الإخوان المدرسة التى خرجت منها كل تيارات التطرف
رشدى الدقن
المتابع والمدقق لتاريخ جماعات الإرهاب والعنف فى مصر والتى يطلق عليها البعض من باب التدليل الجماعات الإسلامية أو الإسلام السياسى، خرجت كلها من رحم جماعة الإخوان الإرهابية.. وسيكتشف بسهولة أن مراحل الكمون والهدوء والطاعة وأدب القرود والمظلومية لا تستمر للأبد.. فقط هى تتحين الفرصة للخروج وممارسة أبشع أنواع الإرهاب ضد الشعب قبل الجيش والشرطة...هكذا يقول لنا تاريخ هذه الجماعات.
الحركات التكفيرية الإرهابية والتى ارتكبت الكثير من العنف والقتل مثل «التكفير والهجرة».. «الفنية العسكرية».. «الشوقيون».. «الجهاد» وغيرها هى التطور الطبيعى لجماعة الإخوان، ومستقبل هذه الجماعات كان محتوما وهو الانهيار، كما هو مصير تنظيم الإخوان نفسه... ولكن للأسف بعد أن ارتكب جرائم فى حق الناس والوطن لا يمكن أن تنسى.
تنظيم التكفير والهجرة
يأتى تنظيم التكفير والهجرة كواحدٍ من التنظيمات المهمة التى ارتبطت بجماعة الإخوان وتنفيذ مخططاتها الإرهابية، حيث نشأ منتصف الستينيات على يد الشيخ على إسماعيل، وانتهج نهج الخوارج فى التكفير بالمعصية، وعلى الرغم من نشأة فكرة هذا التنظيم داخل السجون المصرية فى بادئ الأمر، إلا أنه بعد إطلاق سراح أفراد التنظيم تبلورت أفكاره، وكثر أتباعه فى صعيد مصر، وبشكل خاص بين طلاب الجامعات.
ورغم أن الشيخ على إسماعيل، يُعد أول أمير لجماعة التكفير والهجرة، وهو أزهرى سُجن مع الإخوان المسلمين فى الستينيات، إلا أن القائد الأبرز للتنظيم فيما بعد هو الإرهابى «شكرى مصطفى».
شكرى مصطفى أفرج عنه بعفو من الرئيس السادات، قبل القرار الخطير بعدة سنوات كان شكرى مصطفى قد تم القبض عليه فى سنة 1965 ضمن تنظيم الإخوان الجديد الذى يقوده سيد قطب، وقتها كان شابًا صغيرًا.. لا يزال فى السنة الثالثة فى كلية الزراعة ومن الشباب الذين جذبتهم نشاطات الإخوان السرية الذين انضموا لحلقات تنظيم 65.. وسنلاحظ فيما بعد أن الإخوان كانوا من أشد المروجين والناشرين لأفكار شكرى مصطفى الذى كان ضحية لفكر التكفير وليس منشئا له، وبالتأكيد فإن محاولة الإخوان تضخيم دور شكرى مصطفى كان الهدف الرئيسى منها تغطية على الدور السلبى التكفيرى لأفكار سيد قطب، الذى بدل معالجة أخطائه بتنقيح كتبه وإزالة المواضع المبهمة فيها على الأقل، بقى الإصرار على طبعها كما هى برغم ما تولد عن ذلك من نتائج سلبية عبر السنوات الطويلة!
شكرى مصطفى خرج من السجن عام 1971، لا تشغله إلا فكرة واحدة هى تطبيق.. تكفير الحاكم والمجتمع.. فهذا هو ما تعلمه من سيد قطب وقيادات الإخوان داخل السجون...كانت هذه هى البداية الفعلية لتنظيم «التكفير والهجرة» والذى خطط لإقامة الدولة الإسلامية، بعد أن تخرج جيوشه من منطقة الشعاب والجبال لتطهر العالم من الفساد والكفر.
انتشر التنظيم فى عدة محافظات أبرزها المنيا وأسيوط، وتدربوا على الأعمال العسكرية فى منطقة جبلية بالبر الغربى لمحافظة المنيا، وتم كشفهم بالصدفة البحتة عن طريق أحد الخفراء السريين عندما حاولوا قتله أثناء مروره مصادفة فى المنطقة، كان ذلك فى العام 1974.. وتم القبض على التنظيم.
