السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
اجتماعات الربيع الاقتصادى العاصف

اجتماعات الربيع الاقتصادى العاصف

بعد سنوات من الاضطرابات الاقتصادية العالمية، تزايدت الآمال مع نهاية عام 2025 بأن يكون عام 2026 هو عام التعافى، الذى يتخذ فيه الاقتصاد العالمى مسارًا تصاعديًا، وبدا واضحًا من توجهات البنوك المركزية فى العالم أن دورات التيسير النقدى التى من أهم مظاهرها، الخفض المُتدرج لأسعار الفائدة، سوف ترفع من مُعدلات نمو قطاعات الاقتصاد الحقيقى بما يخلق مزيد من فُرص العمل، ومزيد من الإنتاج الذى يتم ضخه فى الأسواق بما يرفع من مُعدلات العرض لتلبية الطلب المُتزايد، فى مسار يسمح بخلق دوائر من النشاط الاقتصادى القادرة على دعم مسيرة التنمية العالمية.



ولكن كُل ذلك لم يحدث، حيث عصفت توجهات الرئيس ترامب بكل التوقعات المُتفائلة للاقتصاد العالمى، حيث تركزت إرادة الرئيس الأمريكى على الدفع نحو سيناريو الاستئثار بالمكاسب، والرغبة فى أن تصب ثمار ومكاسب النشاط الاقتصادى العالمى فى مصلحة الولايات المُتحدة الأمريكية فقط، وانطلق نحو تحقيق ذلك بالقوة العسكرية التى نجحت فى مطلع يناير 2026 بأن تقبض على الرئيس الفنزويلى «مادورو» وتخلق واقع سياسى مكنها من فرض سيطرتها على البترول ومصادر الثروة بتلك الدولة الغنية بالموارد الطبيعية. ولم يقف الأمر عند ذلك، حيث وجه الرئيس ترامب الألة العسكرية الأمريكية نحو إيران بنهاية فبراير 2026 متصورًا أنه يُمكنه تكرار سيناريو فنزويلا، ويقوم بالسيطرة الكاملة على ضفتى الخليج العربى بما يمتلك من ثروات، ولكن لم تسير الأمور مع إيران مثلما حدثت فى فنزويلا، وبدا شبح التورط الأمريكى فى فيتنام يلوح فى الأفق. الحرب ضد إيران اتخذت مسارًا تشابكيًا ممُتد جُغرافيًا، وزمنيًا. وترتب عليه غلق شبه كامل لمضيق هرمز، وتأثر للكثير من مُنشأت الطاقة، والأسمدة فى تلك المنطقة التى تمد العالم بنحو 20 % من احتياجاته من البترول، ونحو 25 % من تجارة الغاز المُسال العالمية، ونحو 20 % من تجارة الأسمدة العالمية، وغير ذلك من تأثيرات دفعت نحو ارتفاعات كبيرة فى مُعدلات التضخم العالمي.

وهكذا تغيرت أجندة اجتماعات الربيع فى كافة التنظيمات الاقتصادية العالمية، والتى من أهمها، الاجتماعات السنوية لصندوق النقد، والبنك الدوليين المُنقدة خلال الفترة من 13 إلى 18 أبريل 2026، تلك الاجتماعت التى وجد أطرافها أنفسهم فى موقف رد الفعل، فبدلًا من أن تركز تلك الاجتماعات على دعم مسارات الاستقرار المالى، ومُكافحة الفقر، وتمويل التنمية العالمية، وجد المُشاركون بتلك الاجتماعات أنفسهم يبحثوا عن تقييم الأضرار، ومدى القدرة على الحد من الخسائر والتداعيات المُدمرة المُتوقعة. وجد المُجتمعون أنفسهم أمام واقع ارتفاع لما بين 40-50 % من أسعار النفط الذى شاركه الارتفاع كل من الغاز الطبيعى، والأسمدة، ومُعظم المواد الخام، فى ظل مُشكلات هيكلية لسلاسل الإمداد، والعديد من المُتغيرات التى دفعت نحو خفض توقعات نمو اقتصادات الدول النامية إلى مستوى أقل من 3,65 %، ورفعت توقعات التضخم لتتجاوز سقف الـ5 % مع توقع أن لا يستطيع الاقتصاد العالمى امتصاص آثار تلك الحرب فى وقت قصير.

