واشنطن وإيران تتأرجحان بين تهدئة غير مكتملة وتصعيد غير محسوم
مفاوضات تحــت النـار
آلاء شوقى
رغم الحديث عن جولة مرتقبة من المفاوضات بين «الولايات المتحدة»، و«إيران»، لا تزال مخاوف عودة التصعيد قائمة، ما يثير قلقًا واسعًا من احتمال انزلاق الأوضاع نحو مواجهة مفتوحة. وبالتزامن مع ما أفاد به إعلام أمريكى وباكستانى عن عودة قريبة لفرق التفاوض إلى «إسلام آباد» خلال أيام، كشفت تقارير إعلامية إسرائيلية عن استعدادات متقدمة داخل إسرائيل تحسبًا لاحتمال استئناف القتال، عقب انهيار الجولة الأخيرة من مفاوضات «باكستان».
فى المقابل، دخل الحصار البحرى الذى تفرضه «واشنطن» على «طهران» حيز التنفيذ الأسبوع الماضى، عبر فرض قيود على الملاحة فى مضيق «هرمز»، ما رفع مستوى التوتر، وهدد حركة التجارة العالمية.
وتأتى هذه المخاوف فى ظل استمرار الخلافات الجوهرية بين الطرفين، حيث تطالب «واشنطن» بوقف تخصيب اليورانيوم الإيرانى، وتفكيك المنشآت النووية؛ بينما تتمسك «طهران» بحقها فى التخصيب، وترفع سقف مطالبها برفع العقوبات، والحصول على ضمانات أمنية؛ فيما يظل ملف مضيق «هرمز» نقطة خلاف حادة.
وفى خضم هذه التطورات المتسارعة، يبقى المشهد مفتوحًا على عدة سيناريوهات، تتراوح بين استئناف الحوار، أو الانزلاق نحو تصعيد عسكرى، وسط محاولات مستمرة لتحقيق توازن دقيق بين الضغوط السياسية والتحركات الميدانية.
حرب استنزاف متعددة الجبهات
قال السفير «خالد عمارة» رئيس مكتب رعاية المصالح المصرية فى طهران الأسبق، ومساعد وزير الخارجية المصرى سابقًا، فى –تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- إن المشهد الحالى جزء من حرب استنزافية لها مراحل متعددة؛ موضحًا أن الحرب كانت متعددة الجبهات، ومتسعة النطاق، فى ظل وجود عدة جبهات ساخنة، وهو ما أدى إلى إنهاك أطرافها، ودفعها نحو الرغبة فى التهدئة.
كما أكد أن «إيران» لا تزال فى مرحلة الدفاع عن النفس؛ مشيرًا إلى قدرتها على استيعاب الضربات بفضل حالة الوحدة الوطنية الداخلية؛ موضحًا أنها تخوض الصراع وفق مفهوم الحرب غير المتناظرة طويلة المدى.
ثم أشار إلى وجود العديد من الحسابات الخاطئة فى هذه الحرب، لا سيما من الجانب الأمريكي؛ مؤكدًا أن الحرب لم تكن ضرورية للولايات المتحدة فى هذا التوقيت، إلا أن الإدارة الأمريكية اعتبرتها جزءًا من مساعى الهيمنة على العالم، فى ظل شعور «واشنطن» بنشوة الانتصار عقب عملية «فنزويلا».
وأضاف أن هذا التوجه انعكس فى تصريح الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» فى بداية الحرب، عندما وصفها بأنها «مجرد رحلة»؛ مؤكدًا أن مجريات الأحداث جاءت على عكس ذلك تمامًا.
واعتبر «عمارة» أن استمرار الحرب دون تحقيق نتائج واضحة، أو وجود أفق سياسى، لن يكون ذا جدوى لأى طرف، خاصة إسرائيل؛ موضحًا أن الأخيرة لن تتمكن من مواصلة العمليات العسكرية، أو شن هجمات على «لبنان»، أو غيره دون دعم عسكرى أمريكي.
ورأى –أيضًا- أنه مع انعكاس تداعيات الحرب على الداخل الأمريكى، بالتزامن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفى فى نوفمبر المقبل، قد تتجه «واشنطن» إلى رفع يدها عن هذه المعركة، مع السعى -فى الوقت ذاته- إلى الترويج بأنها الطرف المنتصر الذى ألحق الهزيمة بإيران.
