ثروت الخرباوى
كهوف الإخوان التنظيمية من النقابات المهنية إلى مدرجات الجامعة
مثلما يتحرك الخفاش فى الظلام مستخدمًا رادار خاصًا به يُعطيه خارطة الطريق، تحركت جماعة الإخوان، ولذلك لم يكن تغلغلها داخل النسيج المصرى مجرد مصادفة تاريخية، أو نتاج صدفة سياسية عابرة، بل كان بناءً هندسيًا طويل النفس، استخدمت فيه الجماعة كل وسائل الاستشعار.
فمنذ أواخر السبعينيات أدرك الإخوان أنهم أمام مجتمع سياسى متعدد التوجهات، من اليمين بألوانه، لليسار وتحزباته، للقوميين والناصريين والمحافظين والمتأسلمين، فكانت الفرصة سانحة لهذا الخفاش الأسود لكى ينقض على فرائسه.
وقد كانت حركة هذا الكائن تقوم على عقيدة تنظيمية صلبة ترى أن السيطرة على المجتمعات لا تستلزم بالضرورة حيازة الأغلبية العددية، بل تكفيها «أقلية» منظمة، تمتلك كتلة تصويتية منضبطة، وتُجيد التحرك فى الفراغات التى تتركها الدولة أو القوى المدنية المشتتة.
بدأت هذه الرحلة من قلب القلاع المهنية، حيث أدرك التنظيم مبكرًا أن النقابات هى «مراكز الثقل» التى تمنح التنظيم غطاءً مهنيًا؛ ففى نقابات الأطباء والمهندسين والمحامين، لم يكن الرهان على حشد الآلاف، بل على انضباط القلة؛ حيث قوائم انتخابية حديدية، وتحشيد دقيق فى ساعات التصويت الحرجة، وقدرة فائقة على إدارة الصراع الميدانى ضد خصوم يمتلكون العدد الأكثر ولكنهم يفتقدون وحدة الحركة، فسيطر الإخوان أصحاب الأقلية، مما جعل النقابات تتحول من كيان خدمى للمهنيين إلى منصات إخوانية تخدم أهداف الجماعة وكأنها جزء من التنظيم.
لكن القوة الحقيقية التى مكنت هذا الحضور لم تكن تكمن فى الهيكل الإدارى وحده، بل فى ذكاء «التغلغل الناعم» عبر استراتيجية الخدمات الاجتماعية التى صُممت لتكون «دولة موازية» داخل الدولة الرسمية. إذ لم يعتمد التنظيم فى بداياته على الخطاب السياسى التصادمى، بل اتخذ من «الخدمة» جسرًا للنفوذ ومن «الحاجة» بابًا للولاء؛ فخلف العيادات الطبية ذات الأسعار الرمزية، وفصول التقوية الدراسية، وشبكات التكافل التى تملأ الفراغات المعيشية، كان هناك بناء لهوية بديلة.
وقد كان المواطن البسيط لا يرى فى هذه الأنشطة تنظيمًا سريًا أو مشروعًا سياسيًا موازيًا للمشروع الوطنى، بل يرى «اليد التى تمتد إليه»، ومع مرور الزمن، تتحول الامتنانات الفردية إلى رصيد تنظيمى هائل، ويصبح الولاء للكيان نابعًا من الارتباط بالمصلحة المباشرة، وهو ما منح الجماعة شرعية اجتماعية.
وفى أروقة الجامعات، تكرر هذا النموذج بصورة أكثر حيوية وتأثيرًا، حيث تم استهداف «العقل الشاب» فى لحظة تكوينه عبر الأنشطة الموازية التى تبدأ من الرحلات والمعسكرات والدروس الدراسية، وملازم المحاضرات، لتنتهى بالانخراط فى أسر طلابية تتحرك بانضباط عسكرى تحت شعارات تربوية ودينية. ولم يكن الطالب فى البداية يدخل لهذه الأنشطة من باب الانتماء للتنظيم، بل من باب الصداقة والاحتواء النفسى، ليجد نفسه تدريجيًا داخل «فقاعة تنظيمة» تعزله عن محيطه وتمنحه شعورًا زائفًا بالتميز.
وقد عزز هذا الحضور خلق أغطية أكاديمية عبر أندية هيئات التدريس، مما منح النشاط الطلابى حماية شرعية وغطاء قانونيًا، وحوّل الحرم الجامعى من ساحة للعلم والبحث إلى مختبر لإنتاج الكوادر التنظيمية التى ستنتشر لاحقًا فى كل مفاصل الدولة والمجتمع.
أما الماكينة الدعائية للجماعة، فقد اشتغلت على معادلة شديدة المكر، تعتمد تبسيط الرسالة وشحنها بجرعات عاطفية مكثفة تخاطب «الخيال الشعبى» لا العقل النقدى؛ فرفعت شعارات عامة ومقدسة لا تملك الجماهير حيالها إلا التسليم، مثل «نحن مع الدين» و«الإسلام هو الحل»، و«نعم نريدها إسلامية» وهى عناوين فضفاضة صُممت لتكون «ملاذا أخلاقيًا» فى بيئات تبحث عن اليقين وسط أمواج القلق السياسى.
