السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

بين السياسة والتاريخ

تماثيل ونصب تشعل أزمات سياسية

لم تعد التماثيل والنصب مجرد فنون أو أعمال تذكارية بل تحولت إلى أدوات سياسية مشحونة تثير أزمات دبلوماسية وصراعات داخلية تفتح جراح الماضى أمام الحاضر الذى يجد نفسه فى اختبار صعب بين احترام الذاكرة الإنسانية والحفاظ على التوازن الدبلوماسى. فمن تماثيل نساء المتعة التى فجرت خلافات بين اليابان وعدة دول إلى نصب كولومبوس الذى أشعل جدلًا بين الأمريكيين وحركات العدالة الاجتماعية وأيضا قوس النصر المقترح فى واشنطن الذى أثار انتقادات باعتباره نسخة مشوهة من نموذج نابليون الفرنسى وبوابة عشتار العراقية وصولًا إلى أسطورة جرينلاند المنتقم من الأعداء هذه الفنون جميعها تكشف عن عمق التوترات الثقافية والعرقية بين الدول والمجتمعات وصراع الرموز على معنى التاريخ والعدالة والاندماج.



 قوس ترامب

ازيح الستار عن تصميم أكثر مشاريع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إثارة للجدل مشروع قوس الاستقلال المقترح فى واشنطن العاصمة. وهو التمثال الذى أثار ضجة واسعة منذ الإعلان عنه مطلع عام 2026 الفكرة تقوم على بناء قوس ضخم بارتفاع 250 قدمًا أى أطول بكثير من قوس النصر الباريسى الذى يبلغ ارتفاعه 164 قدمًا فى موقع حساس بين مقبرة أرلينجتون الوطنية ونصب لينكولن التذكارى مزود بلمسات ذهبية ونسور ضخمة وتمثال مجنح لسيدة الحرية على قمته. النقاد اعتبروا التصميم بأنه نسخة مقلدة من النموذج الفرنسى ووصفوه بأنه مسخ معمارى يستعير عناصر من بوابة عشتار البابلية مع زخارف مفرطة وألوان صارخة لا تتناسب مع الطابع الكلاسيكى للعاصمة الأمريكية.

رفعت مجموعة من قدامى محاربى حرب فيتنام دعوى قضائية ضد الرئيس دونالد ترامب بسبب النصب التذكارى المقترح، مؤكدين إنه سيغير بشكل جذرى مدخل مقبرة أرلينجتون الوطنية واعتبروه إهانة لمن دُفنوا هناك. ويرى المدّعون إن المشروع يفتقر إلى موافقة الكونجرس وينتهك القوانين الفيدرالية. أما النقطة الرئيسية التى يثيرها المنتقدون فتتمثل فى أن قوس النصر سيطغى على المشهد العام، وسيحجب معالم قريبة وعلى رأسها نصب لنكولن التذكارى. وفى المقابل، تقول الإدارة الأمريكية ومؤيدو المشروع إن الهدف منه هو إحياء تاريخ الأمة. ويؤكد مسئولون أمريكيون مشاركون فى المشروع أن ارتفاع القوس (250 قدمًا) يحمل دلالة رمزية، حيث يتزامن مع الذكرى الـ250 الاستقلال الولايات المتحدة.

والجدل لم يتوقف عند هذا الحد بل امتد إلى الدوافع السياسية إذ أعلن ترامب أن القوس سيخلد الذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال. بينما اطلق المعارضون على النصب اسم قوس ترامب معتبرين أنها محاولة لتكريس إرث شخصى على حساب الرمزية الوطنية. 

خبراء العمارة والمؤرخون استنكروا المشروع ورأوا فيه استعراضًا للقوة ومحاكاة لمشاريع إمبراطورية أو استبدادية أكثر منه إحياءً للذاكرة الأمريكية. 

 أزمة كولومبوس

فجر إعادة نصب تمثال كريستوفر كولومبوس أواخر مارس الماضى فى ساحة البيت الأبيض ازمة سياسية بين الهويات داخل الولايات المتحدة الأمريكية. التمثال الجديد الذى يبلغ طوله نحو 13 قدمًا ويزن طنًا واحدًا، صنع من الرخام باستخدام شظايا التمثال الأصلى الذى كان قائمًا فى بالتيمور منذ عام 1984 قبل أن يهدم فى يوليو 2020 على يد نشطاء حركة «حياة السود مهمة» ثم ألقى فى الميناء الداخلى للمدينة. 