وفى فجر 4 يوليو 1977 ذهبت مجموعة من الشباب فى سيارتين «مازدا وفيات» إلى منزل الشيخ الذهبى بحلوان، وادعوا أنهم من مباحث أمن الدولة، وقاموا باصطحاب الشيخ الذهبى «رحمه الله» فى إحدى السيارتين بزعم أنه مطلوب التحقيق معه، وتعطلت السيارة الأخرى ووقف السائق يبدل إطارا لها.. طريقة التنفيذ أثارت شكوك أسرة الوزير السابق، مما جعلهم يستغيثون بالأهالى، وتمكن المختطفون من وضعه فى سيارة والإسراع بها، وتمكن الأهالى من القبض على قائد السيارة الثانية وسلموه لرجال مباحث أمن الدولة عند وصولهم إلى مكان الحادث.
تم تشكيل مجموعة عمل من عشرين ضابطًا، لسرعة الوصول إلى مكان احتجاز الشيخ الذهبى وكشف غموض الحادث وتصفية التنظيم الذى أعد لهذه العملية.. فيما أعلن المختطفون مطالبهم عبر وكالات الأنباء العالمية والتى تنحصر فى الإفراج عن جميع المضبوطين من أعضاء الجماعة، مع دفع مبلغ مئة وخمسين ألف جنيه للجماعة، تعويضًا عما أصابها من أضرار بسبب الإجراءات الأمنية السابق اتخاذها حيالهم، مع اعتبار القضايا السابق اتهام أعضائها بها كأن لم تكن.. ونشر كتاب شكرى مصطفى على حلقات فى الصحف... ووقتها أبدى عثمان أحمد عثمان استعداده لدفع المبلغ..فيما أصدرت الشرطة بيانا قالت فيه إن المطلوب الإفراج عنهم تحت سلطة القضاء والتحقيقات وأنها لاتملك الإفراج عنهم.
وتوصلت الأجهزة إلى معلومة عن حلقة الاتصال بين شكرى مصطفى وباقى أعضاء الجماعة فوضعت خطة لمراقبته بدقة شديدة طوال 24 ساعة، وأسفرت مراقبته عن تردده على بعض المواقع أحدهما بشارع الملك فيصل، بجوار المسجد الذى كان يخطب فيه الشيخ عبدالحميد كشك، وعند مداهمته وجد ما يدل على وجود شكرى مصطفى فى المقر قبل اقتحامه بيوم، حيث عثر على عدد من صحيفة الأهرام، وعلى خطاب أعده شكرى مصطفى ليرسله لبعض عناصر التنظيم بتعليمات تخص تحركهم المطلوب الإعداد له.
وتمكنت قوات الأمن من ضبط أحد عناصر التنظيم بناحية الهرم، وأثناء ضبطه حاول ابتلاع ورقة تمكن الضابط من استخراجها من فمه بالقوة، وتبين أنه مكتوب عليها الآتى: إلى أبومصعب عليكم نقل الخضار فى عربة يد، بعد أن تضعوا فيه كمية وافرة من النشادر، وأن تتوجهوا به إلى ترعة المريوطية وتلقوه بها، التوقيع أبوسعد.
وبعد أربع ساعات من التحقيقات مع بعض المقبوض عليهم اعترفوا بوجود الشيخ الذهبى فى شقة بأحد الشوارع الجانبية بشارع الهرم، على الفور قامت قوات الشرطة بمداهمة المكان، وعثرت على جثة الشيخ الذهبى ملقاة على أحد الأسرة مصابًا بطلق نارى فى عينه اليسرى، أصابت المخ وتسببت فى الوفاة مباشرة فى الساعة 10 من مساء 5 يوليو 1977.
