مدن تقصف.. وتاريخ يمحى.. وتراث يضيع
حروب على أنقاض الحضارات
آلاء شوقى
حين تشتعل الحرب، لا تدخل المدن وحدها فى دائرة الخطر، بل يدخل معها الزمن نفسه، إذ تنهار آلاف السنين فى لحظة انفجار، وتتحول الحضارات إلى غبار، حينها لا تعد الخسارة مجرد مبانٍ، بل ضياع تاريخ كامل، يُمحى من سجل الوجود وكأنه لم يكن.
وفى قلب هذا المشهد المأساوى، يصبح التراث الثقافى -المفترض أنه محمى بنصوص دولية صارمة- أول الضحايا، ما رفع من وتيرة تحذيرات الأكاديميين، وخبراء الآثار، والقانون الدولي؛ مؤكدين أن ما يجرى ضرر لا يمكن إصلاحه، وأن الصمت الدولى لا يقل خطورة عن الفعل نفسه، بوصفه إخفاقاً شديدًا فى مبدأ مسئولية الحماية الذى يُفترض أن يضمن صون التراث الإنسانى فى أوقات الحرب.
إيران.. تراث تحت النار
منذ أيام، صدرت إدانات واسعة من أكثر من 200 باحث، وأكاديمى، ومختص بالتراث الثقافى من جامعات ومؤسسات فى «الولايات المتحدة، وأوروبا» وخارجها، حذروا فيها مما وصفوه بالضرر الذى لا يمكن إصلاحه، الذى لحق بتراث «إيران» خلال الأسابيع الماضية نتيجة العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية.
وجاء البيان الصادر عن جمعية علم الآثار الإيرانية بصيغة شديدة اللهجة، حيث أكد أن ما حدث ألحق ضررًا بالتراث الثقافى للبشرية، مع اعتبار ذلك انتهاكاً واضحاً لاتفاقية لاهاى لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية فى أثناء النزاعات المسلحة، وبالتالى خرقًا للقانون الدولي.
ولم يقتصر البيان على الإدانة المباشرة، بل أشار –أيضًا- إلى مسئولية الدول التى تتقصر فى الإدانة أو كبح الانتهاكات.
وعلى مستوى التراث، فقال «حسن فيرتوزي» الأمين العام للجنة الوطنية الإيرانية لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو)، إن نحو 160 موقعًا من المواقع الثقافية والتاريخية فى «إيران» تعرضت للاستهداف أو الضرر؛ موضحًا أن تلك المواقع تمتد عبر عمق حضارى وجغرافى واسع، ما يجعل تقييم الأضرار أمرًا بالغ الصعوبة.
كما أضاف أن فرقًا تابعة لليونسكو قامت بزيارات ميدانية فى 6 محافظات، لتوثيق ما أمكن من الأضرار، فى وقت تنتظر فيه «إيران» وصول خبراء دوليين لإجراء تقييم شامل.
وشملت الأضرار عددًا من أبرز المعالم التاريخية، حيث تضرر (قصر جولستان)، أحد أقدم المجمعات الملكية في» إيران» المدرج على قائمة التراث العالمى لليونسكو، ويعود تأسيسه إلى العصر القاجارى، حيث يعد نموذجًا فريدًا للعمارة الملكية التى تتمتع بالزخارف الفارسية، وذلك إثر ضربة استهدفت ساحة «أرج» فى 2 مارس الماضى، ما دفع المنظمة الدولية للتعبير عن قلقها.
كما طالت الضربات موقع (فلك الأفلاك) فى 8 مارس بمدينة «خرم آباد»، وهو قلعة تاريخية تعد من أبرز الحصون العسكرية القديمة فى غرب «إيران»، حيث تعرضت لأضرار رغم تمييزه بشعار الحماية الدولية، ما أثار جدلاً واسعًا حول فاعلية الرموز الوقائية للتراث أثناء النزاعات.
وفى مدينة «أصفهان» لحقت أضرار بعدد من المعالم البارزة، مثل ساحة (نقش جهان) التى تُعد من أعظم الساحات التاريخية فى العالم، وقصر (جهل ستون) المعروف بجدارياته الفارسية، وقصر (على قابو) الذى كان مقرًا ملكيًا فى العهد الصفوى، إضافة إلى (الجامع الكبير) الذى يمثل تطور العمارة الإسلامية عبر قرون متعاقبة. كما طالت الأضرار كنيسة (القديس نيقولا الأرثوذكسية) فى «طهران»، وهى إحدى أقدم الكنائس فى العاصمة الإيرانية.
لبنان.. قصف رغم الحماية الدولية
على الضفة الأخرى من جغرافيا «الشرق الأوسط»، يتكرر المشهد فى «لبنان»، حيث تحولت المواقع الأثرية لأماكن استهداف مباشرة من قبل الجيش الإسرائيلي. وهو ما دفع المديرية العامة للآثار اللبنانية إلى تقديم شكوى عاجلة إلى منظمة (يونسكو) عقب ورود معلومات عن اعتداء استهدف الموقع الأثرى لقلعة (النبى شمع - شمعون الصفا) فى قضاء «صور»، وهو موقع سبق أن تعرض لأضرار سابقة خلال عدوان 2024 ثم أعيد ترميمه.
