حسام الغمرى
هندسة الأقنعة الزائفة
الإخوان الإرهابية: كيف وظّفت العمل الخدمى كغطاءٍ لمشروعها المسلح؟
لم تبدأ الحكاية بصوت الرصاص، ولا بوهج العبوات الناسفة، بل بدأت بصمتٍ مُخادع، بابتسامةٍ صفراء تُحسن إخفاء ما وراءها، وبسِمتٍ دينيٍّ مُحكم الصياغة، يُوحى بالسكينة فيما يُضمر مشروعًا خبيثًا.
بدأت بكلماتٍ رنّانة عن مجدٍ مفقود، وشريعةٍ مُغيَّبة، وأمةٍ تنتظر من يردّها إلى «نقائها الأول»، كلماتٌ تُشبه الحقيقة، لكنها تُخفى غرضًا مريضًا.
يدٌ تمتدُّ بمساعدةٍ لمحتاج.. لا لتُعين، بل لتُقيِّد.
درسٌ فى مسجد.. لا ليُعلِّم، بل ليُخضع الوعى ويُطوِّعه.
قافلةٌ طبية.. لا لتُداوى الجسد، بل لتفتح بابًا للولاء.
وكلمةٌ دافئة عن «إصلاح حال الأمة»، تُقال بحنانٍ مُصطنع، لكنها تُزرع فى أرضٍ يُعاد تشكيلها انتظارًا للحظة الحاسمة.
هكذا لم تدخل جماعة الإخوان الإرهابية إلى المجتمع من بوابة السياسة، بل تسلّلت إليه عبر شقوق الثقة، لا كتنظيمٍ يسعى إلى الحكم وفرض الهيمنة المؤدلجة، بل كـ«وجهٍ خدميٍّ دعويٍّ» مُتقن الحبكة، يبدو أقرب إلى الرحمة منه إلى الصراع، وأقرب إلى الخدمة منه إلى السيطرة.
لكن ما بدا وجهًا.. لم يكن إلا قناعًا.
وما بدا خدمة.. لم يكن إلا مدخلًا.
وما بدا دعوة.. كان فى عمقها بداية مشروعٍ خائن، مشروعٍ يُعيد ترتيب العلاقة بين الفرد والجماعة، تمهيدًا ليومٍ تُصبح فيه الطاعة العمياء أصلًا، والصدام مع الدولة قرارًا مؤجَّلًا.
وهنا تحديدًا تبدأ القصة الحقيقية، لا قصة ما فعلوه بالسلاح، بل كيف أُعيد تشكيل الإنسان حتى صار قادرًا على حمله دون أن يرى فى الدم الحرام جريمة.. بل واجب مقدس !!
لكن التاريخ- إذا أُحسن قراءته- يفضح أن ما بدا خدمةً لم تكن إلا مدخلًا مُخططًا لمشروعٍ مُركَّب، يبدأ بالاختراق الناعم، ولا يكتمل إلا حين يُترجم نفسه فى صورة ميلشيا مسلحة
القناع الأول: حين تُتَّخذ الدعوة مدخلًا للنفوذ
منذ اللحظة الأولى، أدرك مُدرِّس الخط حسن البنّا أن المجتمعات لا تُسرق بالقوة فى البداية، بل تُستدرج بالثقة.
فلم يتقدّم بخطاب الصراع، بل نسج بهدوء شبكةً مُحكمة من الخدمات: مدارس، مستوصفات، جمعيات، وحلقات علم، لم تكن عفوية، بل جرى تصميمها بعناية لتؤدى وظيفة أبعد من ظاهرها.
لم يكن ذلك عملًا خيريًا بريئًا كما بدا، بل كان- فى جوهره- آلية اختراق ناعمة، تُعيد توجيه بوصلة الولاء، وتنقلها تدريجيًا من الدولة إلى الجماعة.
فى هذا الطور، لا يُطرح الحكم بوصفه هدفًا، بل يُقدَّم «الدين» بوصفه مدخلًا وغاية!!