تنظيم الفنية العسكرية
«صالح سرية» قائد عملية الفنية العسكرية هو الآخر خريج مدرسة الإخوان وكانت «زينب الغزالى هى أول من استقبله ورحب به وسهل له مهمته.. فى يوم 18/4/1974 قام عدد من الإرهابيين الصغار وبعض طلاب الكلية الفنية العسكرية بالهجوم على حراس بوابة الكلية وحراس مستودع الأسلحة من أجل السيطرة على الكلية والاستيلاء على الأسلحة الموجودة فيها لمهاجمة مقر اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى واحتجاز الرئيس الأسبق محمد أنور السادات وإجباره على التنازل عن الحكم وإعلان قيام حكم إسلامى فى مصر!
الهجوم الإرهابى أسفر عن مصرع 11 شخصا وإصابة 27 آخرين.. ولم يتمكن الإرهابيون من السيطرة على الكلية، وفشلت العملية.. لكنها جرّت مصر ودولا عربية أخرى لمسار من دوامة العنف والتطرف والتكفير لم يتوقف إلى اليوم!
العملية الفاشلة جاءت ولم يمضِ 6 شهور على انتصار السادات فى معركة العبور العظيم، وسنتان على الإفراج عن آلاف المساجين الإسلاميين من السجون، وقام من يطلقون على أنفسهم «إسلاميين» بمحاولة انقلاب على السادات، الذى أطلق على عهده دولة العلم والإيمان!!
قائد التنظيم الإرهابى الذى خطط ونفذ عملية الفنية العسكرية هو الفلسطينى «صالح سرية».. والذى يعد شخصية مركزية فى جماعات العنف والتطرف المصرية بشكل خاص، والعابرة للقارات بشكل عام، فهو أول من أسس تنظيما ذا خلفية إسلامية للاستيلاء على السلطة بالقوة العسكرية، مما جرف خلفه الكثير من الشباب والطاقات لمسار مدمّر ومهلك دون ثمرة، ولم يتبين ذلك لأغلبهم إلا بعد سنوات طويلة فى غياهب السجون كقادة الجماعة الإسلامية وبعض قادة جماعة الجهاد.
بحسب رواية صالح سرية نفسه، فإنه كان عضوا بجماعة الإخوان منذ إقامته فى العراق وعندما وصل مصر سنة 1971، كانت بداية تواصله مع الإخوان من خلال زينب الغزالى التى زارها عدة مرات وأقام فى منزلها فترة طويلة هو وزوجته.. وتدارس معها حال الإخوان وأنه لا يصلح النهج السلمى الذى يسيرون عليه، وأنه لا بد من استعمال القوة للوصول لتطبيق الإسلام! فوافقته زينب على ذلك ولكن أخبرته بضرورة مراجعة المرشد حسن الهضيبى بأى شأنٍ يخصّ الإخوان، ورتّبت له مقابلة مع المرشد بناء على طلب سرية، وفى اللقاء أخبره سرية بسوء أوضاع الإخوان فى مصر والخارج وضرورة إعادة تنظيم صفوفهم ليتمكنوا من الاستيلاء على السلطة وإقامة الدولة الإسلامية! وتكررت اللقاءات وتكرر عرض سرية حتى تم تكوين تنظيمه الخاص.
استطاع صالح سرية عن طريق زينب الغزالى التعرف على بعض الشباب الصغار من أعضاء جماعة الإخوان، بالإسكندرية على رأسهم «طلال الأنصارى» طالب بكلية الطب الذى كان يرأس مجموعة من الطلبة تربّت على أفكار سيد قطب العنيفة والتى تكفر المجتمع.. وبات الأنصارى أحد أهم معاونى سرية.. وفى اعترافات لاحقة قال إن مرشد الجماعة «الهضيبى» قال لصالح سرية عندما عرض عليه خطة الفنية العسكرية «اتكلوا على الله إن وفقكم الله فنحن معكم وإن لم تنجحوا فإننا لا نعرفكم».
أول من أسس تنظيم الجهاد شاب اسمه نبيل برعى عضو جماعة الإخوان وسجن معهم بعض الوقت وعندما خرج أعلن اللعبة المكشوفة المتكررة «الانشقاق على الجماعة».
الجماعة الإسلامية
وفى وقت كانت الجماعة الإسلامية تنتشر فى الجامعات المصرية، كان تنظيم الجهاد الإسلامى يتلقى دفعة قوية على يد محمد عبدالسلام فرج، وهو خريج كلية الهندسة الذى تبنى وجهة نظر ترى أن تطبيق بعض المبادئ الأساسية التى يقوم عليها نظام الحكم فى الدولة أدى إلى انتشار الفساد والإفساد فى المجتمع وابتعاده عن تطبيق شرع الله.
