لقطة تحكيمية تعيد طرح الأسئلة المؤجلة
خلاف الأهلى واتحاد الكرة يكشف أزمات إدارة الكرة المصرية
محمد عادل حسنى
لم تكن أزمة مباراة الأهلى وسيراميكا كليوباترا مجرد واقعة تحكيمية عابرة يمكن احتواؤها داخل تسعين دقيقة من اللعب، وإنما جاءت كاشفة لحالة أعمق تعيشها الكرة المصرية منذ سنوات، حيث تراكمت الأزمات الصغيرة حتى تحولت إلى حالة من الشك العام بين الأندية واتحاد الكرة، وبين الجماهير والمنظومة الكروية.
ولذلك فإن ما جرى بعد قرار الحكم محمود وفا بعدم احتساب ركلة جزاء للأهلى لم يكن السبب الحقيقى للأزمة، بقدر ما كان الشرارة التى أعادت فتح ملف كبير ظل مؤجلًا لفترات طويلة، وهو ملف الثقة والشفافية بين الأندية واتحاد الكرة.
غياب الثقة
وبالنظر إلى رد فعل النادى الأهلى، نجد أنه لم يتعامل مع الواقعة باعتبارها خطأ تحكيميًا يمكن تجاوزه، وإنما تعامل معها كجزء من نمط متكرر، ولذلك طالب بالاطلاع على تسجيلات غرفة تقنية الفيديو، وهو طلب يحمل فى ظاهره رغبة فى معرفة الحقيقة، ولكنه فى مضمونه يعكس غياب الثقة فى القرارات المعلنة، أو فى آليات اتخاذ القرار داخل المنظومة التحكيمية، ومن هنا بدأ الصدام مع اتحاد الكرة، الذى رأى أن هذا الطلب يتجاوز حدود اللوائح.
وأنه لا يمكن فتح هذا الباب دون ضوابط واضحة، لأن ذلك قد يؤدى إلى فوضى فى التعامل مع كل حالة تحكيمية مستقبلًا.
وبين هذا وذاك تحولت الأزمة إلى حالة من التوتر، حيث شعر كل طرف أنه يدافع عن حقه، بينما فى الحقيقة كان كل طرف يتحرك داخل مساحة رمادية غير محددة المعالم، فلا توجد لوائح واضحة تنظم حق الأندية فى الاطلاع على تفاصيل عمل تقنية الفيديو، ولا توجد أيضًا سياسة معلنة للاتحاد تشرح حدود الشفافية الممكنة. وبالتالى أصبح الخلاف حتميًا لأن كل طرف يفسر الموقف وفق رؤيته الخاصة، وهو ما أدى إلى تصعيد، لم يكن من الضرورى أن يصل إلى هذا الحد لو كانت القواعد واضحة منذ البداية.
منظومة التحكيم
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن السياق العام الذى تعيشه الكرة المصرية، حيث تعانى منظومة التحكيم من ضغوط كبيرة بسبب كثرة المباريات، وارتفاع حدة المنافسة الجماهيرية والإعلامية، وهو ما يجعل أى قرار مثير للجدل يتحول سريعًا إلى قضية رأى عام، خاصة عندما يتعلق الأمر بأندية جماهيرية بحجم الأهلى والزمالك، لأن هذه الأندية لا تمثل فقط فرقًا رياضية، وإنما تمثل قواعد جماهيرية ضخمة تضغط بشكل مباشر وغير مباشر على كل تفاصيل اللعبة، وهو ما يزيد من حساسية أى قرار تحكيمي.
وفى هذا الإطار، فإن أزمة الأهلى مع اتحاد الكرة لا يمكن اعتبارها أزمة طرفين فقط، بل هى انعكاس لعلاقة معقدة بين الأندية الكبرى والجهة المنظمة للمسابقة، حيث يشعر كل طرف أحيانًا أن الآخر لا يمنحه التقدير الكافى أو لا يضع مصالحه فى الاعتبار، وفى المقابل يرى اتحاد الكرة أنه مطالب بإدارة منظومة كاملة وليس الاستجابة لضغوط نادٍ بعينه حتى لو كان بحجم الأهلى، ولذلك فإن التوازن بين هذه المعادلة يظل صعبًا فى ظل غياب آليات واضحة للحوار المستمر بينهم.
وإذا انتقلنا إلى تأثير هذه الأزمة على شكل المنافسة، نجد أنها لا تتوقف عند حدود مباراة واحدة، بل تمتد لتؤثر على مناخ الدورى بالكامل، لأن الشعور بغياب الشفافية يؤدى إلى توتر بين الأندية، ويجعل كل قرار تحكيمى محل شك، وهو ما ينعكس على أداء اللاعبين داخل الملعب وعلى طريقة تعامل الأجهزة الفنية مع المباريات، حيث يتحول التركيز من الجوانب الفنية إلى محاولة تفادى الأخطاء التحكيمية أو الاعتراض عليها، وهو ما يقلل من جودة المسابقة بشكل عام.