المفارقة التى يبرزها الواقع اللبنانى أن الاعتداءات تأتى بعد أيام فقط من إدراج 39 موقعًا أثريًا جديدًا على لائحة الحماية المعززة، فى محاولة لتوسيع نطاق الحماية الدولية.
هذه المواقع تمتد من الجنوب اللبنانى إلى منطقة البقاع والشمال، وتشمل مناطق أثرية فى مدينة «صور» مثل (الشواكير، وقانا) ومواقع مرتبطة بتاريخ حيرام، إضافة إلى مواقع فى البقاع الغربى، مثل (معابد جبل حرمون)، ومواقع فى «عكار، وطرابلس، وبيروت».
وفى هذا السياق، طلب «لبنان» عقد اجتماع استثنائى للجنة حماية الممتلكات الثقافية المنبثقة عن اتفاقية لاهاى، حيث تم التصويت على الملفات دفعة واحدة، ما منح تلك المواقع صفة الحماية الدولية الرسمية.
لكن على الأرض، تبقى هذه الحماية نظرية فى مواجهة واقع عسكرى متقلب، حيث لا يضمن الإدراج الدولى منع الاستهداف، بل يفتح فقط باب المساءلة القانونية بعد وقوع الضرر، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول فعالية النظام الدولى لحماية التراث.
غزة.. إبادة تاريخ كامل
فى قطاع «غزة» المنكوب، تتخذ المأساة بعدًا أكثر قتامة واتساعًا.. إذ قالت (اليونسكو) إنها بدأت فى تنفيذ تقييم ميدانى للأضرار فى المواقع الثقافية حيثما أمكن الوصول، بعد وقف إطلاق النار فى 10 أكتوبر 2025، أى بعد عامين من العدوان الإسرائيلى المتواصل على البنية التحتية فى «غزة».
وحتى 24 مارس 2026، وُثقت الأضرار فى 164 موقعًا داخل القطاع منذ 7 أكتوبر 2023، تشمل 14 موقعًا دينيًا، و128 مبنى ذا قيمة تاريخية أو فنية، و3 مستودعات لممتلكات ثقافية منقولة، و9 مواقع أثرية، ومتحفان، و8 مواقع أثرية رئيسية، من بينها 153 موقعًا تقع داخل محافظة «غزة» وحدها، ما يعكس شدة الدمار فى منطقة جغرافية محدودة لكنها غنية تاريخيًا، خاصة وأن القطاع كان -تاريخيًا- مكان للتجارة وتناوب الحضارات.
يعد (المسجد العمرى الكبير) فى قلب البلدة القديمة أحد أبرز هذه المعالم المتضررة بشدة، إذ يُعتبر من أقدم مساجد «فلسطين» وثالث أكبرها، قبل أن يتعرض لتدمير شبه كامل جراء القصف عام 2023.
كما طالت الأضرار (كنيسة القديس برفيريوس) أقدم كنائس العالم التى تعود للقرن الخامس الميلادى، حيث تعرضت لقصف مباشر، أدى إلى دمار واسع وسقوط ضحايا من النازحين داخلها، ما جعلها رمزًا مأساويًا لاستهداف المواقع الدينية.
كما شملت الأضرار(قصر الباشا) الأثرى الذى يجمع بين الطرازين المملوكى والعثمانى، إضافة إلى (سوق القيسارية، وسوق الزاوية) التاريخيين اللذين يعدان من أقدم الأسواق التقليدية فى «غزة»، فضلاً عن (حمام السمرة) العثمانى الذى دُمر بشكل شبه كامل.
كما لم تسلم المواقع الدينية والتاريخية فى المناطق الأخرى، مثل (مقام الخضر) فى «دير البلح» من الأضرار، ما يعكس حجم الاستهداف الواسع الذى طال الإرث الحضارى المتنوع للقطاع.
هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الدمار المادى، بل تشير إلى تآكل متسارع للهوية الثقافية للمدينة، حيث تمتد جذور العديد من المواقع إلى حضارات قديمة تعاقبت على المنطقة، من العصور الكنعانية إلى الفترات الرومانية والإسلامية.
النصوص الدولية وواقع الحرب
رغم وجود اتفاقية لاهاى لعام 1954، التى تعد الإطار القانونى الأساسى لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات، ورغم تطوير آليات الحماية مثل (الدرع الأزرق)، و(الحماية المعززة)، إلا أن الواقع الميدانى فى كل من «إيران، ولبنان، وغزة» يكشف فجوة واسعة بين النصوص والتطبيق.
وفى ظل هذا الواقع، يصبح التراث الثقافى عرضة لمعادلة قاسية تنحصر بين إدانات دولية متكررة، وتوثيق دقيق للأضرار، لكن دون قدرة فعلية على منع التدمير فى لحظته.
وحين يترك هذا التراث بلا حماية فعلية، يصبح السؤال –المعروف إجابته سلفًا- لماذا تصر إسرائيل على استهداف التاريخ فى كل عدوان يشعله؟.. ولكن، السؤال الأكثر إثارة للجدل: من يملك حق الحفاظ على التاريخ والتراث حين تعجز القوانين عن حمايتها على الأرض؟!