ولا يُذكر الصراع، بل يُستبدل بخطابٍ مُطمئن عن «الإصلاح»!!
لكن تحت هذا السطح الهادئ، كانت تُبنى قاعدة بشرية جديدة، لا ترى فى التنظيم مجرد مكون فى الدولة، بل بديل كامل عن المجتمع.
وهنا تقع لحظة التحوّل الأخطر: حين يُعاد تعريف الانتماء!!
من مواطنٍ ينتمى إلى وطن، إلى فردٍ يُعاد تشكيله لينتمى إلى جماعة سرية.
القناع الثاني: حين تتحوّل الخدمة الحياتية إلى ولاءٍ مطلق
ما إن تكتمل الحلقة، حتى يبدأ القناع فى التبدّل، لا بانكشافٍ صريح، بل بتحوّلٍ هادئ يكاد لا يُرى.
يتغيّر الخطاب دون أن يُعلن تغيّره، وتُستبدل المفاهيم دون أن يُصرَّح بذلك.
لم تعد الجماعة مجرد حلقات علمٍ تُقدِّم معرفة دينية منتقاة بغرض التوظيف الخبيث، أو وجباتٍ غذائية لطالبٍ جامعيٍّ غير مقتدر، بل غدت تنظيمًا سريا بأذرع خارجية أخطبوطية يُعيد تشكيل من يتلقّون خدماته.
ولم يعد الفرد مجرد مستمعٍ أو متلقٍّ، بل أُعيد تعريفه ليصبح «مِليشياويًّا» داخل بنيةٍ أوسع منه.
فى رسائل البنّا، تتجلّى بوضوح هندسة هذا التحوّل عبر المراحل الثلاث: التعريف، ثم التكوين، ثم التنفيذ.
وهى- فى حقيقتها- ليست خطةٍ دعوية، بل مسارٌ مُحكم يُنقَل فيه الإنسان من إيمان يبحث عنه، إلى الانضباط الصارم داخل التنظيم الإرهابى وفق مفهوم مدرس الخط عن الإسلام، ثم إلى الجاهزية الكاملة للتنفيذ.
هنا تكمن خطورة القناع الثانى، قناع الولاء المطلق للجماعة !!
«أمرٌ وطاعة» لم تكن مجرد صيغةٍ تنظيمية من مدرس الخط حسن البنا فى إحدى رسائله، بل كانت إعادة صياغةٍ عميقة للضمير ذاته.
لم يعد الفرد يفكّر بوصفه كيانًا مستقلًا، بل بوصفه جزءًا من “جسدٍ أكبر” يُفكّر نيابة عنه، ويُقرّر له، ويُحدّد له موقعه ووظيفته.
وفى هذه اللحظة تحديدًا، لا يكون العنف قرارًا مفاجئًا…
بل نتيجةً مُمهَّدة، لأن الإنسان الذى كان يرفضه يومًا، قد أُعيد تشكيله ليقبله دون مقاومة.
القناع الثالث: حين يصبح السلاح امتدادًا للخدمة
لم يكن التحوّل الأخطر قفزةً مفاجئة، ولا انحرافًا طارئًا، بل كان النتيجة المنطقية لمسارٍ بدأ من القناع الأول، وتكامل فى القناع الثانى، حتى بلغ لحظته الحاسمة.
فحين أُعيد تشكيل الوعى، وصيغ الضمير على قاعدة «الطاعة»، لم يعد السلاح غريبًا عن الفكرة، بل صار امتدادها الطبيعي.
فى تلك اللحظة، تُعلن الجماعة- بوضوحٍ كاشف- أن «القوة جزء من الإسلام»، وأنها «ستستخدم القوة العملية حيث لا يجدى غيرها» كما أخبرهم مؤسس جماعتهم، وبهذه الصياغة، لا يُقدَّم العنف كاستثناءٍ اضطرارى، بل يُعاد تعريفه بوصفه خيارًا مشروعًا، بل وضرورةً حين تكتمل شروطها.