كما أن استمرار مثل هذه الأزمات يضع اتحاد الكرة فى موقف صعب، لأنه يصبح مطالبًا بإدارة الأزمات بدلًا من إدارة التطوير، وهو ما يؤثر بشكل غير مباشر على خطط تحسين المسابقة أو تطوير البنية التحتية أو دعم المنتخبات الوطنية، لأن جزءًا كبيرًا من الجهد والوقت يضيع فى التعامل مع أزمات متكررة كان من الممكن تجنبها عبر آليات واضحة وثابتة.
المنظومة الكروية
ومن هنا تظهر أهمية النظر إلى هذه الأزمة كفرصة، وليس فقط كمشكلة لأن اللحظات التى ينكشف فيها الخلل تكون هى الأنسب لإعادة البناء بشرط وجود إرادة حقيقية للتصحيح، وهذه الإرادة يجب أن تبدأ من الاعتراف بأن المشكلة ليست فى خطأ تحكيمى بعينه وإنما فى طريقة إدارة المنظومة الكروية، لأن التكنولوجيا وحدها لا تكفى لضمان العدالة إذا لم تكن هناك قواعد واضحة تحكم استخدامها، وإذا لم تكن هناك ثقة متبادلة بين جميع الأطراف.
ولعل أحد أهم الحلول التى يمكن التفكير فيها هو وضع إطار واضح للشفافية، بحيث يتم تحديد متى وكيف يمكن للأندية الاطلاع على تسجيلات تقنية الفيديو، ومن له الحق فى ذلك وما هى الجهة المسئولة عن تفسير هذه التسجيلات، لأن ترك هذه المسألة للاجتهاد يفتح الباب أمام أزمات لا تنتهى، وفى المقابل فإن إتاحة المعلومات بشكل منظم قد تسهم فى تقليل الجدل، وتوضيح الصورة للجميع.
العنصر البشرى
كما أن تطوير منظومة التحكيم يجب أن يكون أولوية حقيقية، وليس مجرد رد فعل للأزمات لأن الحكم هو العنصر الأهم فى إدارة المباراة، وإذا لم يحصل على الدعم الكافى والتدريب المناسب، والحماية اللازمة من الضغوط الإعلامية والجماهيرية، فإنه سيظل عرضة للخطأ وهو أمر طبيعى فى كرة القدم، ولكن الفارق يكون فى كيفية التعامل مع هذه الأخطاء، وهل يتم تقليلها بمرور الوقت أم تظل تتكرر بنفس الشكل.
مكاسب مؤقتة
وفى الوقت نفسه يجب على الأندية أن تدرك أن التصعيد المستمر قد يحقق مكاسب مؤقتة، لكنه يضر بالمنظومة على المدى الطويل، لأن الاستقرار هو العامل الأساسى لنجاح أى مسابقة، وأن الضغط يجب أن يكون فى إطار منظم، وليس عبر ردود فعل انفعالية، أو بيانات تصعيدية تزيد من حدة التوتر دون أن تقدم حلولًا حقيقية.
منظومة مستقرة
أما اتحاد الكرة فدوره الحقيقى يجب أن يتجاوز إدارة المسابقات اليومية إلى بناء منظومة مستقرة، تقوم على الشفافية والوضوح لأن الاتحاد ليس طرفًا فى المنافسة بل هو الجهة التى تضمن نزاهتها، وإذا فقد هذه الصفة فإنه يفقد أهم عناصر قوته، ولذلك فإن التعامل مع الأندية يجب أن يكون قائمًا على الحوار والشراكة، وليس على رد الفعل أو التمسك الحرفى بلوائح قد تكون فى حد ذاتها بحاجة إلى تطوير.
مراجعة شاملة
وفى النهاية فإن أزمة الأهلى واتحاد الكرة تعكس واقعًا يحتاج إلى مراجعة شاملة، وليس مجرد حل سريع لأن استمرار نفس الظروف سيؤدى إلى تكرار نفس الأزمات، وربما بشكل أكثر حدة ومع تزايد الضغوط الجماهيرية والإعلامية يصبح من الصعب السيطرة على الأمور، إذا لم يتم وضع قواعد واضحة تحكم العلاقة بين جميع الأطراف، ولذلك فإن الحل لا يكمن فى من كان على حق فى هذه الواقعة بقدر ما يكمن فى كيفية منع تكرارها مستقبلًا.
وإذا نجحت الكرة المصرية فى استغلال هذه الأزمة لإعادة ترتيب أولوياتها، ووضع نظام أكثر شفافية، فإنها قد تخرج منها أقوى وأكثر استقرارًا، أما إذا تم التعامل معها كأزمة عابرة فستظل مجرد حلقة جديدة فى سلسلة طويلة من الأزمات التى تعيق تطور اللعبة وتؤثر على صورتها وعلى قدرتها على تحقيق النجاح سواء على مستوى الأندية أو المنتخبات، لأن الاستقرار ليس رفاهية وإنما هو الأساس الذى يقوم عليه أى نجاح حقيقى فى كرة القدم.