وقد قام الفنانون باستعادة بعض الشظايا من قاع الميناء وأعادوا توظيفها فى النسخة الجديدة للتمثال، التى وضعت أمام مبنى مكتب الرئيس التنفيذى أيزنهاور كجزء من احتفالات الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة. يأتى ذلك بعد أن رفضت سلطات بالتيمور إقامة نصب بديل. 

والمعروف أن التمثال يمثل بالنسبة للأمريكيين من أصل إيطالى، والذين يزيد عددهم على 18 مليونًا، نسمة حجر الأساس لهويتهم الثقافية إذ ارتبط يوم كولومبوس تاريخيًا بمحاولة دمجهم فى المجتمع الأمريكى بعد حادثة إعدام 11 مهاجرًا إيطاليًا فى نيو أورليانز عام1891 وهو ما جعل التمثال بالنسبة لهم رمزًا للفخر والانتماء، لكن بالنسبة للسود وحركات العدالة الاجتماعية فإن إعادة التمثال تعنى إعادة إنتاج سردية استعمارية تتجاهل معاناة السكان الأصليين وتكرس إرث الإبادة والاستغلال الذى ارتبط باسم كولومبوس.

 وبين هذين الموقفين دخل البيت الأبيض على خط الأزمة، إذ رحب بالنصب الجديد رسميًا فى خطوة أعادت إلى الأذهان إعلان الرئيس ترامب الذى وصف كولومبوس بأنه بطل أمريكى وأكد أن يوم كولومبوس مهم بالنسبة للأمريكيين ما زاد من حدة الانقسام ليتحول تمثال واحد من الرخام إلى ساحة مواجهة بين سرديات الهوية الإيطالية والذاكرة السوداء والسياسة الرسمية الأمريكية.

 نساء المتعة

تمثال برونزى صغير أشعل شرارة أزمة دبلوماسية بين اليابان ونيوزيلندا، التمثال يرمز إلى النساء اللواتى أجبرتهن القوات اليابانية على الاستعباد الجنسى قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية ومخطط له أن يقام فى الحديقة الثقافية الكورية فى أوكلاند. اعتبرت اليابان هذه الخطوة تصعيدية وقد تضر بعلاقاتها مع نيوزيلندا وحذرت سفارتها من أن النصب سيعطى انطباعًا بأن الحكومة النيوزيلندية تدعم حملة معادية لليابان وهو ما قد يؤدى إلى توتر سياسى وربما قطع العلاقات اليابانية النيوزيلندية. وفى المقابل يرى مؤيدو المشروع أنه تكريم إنسانى للضحايا ورسالة ضد العنف الجنسى فى زمن الحرب.

لكن، هذا التوتر ليس جديدًا، فقد تكرر فى مدن أخرى مثل سان فرانسيسكو وبرلين. ففى عام 2018، أنهت مدينة أوساكا اليابانية علاقة التوأمة التى استمرت ستة عقود مع سان فرانسيسكو الأمريكية بعد أن اعترفت الأخيرة بتمثال يخلد ذكرى نساء المتعة كملكية عامة. وفى برلين عام 2025 أزيل تمثال مماثل بعد سنوات من الجدل بين السلطات المحلية والجماعات الكورية وسط ضغط دبلوماسى يابانى متواصل.

أما فى كوريا الجنوبية فقد أثارت تماثيل أخرى تجسد نساء المتعة أيضًا جدلًا أكبر حين صور أحدها رئيس الوزراء اليابانى السابق شينزو آبى وكأنه يسجد أمام امرأة شابة، وهو ما دفع طوكيو إلى استنكار العمل الفنى بشدة واعتبار الأمر إهانة وطنية، ومن جانبها، تصر اليابان على أن قضية نساء المتعة قد أغلقت نهائيًا بموجب اتفاق 2015 مع كوريا الجنوبية الذى نص على تقديم مليار ين يابانى أى ما يعادل 9 ملايين دولار كأموال إنسانية لصندوق دعم الناجيات مقابل تعهد سيول بعدم إثارة القضية دوليًا. 

لكن هذا الاتفاق انهار عمليًا بعد أن قام الرئيس الكورى مون جاى إن بحل الصندوق عام 2018 معتبرًا أنه لم يراع مشاعر الضحايا ولا الرأى العام الكورى ومنذ ذلك الحين بقيت اليابان متمسكة بروايتها أن جميع المطالبات سويت بموجب معاهدة العلاقات الأساسية عام 1965 بينما ترى منظمات حقوقية أن الاعتراف والذاكرة لا يمكن أن يختزلا فى تسوية سياسية.

