السبت 27 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

شكرًا.. أحمد سعد

بتاريخ 1 فبراير 2025، لم أكن أكتب عن ألبوم عابر فى مسيرة «أحمد سعد»، بل كنت أتعامل مع لحظة فارقة، أقرب إلى إعلان نوايا فنية، حين وصفت ألبوم «حبيبنا» بأنه الأهم فى مشواره. لم يكن الحكم نابعًا من حماسة لحظية أو انبهار موسمى، بل من إدراك واعٍ بأننا أمام محاولة جادة — وربما نادرة — لتطبيق مفهوم طالما ظل غريبًا على ساحتنا الغنائية «Concept Album».



وحتى لا يبدو الأمر وكأننا نُطلق مصطلحات فى الهواء، فقد دعوت — وبشكل صريح ومفصل — إلى هذا الشكل منذ 27 فبراير 2021، هنا، فى نفس المساحة «ربع تون». كضرورة فنية واجبة الحدوث، لأن الأغنية العربية ظلت لسنوات طويلة حبيسة منطق «الأغنية المنفردة» حتى داخل الألبوم نفسه، وكأننا أمام مجموعة جزر معزولة لا يربطها جسر، ولا يجمعها سياق.

الـ«Concept Album» ببساطة، هو أن يكون للألبوم روح، فكرة، أو حتى هاجس مشترك. أن تتحول الأغنيات من وحدات منفصلة إلى «طوب» متجاور، يكوّن فى النهاية بناءً متماسكًا. وهنا نستدعى النموذج الأشهر: ألبوم The Wall لفرقة Pink Floyd، كالمثال الأكثر وضوحًا على هذه الفلسفة.

حيث لم تكن الأغانى مجرد مقطوعات، بل فصول فى سيرة ذاتية متخيلة لشخصية «بينك». يبدأ السرد بصدمة الفقد — موت الأب — فيتشكّل الفراغ الأول داخل الجدار النفسى. ثم تدخل الأم، التى تُعامله بشكلٍ خشنٍ وحادٍّ لتحميه من مخاطر المجتمع، وهو ما يجعله يفتقد استقلاليته وقدرته على اتخاذ قرارات نابعة من إرادته. ثم يدخل إلى المدرسة، فيصطدم بطرق تعليمٍ عقيمة، ومدرّسين يسخرون من تطلعاته وأحلامه ومواهبه. ومع مرور الأيام، يصبح «بينك» نجمًا غنائيًا مشهورًا، فيكتسب مشكلاتٍ نفسية إضافية جرّاء الشهرة الزائدة. ويعبّر الفريق عن ذلك بصناعة أغنية تتناول حب العظمة والتفاخر، وأخرى عن الخيانة، وغيرها عن إدمان المخدرات، وأخيرة عن استخدام العنف فى التعامل مع الآخرين؛ حتى يتحول إلى شخصٍ ديكتاتورى يريد أن يجعل العالم بأكمله خاضعًا لرغباته، وتسيطر عليه أفكار التخلّص من كل من لا يتبنون أفكاره.

هذا على مستوى الموضوع والقصة والكلمات، أما على المستوى الموسيقى فالأمر أيضًا مترابط؛ إذ لم يخرج الألبوم عن إطار شجرة موسيقى الروك بتفريعاتها، وهذا هو التعريف الصحيح لـ«Concept Album». وهذا ما حاول أيضًا أحمد سعد تطبيقه فى «حبيبنا»، الذى اعتمد فى تكوينه على أشكال الـ«Latin Music» والـ«Flamenco»، وتنوّعت مقاماته الموسيقية بين «الكرد، النهاوند، الحجاز»، علمًا بأن هذه المقامات الثلاثة تُعد من الأكثر شيوعًا فى الغناء الإسبانى والغجرى.

ثم نأتى إلى هذا العام، إلى إعلان «سعد» — الذى أثلج صدرى — حيث نفّذ ما كنت أنادى به، معلنًا أنه سيصدر خمسة ألبومات دفعة واحدة مبنية على ثقافة الـ«Concept Album». صحيحٌ أنها ليست بالشكل الغربى الذى شرحناه فى السطور السابقة، بل تبدو أقرب إلى تجميعات ذات «Mood» موحّد، لا إلى أفكار مترابطة أو موسيقى تنتمى إلى قالب واحد بتفريعات متجانسة وقريبة من بعضها البعض، لكننى أتفهم ذلك فى ظل غياب وعى الجمهور بهذه الثقافة فى تقديم الألبومات.

وقطعًا، فهذه مغامرة يُشكر عليها؛ وربما حاول تخفيف وطأتها عبر تجميع أغانٍ تحمل الـ«Mood» نفسه لتصدر تباعًا: بدأ بالشكل «الحزين»، وننتظر «الفرفوش»، وفى الغالب سيعتمد على أشكال «المقسوم»، و«الكلاسيكي» المستوحى من غناء نجوم الستينيات، و«الأوركسترالي»، ثم ألبوم يعتمد على أنماط موسيقى الـ«EDM».

ولأن هذه الفكرة لا تزال غريبة على أذهاننا، فقد ظهرت أصوات تحاول تثبيت الوضع القائم الذى نعيشه، بحيث تظل إصداراتنا الغنائية المجمّعة مشتتة، غير مترابطة ولا متجانسة؛ أشبه بـ«شوب الفخفخينا» أو «القنبلة» التى تجتمع فيها كل سكريات الأرض من فواكه وعصائر وآيس كريم… إلخ، فتُحدث تخمة، وتضر بالصحة الجسدية. نحن ببساطة نعشق الاستقرار، حتى لو كان استقرارًا على خطأ.

ومؤكد أنه ستكون لنا وقفات تفصيلية، نقدية وتحليلية، لكن بعد أن تكتمل الصورة ونستمع إلى باقى الإصدارات. وحتى يحين ذلك الوقت… شكرًا «أحمد سعد» على هذه الجرأة، ومحاولتك الجادة فى تحريك المياه الراكدة!