عازف وصانع الناى عبدالرحمن غانم لـ روزاليوسف:
الناى آلة موسيقية حية ولكل نبتة غاب طعم موسيقى مختلف
هاجر عثمان
فى ظل عالم تتسارع فيه وتيرة التغيير، لم يعد الإبداع رفاهية أو خيارًا ثانويًا، بل أصبح ضرورة تفرضها تحديات الحاضر ومتطلبات المستقبل. ومن هنا، جاءت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى بدراسة إطلاق برنامج «دولة الفنون والإبداع» على غرار برنامج دولة التلاوة الذى حقق نجاحًا لافتًا وأسهم فى اكتشاف مواهب متميزة، لتعكس رؤية أوسع تستهدف ترسيخ ثقافة الابتكار والإبداع فى مختلف المجالات، وليس فى الفن وحده. فالإبداع اليوم يمتد إلى التعليم والبحث العلمى والصناعة والإعلام، باعتباره المحرك الحقيقى للتنمية الشاملة.
فالحديث عن «دولة الفنون والإبداع» لا ينفصل عن رؤية أشمل تسعى إلى بناء مجتمع منتج للأفكار، قادر على تحويل المعرفة إلى قوة، والموهبة إلى قيمة مضافة. إنها دعوة لإعادة تعريف الإبداع بوصفه منظومة متكاملة تتداخل فيها مؤسسات الدولة مع طاقات الأفراد، بهدف خلق بيئة تُحفّز التفكير الحر، وتدعم المبادرات، وتفتح المجال أمام أجيال جديدة لصياغة مستقبل أكثر وعيًا وتنافسية.
وفى إطار هذه الرؤية، تفتح روزاليوسف ابتداءً من هذا الأسبوع نافذة جديدة نطل من خلالها على مبدعين مصريين فى مختلف المجالات لنتعرف على قصص ملهمة تستحق أن نلقى عليها الضوء..
أعطنى «الناى وغن فالغنا سر الوجود.. وأنين الناى يبقى بعد أن يفنى الوجود» ..شدت السيدة فيروز بصوتها الشجى بهذه الكلمات التى تصف فيها جمال هذه الآلة وعذوبتها المتفردة عبر مقاطع مختلفة فى الأغنية، وبلا شك أن الناى من أقرب الآلات الموسيقية لقلب المستمعين فى عالمنا العربى وخاصة المصرى، ربما هى الجينات المتوارثة على مدى آلاف السنين، عندما سجل المصرى القديم معرفته بها على جدران المعابد.
هذه الآلة البديعة وجدت طريقها أيضًا لقلب عبدالرحمن غانم (30 عامًا) والذى فُتن بها من سنوات طفولته، ورغم تخصصه فى علم ترميم الآثار إلا أنه لم يتخل عن شغفه وموهبته فى العزف على آلة الناى ثم صناعتها وتحولت ورشته لمركز ثقافى يجمع بين تدريب المفتونين بعزف الآلة وكذلك صناعتها والتصدير منها لكل دول العالم.
يحكى عبدالرحمن غانم فى حديثه لـ«روزاليوسف» عن رحلته مع آلة الناى، وكيفية صناعتها والتحديات التى تواجه هذه الصناعة.
من مهندس لترميم الآثار إلى عازف صانع الناى.. كيف كانت البداية؟
- الموضوع ارتبط بهواية وحب منذ الصغر لهذه الآلة، بدأت العزف عليها كهواية فى المرحلة الإعدادية وخلال فترات الإجازة الصيفية، وعلمت نفسى بنفسى مع الوقت طريقة الإمساك بالناى، وكيفية خروج صوت منها «منغم»، وساعدنى فى إصقال موهبتى، حصولى على قطعة ناى ممتازة من صديق لوالدى بائع للآلات الموسيقية بشارع محمد على، وهى كانت جيدة ليست آلة شعبية لطفل يلعب بها ولكنها كانت مظبوطة وصالحة لبدء التدريب المستمر عليها، حتى تمكنت من المشاركة فى مسابقة على مستوى محافظة الغربية للعزف الفردى ونجحت فيها.