ثم أشار إلى احتمال أن ترك «الولايات المتحدة»، إسرائيل فى مواجهة تداعيات الموقف؛ مؤكدًا أن هذا السيناريو يظل مرتبطًا باعتبارات اقتصاديات الحرب، فى ظل ارتفاع تكاليفها بشكل كبير على «الولايات المتحدة» سياسيًا، واقتصاديًا، وماليًا؛ فضلًا عن تأثيرها السلبى على صورة «واشنطن» عالميًا، والتى باتت عاجزة عن تحقيق أهدافها أمام دولة إقليمية.
كما أعرب عن توقعاته بعودة المسار الدبلوماسى، ولكن بصيغة مختلفة عن الوضع الراهن؛ مرجحًا تدخل «الصين، وروسيا» كوسطاء، خاصة فى ظل الحصار البحرى الذى فرضته «الولايات المتحدة» على مضيق «هرمز»، بما يضع «بكين»، و«واشنطن» فى مواجهة مباشرة لا ترغب فيها القوتان؛ مشيرًا إلى تصريحات «بكين» الأخيرة التى دعت إلى ضرورة التهدئة، وخفض التصعيد، واللجوء إلى الحلول الدبلوماسية السلمية.
وفى هذا السياق، أوضح أن «إيران» تمتلك حدودًا مع 15 دولة، بما يمنحها بدائل للتعامل والتكيف؛ مؤكدًا أن حصار «هرمز» لا يمثل عامل حسم بالنسبة لها.
وفى النهاية، أكد «عمارة» أن تداعيات الحرب ستمتد إلى العالم بأسره سواء استمرت العمليات، أو تم التوصل إلى هدنة؛ موضحًا أن إنهاءها ليس بالأمر اليسير، إذ قد تتوقف المواجهات العسكرية، بينما تستمر أشكال أخرى من الصراع مثل: الحرب الاقتصادية، أو السيبرانية، أو غيرها؛ مضيفًا أن الجميع بات يدرك أن «الولايات المتحدة» تورطت فى حرب لم تكن فى حاجة إليها.
التصعيد سيد الموقف
أكد دكتور «أحمد لاشين» أستاذ الدراسات الإيرانية -فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- أن مسار التفاوض بين «واشنطن»، و«طهران» يقوم على معادلة متناقضة تجمع بين تصعيد عسكرى متزايد، واستمرار الحديث -فى الوقت ذاته- عن فرص دبلوماسية مفتوحة؛ موضحًا أن «الولايات المتحدة» تمارس ضغوطًا اقتصادية منذ سنوات، وعسكرية منذ حرب الـ12 يوما، وحرب الـ40 يوما، وصولًا إلى الحصار البحرى لمضيق «هرمز»، وذلك بهدف الوصول إلى حلول سياسية ودبلوماسية تتماشى مع الرؤية الأمريكية، وهو ما يتعارض مع التوجهات الإيرانية.
وأضاف أن «إيران» ترى –فى المقابل– أن الملفات الرئيسية المطروحة على طاولة التفاوض غير قابلة للتنازل، وعلى رأسها مضيق «هرمز»، حيث تعتبر «طهران» أن لها حقوقًا فى حماية هذا المضيق باعتباره حدودًا بحرية، فضلًا عن كونه نقطة ضغط مؤثرة على الاقتصاد العالمي؛ معتبرًا أن «إيران» لن تتراجع عن هذا الملف، خاصة أنه يمثل جزءًا من الخطاب السياسى الداخلي.
وأوضح أن الملف الثانى، والذى وصفه بـالأخطر، يتمثل فى القدرات النووية الإيرانية، أو ما يعرف بتخصيب اليورانيوم؛ مؤكدًا أنه رغم وجود مساحة نسبية للتفاوض لدى «طهران» ضمن خطوط حمراء محددة، فإنها لن تتنازل عن هذا الملف أيضًا.
ثم أضاف أنه، إذا كان هناك هامش محدود للنقاش حول اليورانيوم عالى التخصيب، فإن «طهران» لن تقبل مطلقًا التفاوض بشأن النسبة السلمية لتخصيب اليورانيوم، باعتبار هذا الملف جزءًا من التكوين القومى للنظام الإيرانى، وأحد مظاهر إثبات السيادة الوطنية داخليًا.
وعليه، رأى «لاشين» أن الفجوة بين الجانبين تمثل قضية يصعب التوفيق بينها خلال المرحلة المقبلة، خاصة فى ظل فشل الجولة الأولى من المفاوضات فى «إسلام آباد»؛ موضحًا أن «واشنطن» تنطلق من رؤية مفادها أنها ألحقت هزيمة عسكرية بطهران، بما يجبر الأخيرة على الانصياع للأوامر الأمريكية.
