولا تسمح بصعود قوة تنافسها، وتلقائيا نقلت حرب الإرهاب إلى العراق، بصيغة مختلفة هى «منع انتشار أسلحة الدمار الشامل»، وإسقاط نظام صدام حسين ونشر الديمقراطية، بينما الحقيقة كانت تعمل على إعادة تشكيل الشرق الأوسط وإضعاف قوة إقليمية كانت إسرائيل تراها تهديدا لها، مع السطو على النفط العراقي.
نفس الهدف فى ليبيا بتفاصيل مختلفة، كفتح الباب أمام فوضى مسلحة قد تكون مفيدة على حدود مصر الغربية، وضمان نفوذ غربى فى شمال إفريقيا.
وأخيرا إيران.. لمنعها من امتلاك سلاح نووى، مع عدم وجود دليل حاسم على أنها ساعية إليه سوى الكلام، خاصة بعد الضربات الأمريكية الإسرائيلية المكثفة على منشآتها النووية فى يونيو2025، وكانت الحرب جزءا من مخطط إعادة تشكيل الشرق الأوسط لمصلحة إسرائيل، والتحكم فى النفط الإيراني.. ووضع مضيق هرمز فى قبضتها.
الكذب ليس مجرد خطأ عفوى فى صناعة الحرب الأمريكية، بل هو بنية ثابتة فى تكوينها، كل تدخل يبدأ بحكاية أخلاقية تُسوَّق للرأى العام، والكذب فيها ضرورة لإقناع الداخل بالحرب ولإسكات الخارج عن الرفض، على أن يعيد الإعلام إنتاج هذه الحكايات ليصبح الكذب نفسه أداة استراتجية لا تقل أهمية عن الطائرات والصواريخ.
وتركت الحروب الأمريكية دولا منهارة ومجتمعات ممزقة ونزاعات مستمرة وأزمات إنسانية فى العراق وليبيا والصومال وأفغانستان والأراضى الفلسطينية وإيران..الخ، أى أنها أثرت بشكل كبير على استقرار الشرق الأوسط.
ولم تحاول الولايات الأمريكية قط أن تواجه السؤال المنطقي: بعد نصف قرن من الحروب هل يمكن أن تُفرض الحرية بالقوة؟ مؤكد أن أى مفكر أمريكى يعرف أن الحرية ليست قيمة تمنح من الخارج، بل تجربة تبنى داخليا بالثقافة والوعى، والقوة التى ترفع شعار الديمقراطية هى فى الأساس تزرع الفوضى.
وعموما أفكار القوة ليست جديدة على الولايات المتحدة، هى امتداد لتاريخ طويل من التوتر بين القوة والقيم، والولايات المتحدة منذ تأسيسها وهى تسعى لتوسيع نفوذها، مستخدمة الشعارات البراقة كأدوات تبرير، ولم تنتبه إلى التغييرات التى لحقت بالعالم، الذى شهد تحولات جذرية فى موازين القوة، بوجود آخرين قادمين على الطريق للمشاركة فى قيادة النظام العالمى، ولم يدرك ساسة أن بلادهم تواجه تحديات متزايدة فى الحفاظ على هيمنتها، وان تدخلاتها العسكرية المتكررة تؤثر سلبا على صورتها الدولية، وتثير مقاومة شعبية متنامية داخل حدودها وخارج حدودها.
باختصار حولت الولايات المتحدة قوتها العظمى إلى بلطجة عالمية، لأنها لم تفلح فى تحقيق توازن بين القوة والمسئولية، ولم تفهم أن القوة الحقيقية ليس فى القدرة على فرض إرادتها على الآخرين، بل فى قدرتها على بناء الثقة والاحترام المتبادل بين الأمم والشعوب فى عالم معقد ومتغير.