لقد نجحت الجماعة فى احتكار «الفضيلة» وتصوير خصومها كأعداء للقيم لا كخصوم لتنظيم غير شرعى يرفع شعارات الدين فى وجه خصومه، مما جعل الصراع السياسى فى نظر الأعضاء صراعًا بين «الحق والباطل» لا بين برامج ورؤى، هذا التوظيف للدين لم يكن قيمة روحية مجردة، بل كان «إطارًا تعبويًا» يربط الانتماء للتنظيم بالالتزام بالإيمان، حتى أصبح نقد القيادة فى وعى البعض يلامس حدود المساس بالمقدس، وبات الخروج من الجماعة فى نظر الأتباع مرادفًا للضلال أو التيه.
وعندما تصطدم هذه الطموحات بالواقع السياسى الصعب، تُفعّل الجماعة أداتها الأكثر تأثيرًا وهى صناعة «المظلومية التاريخية»؛ حيث يُعاد تفسير كل مواجهة أمنية أو خسارة سياسية بوصفها «ابتلاء» واضطهادًا ممنهجًا للدين فى شخص أصحابه، والضحية هنا لا تُقدم بوصفها طرفًا فى صراع، بل بوصفها «شهيدًا للكلمة»، وهو ما يمنح التنظيم قدرة فائقة على تماسك القواعد ومنع المراجعات الداخلية؛ ففى أجواء «المحنة»، يُعتبر السؤال خيانة والتردد ضعفًا فى العقيدة.
ولم يقف توظيف النقابات المهنية عند حدود الحضور الانتخابى أو الهيمنة الخدمية المحلية، بل امتد ليكون ركيزة أساسية فى شبكة عابرة للحدود، حوّلت العمل النقابى من إطاره المهنى الضيق إلى أداة جيوسياسية معقدة. ففى تجربة جماعة الإخوان، لم تكن اللجان النوعية داخل النقابات مجرد هياكل إدارية، بل استُخدمت كقنوات «دبلوماسية شعبية» موازية، تعمل تحت لافتات إنسانية براقة، بينما تؤدى فى العمق أدوارًا تتجاوز الإغاثة إلى بناء الروابط التنظيمية والفكرية فى مناطق الصراع والتوتر حول العالم.
ففى محراب نقابة الأطباء المصرية، برزت فكرة «لجان الإغاثة الإنسانية» كنموذج تطبيقى لهذا الاختراق؛ فبينما كان الظاهر استجابة نبيلة للكوارث والأزمات، تحولت هذه اللجان فى جوهرها إلى ممرات آمنة لجمع التبرعات خارج الأطر الرقابية الصارمة، وقنوات لإرسال كوادر منتقاة بعناية إلى بؤر ساخنة مثل أفغانستان وغيرها فى فترات زمنية معينة. ولم يكن هذا الأمر مجرد مداواة لجرحى، بل كان خلطًا متعمدًا بين «الإغاثى والدعوى»، وبين «الإنسانى والسياسى»؛ حيث يتم استثمار الأزمة الإنسانية لخلق نقاط تمركز فكرية، وربط القواعد المحلية بالشبكات الدولية للتنظيم، ليصبح الطبيب المسافر فى مهمة علاجية «سفيرًا تنظيميًا» مما يحول المهمة المهنية إلى تجربة «إعادة صياغة» فكرية تخدم استراتيجية التمدد الدولى للجماعة.
وبالتوازى مع هذا الامتداد الخارجى، كانت «المعسكرات التربوية» فى النقابات والجامعات تعمل كـ«مفاعلات كيميائية» لإعادة تشكيل الوعى الفردى والجمعى.
هذه المعسكرات، التى غالبًا ما كانت تُنظم على شواطئ أو بيئات منعزلة، وتحت عناوين تربوية أو ترفيهية، لم تكن فى حقيقتها لقاءات عابرة، بل كانت بيئة «مختبرية» مغلقة يُعاد فيها ترتيب أولويات الفرد، ويُختبر فيها مدى انضباطه وطاعته تحت ضغط العزلة عن المجتمع. ففى هذه الأجواء، تتلاشى الروابط الاجتماعية المعتادة، ليصبح الفرد مادة خام سهلة التشكيل؛ حيث تُقدم له رؤية أحادية للعالم تُبسط الصراعات المعقدة فى ثنائية «الحق والباطل»، وتمنحه شعورًا زائفًا بالاستعلاء الأخلاقى والتميز عن بقية المجتمع. ومن قلب هذه العزلة الممنهجة، تخرج «النواة الصلبة» الأكثر استعدادًا للانخراط العميق فى المهمات الصعبة، لتُزرع لاحقًا فى مفاصل مجالس النقابات وقيادات اتحادات طلبة الجامعات كعناصر محركة.
ومن هنا تظل المعادلة الحاكمة لهذا الصعود هى قدرة الأقلية المنظمة على هندسة التفاصيل الصغيرة؛ فى خدمة تُقدم فى قرية نائية، وفكرة تُزرع فى عقل طالب مغترب، وقصة تُروى عبر منبر أو شاشة. لذلك فإن السيطرة هنا لم تكن لغزًا، بل كانت نتيجة حتمية لاستخدام أدوات مادية ونفسية متكاملة، فى مجتمع كان يفتقر إلى التنظيم القوى الذى يحمى تنوعه ويمنع احتكار الحقيقة باسم السماء.