وهنا يظهر «النظام الخاص» أو حركة «حسم» أو مؤسسة «ميدان»،
لا كحالة شاذة عن الجسد الإخوانى، بل كعضوٍ خفيٍّ فيه، يُعبّر عمّا عجز القناع عن قوله علنًا.
جهازٌ سريٌّ لم يكن انحرافًا عن الفكرة، بل ترجمةً عملية لها، حين تنتقل من حيّز الخطاب إلى حيّز الفعل.
تفجيرات، اغتيالات، عمليات نوعية !!
ازدواج الوجه الإخوانى: فلسفة القناع وآلية البقاء
يكمن سر بقاء هذا النموذج فى قدرته على العيش بوجهين، لا بوصفه تناقضًا، بل كاستراتيجية.
وجهٌ ظاهرٌ للمجتمع: خدميّ، دعويّ، إصلاحيّ، يستدعى الثقة ويطلب التعاطف.
ووجهٌ آخر يعمل فى الظل: تنظيميّ، مغلق، مُنضبط، ومُهيأ للصدام.
هذه الازدواجية ليست خللًا فى البناء، بل جزءٌ من هندسته.
فهى التى تسمح له بالتمدّد فى زمن السلم، دون أن يفقد جاهزيته لزمن المواجهة.
وهى التى تمنحه القدرة على تبديل الأقنعة وفق اللحظة، دون أن يبدّل جوهره.
وحين يُكشف أحد الوجهين، لا تنهار البنية، بل تعود إلى القناع الأول:
«نحن جماعة دعوية.. نحن مظلومون.. نحن لا علاقة لنا بالعنف»
لكن التاريخ- حين يُقرأ فى تسلسله لا فى لقطاته- يكشف نمطًًا لا يخطئ:
خدمة.. فعضوية تنظيم.. فطاعة عمياء .. فصدام مع المجتمع.
ما بعد 2013: لحظة انكشاف الأقنعة
بعد سقوط حكم الجماعة فى مصر، لم يعد للازدواج ضرورة، سقط القناع، أو بالأحرى، لم يعد هناك ما يستدعى ارتداءه.
خرجت الجماعة إلى العلن بخطابٍ صريح، وتبنت أجنحة منها العنف دون مواربة.
ظهرت تشكيلات مسلحة، وعمليات إرهابية، وخطاب يُعيد تعريف الدم الحرام بوصفه وسيلة، بل ويشرعنه بعلماءً مستأجرين!!
وكأن ما كان مستترًا لعقود، قد بلغ لحظة الإفصاح.
وكأن ما قُدِّم طويلًا كاحتمال، قد صار واقعًا.
وهنا يتأكد الدرس الأعمق:
أن العنف لم يكن طارئًا، بل كان مؤجّلًا، ينتظر اكتمال شروطه.
القضية- فى جوهرها- ليست فى بندقيةٍ تُرفع، بل فى فكرةٍ تُزرع، وخدمة حياتية تقدم !!
وحين تبدأ الجماعة بالخدمة، فهى لا تُقدّم بعض العون، بل تُنشئ ولاء.
وحين تنتقل إلى التنظيم، فهى لا تُرتّب الصفوف فقط، بل تُعيد تشكيل الإنسان.
وحين تصل إلى السلاح، فهى لا تنحرف عن مسارها، بل تُتمّه.
لهذا، فإن اختزال الإخوان فى كونهم “جمعية دعوية انحرفت” هو تبسيطٌ مخلّ.
الأدق أنها مشروعٌ متعدد المراحل، يبدأ ناعمًا فى ظاهره، خشنًا فى مآله.
وفى عالمٍ لم تعد فيه الحروب تُخاض بالسلاح وحده، بل بالعقول والوعى،
لا يعود السؤال الأهم: متى حملت الجماعة السلاح؟
بل السؤال الأعمق- والأخطر:
كيف صُنِع الإنسان الذى لم يعد يرى فى حمله خيارًا، بل واجب مقدس؟
وهنا تكتمل دائرة النار والخطر:
فما بدأ خدمةً إخوانية، لم يكن يومًا بريئًا، بل كان السلاح فى صورته الأولى.