هل كان والدك مهتمًا بالموسيقى ودفعك ذلك للاهتمام بالناي؟
- والدى لم يكن موسيقيًا، ولكن لدى خال عازف ناى، وساعد فى توجيهى الفنى وإرشادى فى تعلم العزف، ولكنه كان حريصًا جدًا ألا انغمس تمامًا فى طريق الموسيقى،وأهمل دراستى فى الصغر، لذا كان يمنحنى المعلومات بـ«القطارة»، كما نقول خلال فترات الإجازات الصيفية فى مدينتى طنطا، وذلك حتى انتقلت للدراسة فى القاهرة فى المرحلة الثانوية للالتحاق بمدرسة الترميم الأثرى بمدينة نصر، بدأت علاقتى بالناى تُصبح أكثر عمقًا بجانب دراستى الأكاديمية، وزاد شغفى وولعى بها ليس فقط بالعزف عليه، ولكن بصناعته، للتغلب على عدم قدرتى المالية لشرائه فى هذه الفترة، وكانت لى بعض التجارب الناجحة والفاشلة أيضًا فى هذه السن الصغيرة لصناعة عدة نايات، إلا إنها أكسبتنى هذه المرحلة خبرة كبيرة فى عالم صناعة الناى فيما بعد فى المرحلة الجامعية.
الناى من الآلات التى طالما شاهدناه على جدران المعابد المصرية القديمة.. هل هو نفس الناى الموجود حاليًا بين أيدينا أم اختلف.. بحكم دراستك للآثار أخبرنا أكثر؟
- بالعكس هو ذاته لم يتغير شيء، والناى هو ثانى آلة موسيقية اخترعها المصرى القديم بعد معرفته بـ الآلات الإيقاعية، والتى كانت عبارة عن كفوف خشبية استخدموها فى الأفراح والمناسبات والطقوس الدينية المختلفة. ونجح المصرى القديم فى اختراع الناى من تأمله فى الطبيعة، عندما لاحظ هذا النبات المُسمى الغاب أو البوص أو القصب البرى الذى يُصنع منه الناى، وهو نبات ينمو بشكل تلقائى على ضفاف الأراضى الزراعية فى كل دول حوض البحر المتوسط من أول المغرب، اليونان، سوريا، العراق، مصر وفلسطين وليبيا وغيرها، لما تتمتع به هذه الدول من درجات حرارة ورطوبة معينة ينمو فيها هذا النبات.
ولكن كيف توصل المصرى القديم أن أعواد الغاب يمكن أن تتحول لناى؟
- لاحظ المصرى القديم هذا النبات الذى أشبه بأعواد القصب ولكنها مجوفة من الداخل، مع حركة الرياح وتمايل هذه الأنابيب المجوفة يخرج منها صوت صفير، وكأن الطبيعة تعزف على هذه الأنابيب، ومن ثم بدأ يقطع جزءًا من هذه الأعواد وينفخ فيها من أكثر من زاوية واكتشف فى كل مرة صوتًا مختلفًا، ثم أضاف الثقوب عليها واحدة تلو الأخرى ليتطور العزف ويصبح لدينا فى النهاية آلة الناى، التى هى ابنة البيئة المصرية بامتياز.
ما الذى يُميز صناعة آلة الناى عن الآلات الموسيقية الأخرى؟
- إنها آلة حية بالمعنى الحرفى، عكس آلات موسيقية أخرى التى يتدخل فيها العامل البشرى ويد الصانع بنسبة 100 %، بينما الناى مصنوع من نبات حى يتنفس، ونسبة تدخل البشرى لتطويع هذا النبات وثقب عمود الهواء لا تتجاوز الـ15 %، فصانع الناى لا يتدخل لتغيير معالم هذا النبات، عكس آلات أخرى تعتمد على صنفرة الخشب وتقطعيه بسمك معين ثم إدخال الدهان والورنيش عليها، فتتغير طبيعة الخشب تماما ويصبح العامل المتحكم فيها.