وأكد أن «إيران» –فى المقابل- ترى نفسها محققة لعدة انتصارات، من بينها توسيع نفوذها إقليميًا، وإعادة التواصل مع أذرعها فى المنطقة، سواء (حزب الله) فى «لبنان»، أو (الحوثيين) فى «اليمن»، فضلًا عن قدرتها على الإضرار بالمصالح الاقتصادية العالمية.
وفى هذا السياق، قال «لاشين» إنه فى الوقت الذى تسعى فيه «الولايات المتحدة» إلى فرض سيطرة عسكرية أو اقتصادية على «إيران»، أو فرض رؤية سياسية محددة عليها، فإن «طهران» ردت بشكل مباشر عبر تأكيد قدرتها على إثارة الفوضى فى الإقليم والعالم.
ثم تطرق إلى الجانب الإسرائيلى الذى أكد أنه حاضر فى خلفية مشهد المفاوضات بشكل دائم، سعيًا لعرقلته؛ مضيفًا أنه إذا لم يتمكن الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» من السيطرة على طموحات رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتنياهو» ورغبته فى توسيع النفوذ الإقليمى، فإن أى محاولات للتهدئة أو التفاوض مرشحة للفشل، لا سيما أن الجانب الإسرائيلى غير راغب فى الوصول إلى حل، لعدم تحقيق أهدافه تجاه «إيران».
وفيما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، رجح «لاشين» أن تتجه الأوضاع نحو مزيد من التصعيد، وليس التهدئة، رغم تأكيدات «إيران» بأنها لا تسعى إلى تفاقم الأزمة.. وأرجع ذلك إلى أن الجانب الأمريكى –وفق رؤيته– لا يقبل إلا برؤية الطرف الإيرانى خاضعًا لإرادته.
وعليه، أكد أن التصعيد سيظل سيد الموقف، فى ظل صعوبة اتخاذ إجراءات تفاوضية حقيقية مع وجود اشتراطات يصفها بـ المجحفة من الطرفين، إلى جانب التهديد العسكرى والحصار الاقتصادي؛ مضيفا أن السياسة الأمريكية تعتمد على مبدأ «الضغط الأقصى»، اعتقادًا بأنها ستدفع «إيران» إلى التنازل فى مرحلة ما؛ فى حين يرى أن الجانب الإيرانى لن يقدم أية تنازلات جوهرية، لأنه يعتبرها هزيمة أمام ذاته، وشعبه، وتاريخه، وهى الرؤية التى تحكم الذهنية السياسية الإيرانية.
وأكد أنه فى حال استئناف المفاوضات، فمن المرجح أن تتركز فقط حول الملف النووي؛ بينما سيظل ملف «هرمز» بؤرة توتر مشتعلة بين الجانبين، فى ظل الحصار الأمريكى الذى لا ينعكس على «إيران» وحدها، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمى، وهو ما تعول عليه «طهران» –حسب رؤيته-، رغم تضررها منها، اعتقادًا منها أن ذلك سيدفع المجتمع الدولى للضغط على «ترامب» من أجل التراجع عن مواقفه، مستندة فى ذلك إلى الموقف الأوروبى، وموقف حلف (الناتو) الرافض للمشاركة فى تلك الحرب.
واختتم «لاشين» حديثه معربًا عن اعتقاده بأن «ترامب» سيظل فى هذه الأزمة منفردًا، إلى جانب إسرائيل.
فى النهاية، يبدو أن المشهد بين «الولايات المتحدة» و«إيران» لا يزال متأرجحًا بين مسارين متناقضين التصعيد،والانفراج.. ففى وقت تواصل فيه الأطراف استعراض القوة ميدانيًا واستراتيجيًا، تبقى قنوات التفاوض مفتوحة ولكن بشروط معقدة يصعب التوفيق بينها.
ومع اتساع نطاق التأثيرات لتشمل الاقتصاد العالمى وأمن الطاقة، تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التعقيد، سواء عبر جولات تفاوض محدودة، أو موجات تصعيد جديدة.
وفى جميع الأحوال، فإن ما يجرى يمثل اختبارًا مفتوحًا وتوازنات إقليمية ودولية، ربما قد تعيد تشكيل المشهد الإقليمى والعالمى خلال المرحلة المقبلة.