 تمثال الجمهورية ومعاداة السامية 

وفى فرنسا أثار مشهد العلم الفلسطينى فى يد تمثال الجمهورية أزمة داخلية حادة إذ اعتبرت إسرائيل وبعض الصحف الصهيونية أن فرنسا تنزلق نحو معاداة السامية، يأتى «لك فى وقت تحتضن فيها فرنسا أكبر جالية يهودية فى أوروبا الغربية» يبلغ تعدادها نحو نصف مليون نسمة.

وعلى خلفية هذا الجدل أصدرت وزارة الداخلية الفرنسية تعليمات صارمة للمحافظين تقضى بمنع رفع الأعلام الفلسطينية على مبانى البلديات والمرافق العامة بحجة حماية مبدأ الحياد وعدم الانحياز قبل الإعلان الرسمى والاعتراف بدولة فلسطين، القرار جاء بعد دعوة الزعيم الاشتراكى أوليفييه فور إلى رفع العلم الفلسطينى فى يوم يتزامن مع احتفال اليهود بعيد رأس السنة العبرية روش هاشانا ما زاد من حساسية الموقف. 

وأكدت الوزارة فى برقية رسمية أن أى عرض للأعلام الفلسطينية يعتبر انحيازًا سياسيًا وطالبت رؤساء البلديات بالتوقف عن ذلك فورًا مع التهديد بإحالة المخالفين إلى المحاكم الإدارية، لكن الأزمة تصاعدت حين تحدت 86 بلدية من أصل 34٫875 القرار بينها مدن كبرى مثل ليون ونانت ورين وبيزانسون حيث رفع العلم الفلسطينى على مبانيها فيما شهدت باريس مشهدًا رمزيًا حين رفع أعضاء مجلس المدينة اليساريون العلم لمدة نصف ساعة على مبنى البلدية رغم معارضة رئيسة البلدية آن هيدالجو. وهنا كشفت أزمة تمثال الجمهورية والعلم الفلسطينى كرمز سياسى عن انقسام داخلى بين الحكومة التى تتمسك بالحياد من ناحية والشعب الذى يتمسك بحرية التعبير وسط ضغوط خارجية من إسرائيل والجماعات المؤيدة لها داخل فرنسا من ناحية أخرى.

 صرخة جرينلاند

أما جرينلاند،التابعة للدنمارك، فقد أثار تمثال صغير جدلًا حادًا على مواقع التواصل الاجتماعى، العمل الذى أنتجه كيم كلايست أريكسن، حصد ملايين المشاهدات والمشاركات لأنه يصور الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وهو يتعرض للافتراس على يد وحش أسطورى من تراث جرينلاند يعرف باسم توبلاك. 

هذا الكائن الانتقامى سبق أن ظهر فى أعمال أريكسن السابقة حيث صوره يلوح فى الأفق فوق ثلاثة مبشرين أوروبيين جاءوا لاستعمار الجزيرة فى القرن الثامن عشر. 

لكن الفنان استبدل وجوه المستعمرين هذه المرة بوجه ترامب.

أريكسن أوضح أن الفكرة جاءت فى لحظة غضب فنى بعد أن أخبرته ابنته بأنها تشعر بالخوف من تصريحات ترامب بشأن الاستيلاء على جرينلاند فقرر أن يجسد هذا الخوف فى عمل رمزى. التمثال منحوت من مواد صلبة محلية ويعتمد على مزيج من الرخام والحجر الجرينلاندى ليعكس قوة الأرض فى مواجهة الغزو الخارجى وقد أثار العمل جدلًا واسعًا بين الأمريكيين والأوروبيين اعتبره البعض تعبيرًا فنيًا مشروعًا عن رفض الاستعمار الجديد فيما رأى آخرون أنه إساءة مباشرة لرئيس أكبر دولة فى العالم ما فتح نقاشًا حول حدود حرية التعبير الفنى والرمزية السياسية.

فى النهاية، تكشف هذه النماذج أن التماثيل ليست مجرد كتل صامتة من الحجر أو شواهد على الماضى، بل ساحات مواجهة، تتقاطع فيها السياسة مع الذاكرة والهوية.