بالإضافة إلى أنه من خلال سنوات خبرتى فى صناعة الناى، اكتشفت أن صوت الناى يختلف حسب بلد نبات الغاب أو البوص، طعم نبتة الغاب المستورد من المغرب أو تركيا أو سوريا أو اليونان.. إلخ غير طعم نبتة الغاب المصرى، ويظهر هذا الصوت فى طبيعة الصوت الصادر عن آلة مصنوعة من غاب مصرى عن آلة أخرى مصنوعة من غاب تركى، وصولًا لأنفاس العازف المصرى وإحساسه، فهو يختلف عن عازف من بلد آخر، فبكل تأكيد ما يميز آلة الناى وذيوع شهرته وكثرة المعجبين بها يعود لأنها آلة حية سواء فى الخامة المصنوعة منها أو من النفس البشرى الذى يعزف عليها لذا تصل للقلب سريعًا عن أى آلة ثانية.
هل هذا السبب الذى جعله يسمى الناى الحزين كأحد أسباب شهرته والإعجاب به؟
- فى الحقيقة الناى ظُلم كآلة موسيقية ارتبط صوتها بالحزن أو الشجن، لكنها آلة متكاملة لأبعد الحدود وقادرة على إصدار جميع الأصوات الموسيقية سواء الحزينة أو المليئة بالفرح والبهجة، كما أنه قادر على الاندماج مع آلات فرق الموسيقى العربية ويظهر بصوت مميز متفرد، وقادر أيضًا على أن يكون جزءًا من أوركسترا كلاسيكية ينافس آلة الفلوت الغربية المصنوعة من المعدن.
ما الفرق بين آلة الناى والكولة؟
- كلاهما يصنع من ذات نبات الغاب، آلة الناى تتكون من 9 فكوك (عُقد)، بينما الكولة تتكون من أربع فكوك، وهى أطول من فكوك الناى بها 6 ثقوب من الأمام فقط، بينما الناى يتكون من 6 ثقوب من الأمام وثقب فى الخلف، الناى آلة موسيقية تدرس فى معهد الموسيقى العربية لها منهج ونوتة موسيقية وطرق وأساليب للعزف، لكن الكولة آلة شعبية ليس لها منهج، وتعتمد فى تعليمها على التوارث بين الأجيال والتدريب الشفاهى، لايوجد لها منهج يحفظها أو تكنيك للعزف أو الأداء عليها.
نعود للعازف وليس الصانع.. ما الفرق التى شاركت بالعزف فيها؟
- شاركت فى العزف مع فرق موسيقية متنوعة بالإضافة إلى فرق للإنشاد الدينى، كما عزفت فى حفلتين للفنان إيمان البحر درويش، وكذلك سجلت فى الاستوديو أغانى مطربات مثل أصالة، وشيرين وأنغام، ولكن كرست جهدى فى التركيز فيما بعد فى ورشتى لصناعة آلة الناى، والحمد لله منذ شهرة الورشة وجودة إنتاجها والطلب على آلات منها، لم أستطع التوفيق بين العزف والصناعة، خاصة أنِ القائم على تنفيذها من الصفر، وأكون الصانع الوحيد فى الورشة.
من هم أشهر عازفى الناى والكولة الذين أثروا فى وجدانك الفنى والموسيقى؟
- الفنان محمود عفت، الذى نجح فى الوصول بآلة الناى إلى العالمية وأصبح معترفًا بها فى أى دولة وتعزف فى كبرى الأوركسترات العالمية، فكان يعتبر الناى قبل الفنان الكبير مجرد آلة شعبية ليس لها منهج، لكن صنع لها منهجًا وأسلوبًا خاصًا بعزفها، وقدم بها مؤلفات موسيقية صعبة مثل «كونشرتو الناى».
ولعب الفنان محمود عفت دورًا كبيرًا فى التأثير الفنى على تجربتى، وتأثرت به كثيرًا فى رحلتى، أما على مستوى عزف الكولة، لدينا أسماء قامات فنية مثل الفنان عبدالله حلمى والفنان إبراهيم كولة، لهما بصمتهما الموسيقية المتفردة وأًسسا لنفسيهما مدارس فنية ينهل منها أى موهوب وشغوف بعزف آلة الكولة.