وفى إحدى المرات وأثناء تردده على مسجد الفتح ببلدة ناهيا فى محافظة الجيزة، تعرف على الطالب بكلية الزراعة، طارق عبدالموجود الزمر، اقتنع طارق الزمر بأفكار فرج وأصبح من رجال تنظيمه، وسمح لأستاذه بالتردد على منزله، وفى إحدى هذه المرات، كان زوج شقيقة طارق وابن عمه، عبود الزمر موجودا، وهو المقدم بالجيش، الذى كان اقتنع بدوره بضرورة الجهاد المسلح، لذلك لم يكن من الصعب تقبله لأفكار فرج، واتفق الثلاثة فرج وطارق وعبود الزمر على تأسيس تنظيم الجهاد.
بعد فترة علم فرج أن أحد قادة الجماعة الإسلامية فى محافظة المنيا، ويدعى كرم زهدى، هرب من الصعيد إلى القاهرة بعد تفجر حوادث الفتنة الطائفية هناك بسبب نشاطات الجماعة، فأسرع إليه فى مخبئه، وعرض عليه فكرة إقامة الدولة الإسلامية عن طريق الثورة الشعبية، وأنه فى سبيل تأسيس تنظيم سرى ذى طابع عسكرى، وهو ما استقبله زهدى بترحاب، عارضا عليه المشاركة فى تأسيس التنظيم الجديد فى مختلف المحافظات المصرية... وما إن هدأت الأجواء فى المنيا، حتى سافر كرم زهدى إلى هناك، وعرض فكرة التنظيم السرى الجديد على قيادات الجماعة، وفى مقدمتهم ناجح إبراهيم وعاصم عبدالماجد ومحمد عصام دربالة، والغرض من تأسيسه، وهو ما لاقى استحسان الجميع ووافقوا على الفور وأعلنوا مشاركتهم فى عملية التأسيس.
كلف فرج عبود الزمر- بما له من تدريب عسكرى- على وضع الخطط لتمكين التنظيم من الوصول إلى الحكم، ووضع الزمر خطته التى تتضمن السيطرة على عدة أهداف حيوية أبرزها مبانى وزارة الدفاع، والإذاعة والتليفزيون، ووزارة الداخلية، وقيادة الأمن المركزى، وإرباك القيادة السياسية وإفقادها السيطرة على الدولة عبر اغتيال عدة شخصيات بارزة، مثل وزراء الخارجية والداخلية والدفاع، فضلا عن اغتيال بعض الشخصيات الوطنية التى يمكن لها أن تركب حراك التنظيم مثل خالد محيى الدين، علاوة على شل شبكة المواصلات فى القاهرة الكبرى، والعمل على إخراج تظاهرات فى الشوارع تأييدا لما أطلقوا عليه الثورة الإسلامية، مع إذاعة بيانات عبر الإذاعة والتليفزيون، واستخدامها فى بث بيانات كاذبة عن حدوث انشقاقات فى الجيش لصالح الثورة الإسلامية، على أن يتم عقب السيطرة على البلاد اختيار مجلس شورى من علماء المسلمين لإدارة البلاد.
وقبل العرض العسكرى فى 6 أكتوبر.. تم تكليف أحد أعضاء التنظيم من العسكريين وهو الملازم خالد الإسلامبولى بالمشاركة فى العرض العسكرى الذى سيحضره الرئيس السادات، وهنا بادر خالد بالالتقاء بمحمد عبدالسلام فرج الذى وفر لخالد الأسلحة و3 أعضاء عسكريين من التنظيم، أدخلهم خالد بدلًا من جنوده فى السرية الذين منحهم إجازة، وزوّد رفاقه بكتاب مزور بالتحاقهم بالعرض.. ثم أدخل خالد الذخيرة والقنابل فى حقيبة يد دون تفتيش لساحة العرض.. وكانت عملية الاغتيال الأشهر فى تاريخ مصر.