تحولت تلك الاجتماعات من نطاق البحث حول مُستقبل أفضل للعالم، لنطاق أضيق، وهو حجم طلبات التمويل والمُساندة المُتوقع أن تطلبها الدول المُتضررة من صندوق النقد والبنك الدوليين، حيث تُشير التقديرات إلى توقع أن يتلقى صندوق النقد الدولى طلبات تمويل إضافية لما بين 20-50 مليار دولار، وكذلك من المتوقع أن يتلقى البنك الدولى طلبات تمويل قد تصل إلى نحو 70 مليار دولار، وبدا واضحًا أن أزمة الديون العالمية سوف تزداد توحشًا لتصل إلى مستويات غير مسبوقة، وهو الأمر الذى يُثير الشك حول قُدرة الصندوق البنك الدوليين فى أن يحققا الدعم المُناسب للدول لتجاوز تلك الأزمة، فى ظل شروط وضوابط صعبة يتم فرضها على الدول التى يُمكنها الاستفادة من برامجهما التمويلية المُساندة، حيث أصبح من المُناسب أن تبحث تلك الاجتماعات آليات تدعم التخفيف من ضوابط التمويل المُقدم للدول المُتضررة.

وفى مصر، لم تقل الاجتماعات الاقتصادية لربيع 2026 سخونة عن الاجتماعات الدولية، حيث تسببت الحرب فى إيران إلى ارتفاع كبير فى فاتورة الدولة لاستهلاك الطاقة، فضلًا عن ارتفاع تكاليف وارداتها من الخارج بما فيها واردات عناصر الإنتاج اللازمة للقطاع الصناعى، ومع حتمية إعداد الموازنة العامة للعام المالى القادم 2026-2027 وتقديمها لمجلس النواب قبل نهاية مارس 2026 وفقًا للالتزام الدستورى، كان هناك صعوبة كبيرة فى الوصول تقديرات يتم البناء عليها فى ظل حالة من التذبذب والانحرافات الكبيرة فى مسارات المؤشرات الاقتصادية العالمية، وقد تم الاستقرار على اعتماد سعر البترول فى الموازنة عند نحو 75 دولار للبرميل وهذا التقدير يُحيطه مخاوف أنه فى حال تجاوز السعر الفعلى لهذا السقف، فإن كل دولار زيادة عنه يترتب عليه رفع لتكاليف الموازنة بنحو 4 مليار جنيه سنويًا، وكذلك تم تقدير سعر القمح بنحو 255 دولار للطن وهو تقدير قابل لأن يتعرض للارتفاع عند التنفيذ الفعلي. ووسط هذه الضغوط التزمت الدولة بأن تقوم برفع مُخصصات الدعم والحماية الاجتماعية بما يُساعدها على مُساندة الشرائح المُستهدفة، حيث تم زيادة مُخصصات الأجور لما يُجاوز 100 مليار جنيه لتصل إلى نحو 821 مليار جنيه، ولنا أن نُقارن هذه الأرقام بأن مُخصصات الرواتب فى موازنة عام 2010-2011 كانت بإجمالى نحو 96 مليار دولار فقط، أى أن الزيادة المُقررة فى العام المالى القادم أكبر من إجمالى مُخصصات الرواتب لعام 2010-2011، وقد تم توزيع تلك الزيادة على الشرائح المُستحقة بحيث يستفيد منها أصحاب الرواتب الأقل بنسبة أكبر من استفادة أصحاب الرواتب الأكبر، فتم زيادة الحد الأدنى للأجور للعاملين بالدولة إلى 8 آلاف جنيه، وتقرير زيادات خاصة لقطاعى التعليم، ووالصحة. فضلًا عن زيادة مُخصصات الدعم العينى، والنقدي. كل ذلك دون الإخلال بمسار ضبط الموازنة والذى يتضمن إجراءات للوصول بالفائض الأولى بنحو 5 % من الناتج المحلى الإجمالى مما يُخفض العجز الكلى إلى نحو 4,9 % من الناتج المحلى، ويدفع الدين إلى مسار تنازلى، وتُركز الحكومة فى اجتماعاتها الاقتصادية على أن يكون تمويل الموازنة من خلال موارد حقيقية، ودون فرض ضرائب جديدة، ووأن يقود القطاع الخاص مسار التنمية خلال الفترة القادمة.

اجتماعات الربيع الاقتصادية فى مصر تُركز على مسارين، المسار الأول هو التعامل اللحظى مع المُتغيرات الاقتصادية العالمية المُتسارعة، والمسار الاستراتيجى للمدى المتوسط والمدى الطويل الذى يضمن استدامة التنمية، وتحقيق المزيد من الصلابة للاقتصاد المصري. لا يُمكن إنكار واقع الضغوط التى يتعرض لها الاقتصاد المصرى بسبب الأزمات العالمية المُتتالية، ولكن المؤكد هو أن مصر تمتلك العديد من الأوراق الاقتصادية التى تُمكنها من التعامل مع تلك الأزمة من خلال البحث فى القوة المحلية الكامنة للاقتصاد المصرى، وتعزيز التعاون الإقليمى، والإنخراط فى مسارات المُساندة الدولية.