هل تخبرنا بمراحل تصنيع آلة الناى...؟
- فى البداية يصلنى ناب الغاب أحيانًا يكون جافًا بنسبة 50 %، أو لا تزال قطع منه خضراء، نتركها تجف فى الظل من عام إلى عامين ونصف، حتى يجف تماما بنسبة 90 %، ثم تعريض النبات للشمس لمدة ساعتين خلال خمس أيام، حتى تخرج منه كل آثار الرطوبة، ثم تأتى مرحلة «التنشيف» من خلال استعدال هذا الغاب على النار، لإن النبات عمومًا غير مستقيم وبه انحناءات واعوجاج، الاستعدال يكون من خلال تعريضه لوهج النار ثم تأتى مرحلة التنظيف من الداخل والثقوب.
هل صانع آلة الناى يجب أن يكون عازفًا عليها، ومتى أصبحت صانعًا محترفًا أيضًا؟
- لا يشترط أن يكون عازفًا محترفًا، ولكن لديه أذن موسيقية على الأقل، قادرة على سماع النغم بشكل صحيح، لأن أول من يختبر الناى بعد صناعته هو الصانع، لاكتشاف أى خطأ أو عيب نجم عن الصناعة، بالإضافة إلى أهمية أن يكون لديه موهبة العمل اليدوى، بلاشك لدينا أجهزة وأدوات لكن تظل مساعدة وليست أساسية فى صناعة الناى، ومن ثم يجب أن يكون الصانع ماهرًا وقادرًا على استخدام يده فى التعامل مع هذا النبات الذى يتحول لناى.
كم يستغرق من الوقت صناعة ناى واحد فقط؟
- عندما بدأت ورشتى لصناعة الناى فى العام الثالث الجامعى، كانت عبارة عن سجادة على الأرض وقطعة سيراميك مستوية، وكان يستغرق العمل على الناى ربما 3 أيام، ولكن بعدما تطورت الورشة من عام لآخر وأصبحت تحتوى على أدوات مساعدة فى الصناعة مثل المثقاب الكهربائى، ماكينات ليزر ومخرطة وجهاز صنفرة، ساهمت هذه الأجهزة فى الإسراع من وقت تصنيع الناى الواحد ليحتاج 3 ساعات.
ونجحنا فى التصدير لكل الدول العربية، وعدد من الدول الأوروبية مثل اليونان، فرنسا، وألمانيا وتركيا وأمريكا.
ما التحديات التى تواجه صناعة آلة الناى من واقع سنوات عملك؟
- أول تحد مرتبط بوفرة توافر نبات الغاب أو البوص، للأسف مع التغير المناخى، أصبح وجوده نادرًا جدًا فى مصر بعد أن كان موجودًا فى مصر بطولها من الإسكندرية لأسوان، وبدأت استيراد الغاب من دول مجاورة كسوريا وتركيا منذ عام 2018، ولكن هذا الاستيراد مكلف للغاية ويحتاج لعملة صعبة، بالإضافة إلى طول الإجراءات للإفراج عن شحنة النبات من جمارك المطار، وارتفاع رسوم كل إجراءات كل مرحلة التى تبدأ بالمرور على الحجر الزراعى ثم الجمارك، ويترتب على ذلك طول أمد الفترة التى تصل بها النباتات إلى الورشة.
أخيرًا.. ما خطتك المستقبلية فى مجال صناعة الناى، هل ممكن تحول الورشة لمركز تدريبى لتدريب صناع آخرين شغوفين بالناي؟
- استمرار الاهتمام بالآلة وصناعتها، فى وجه محاولات استسهال من البعض الآن فى صناعتها، لمجرد الكسب السريع، وهذا يسبب ضررًا كبيرًا لسمعة صناعة آلة الناى المصرية، حلمى الحفاظ على هيبة الآلة وتظل بصورتها البديعة، وليس لدى مانع من تدريب عازفين آخرين لديهم الشغف والمحبة والحب الحقيقى لآلة الناى وليس اعتبارها مجرد مهنة، وأيضا حريص على تقديم تدريبات للشباب ولكل المهتمين والمهتمات بالعزف على آلة الناى.







