السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

40 عاما على رحيل شاعر الكاريكاتير

على اسم مصر، التاريخ يقدر يقول ما شاء



أنا مصر عندى أحب وأجمل الأشياء،

بحبها وهى مالكة الأرض شرق وغرب،

وبحبها وهى مرمية جريحة حرب،

بحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء،

وأكرهها وألعن أبوها بعشق زى الداء،

وأسيبها وأطفش فى درب وتبقى هى فى درب،

وتلتفت تلقينى جنبها فى الكرب.

 

بهذه الكلمات العميقة التى تختصر علاقة خاصة بين الإنسان ووطنه، كتب صلاح جاهين واحدة من أصدق حالات الحب التى لا تعرف المثالية، حبًا مشوبًا بالغضب وممتلئًا بالانتماء رغم كل التناقضات. لم يكن جاهين يكتب عن وطن متخيل، بل عن مصر كما تُعاش، قوية وضعيفة، منتصرة ومجروحة، قاسية وحنونة فى آن واحد.

هذا التناقض لم يكن ضعفًا فى التعبير، بل جوهر فلسفة جاهين، حيث يمتزج عقل الفيلسوف الذى يرى الصورة كاملة، بقلب طفل لا يكف عن الحب حتى وهو يشتكي. لذلك جاءت كلماته قريبة من الناس، صادقة بلا تكلف، قادرة على أن تعبر عن مشاعر يصعب قولها. وهكذا كانت رسوماته الكاريكاتيرية تفجر الضحكات، بينما تنتقد المجتمع أحيانًا والحكومة أحيانًا أخرى فى مزيج  يجمع بين خفة الظل وجرأة الطرح.

ومع مرور أربعين عامًا على رحيله، لا تزال أعمال صلاح جاهين حاضرة بقوة، سواء فى أشعاره أو رباعياته أو رسوماته الكاريكاتيرية التى نجحت ببساطتها فى رسم البسمة وطرح الأسئلة فى الوقت نفسه. كما تبقى أغنياته جزءًا من الذاكرة الجمعية، فلا يمكن أن يمر شم النسيم أو الربيع دون أن نسمع كلماته المليئة بالمرح بصوت السندريلا سعاد حسنى فى أغنية «الدنيا الربيع» التى تحولت إلى طقس احتفالى بنكهة مصرية خالصة. ولم يكن جاهين شاعرًا حساسًا ورسام كاريكاتير موهوبًا  فحسب ،بل كتب السيناريو لعدد من الأفلام منها «خلى بالك من زوزو». فقد كان فنانًا متعدد المواهب والقدرات فأصبح واحدًا من أهم رموز الفن والأدب والثقافة فى مصر. 

جمع جاهين بين عدة فنون فى آن واحد؛ بعد أن ترك الفنون الجميلة ليلتحق بكلية الحقوق بناء على رغبة والده ليصير أحد أبرز أركان الفن المصرى والعربى تاركًا إرثًا فنيًا هائلًا امتد لعقود متمثلًا فى الأشعار والرباعيات والأغانى والأفلام التى كتب لها السيناريو والحوار والأوبريتات والفوازير ،بالإضافة إلى التراث الكاريكاتيرى الضخم الذى استطاع من خلاله التعبير عن حال الشعب المصرى والعربى فترة الخمسينيات وحتى الثمانينيات.

أحدث چاهين نقلة كبيرة فى تاريخ الكاريكاتير وأسس مدرسة الكاريكاتير المصرى والعربى الحديث ولفت الأنظار منذ ظهوره على صفحات مجلة روزاليوسف العريقة «مدرسة الكاريكاتير الأولى فى الصحافة المصرية والعربية» والتى كان لها الدور الأكبر فى انطلاقة وتطوّر فن الكاريكاتير منذ أواخر العشرينيات وحتى الآن.

وكانت روزاليوسف بداية الانطلاق والشهرة لجاهين والمحطة الأساسية فى مسيرته الفنية والصحفية خلال فترة الخمسينيات وكانت مرحلة مهمة أيضا فى تاريخ فن الكاريكاتير وتطوره من خلال نجوم مدرسة الكاريكاتير المصرى الحديث وعلى رأسهم صلاح چاهين ،حيث تميزت هذه المدرسة بالبساطة والإيجاز والتلخيص والأفكار الثورية الجريئة المتحررة والتى عبّرت عن الهوية المصرية فى ذلك الوقت…

ابتكر چاهين العديد من الأبواب الكاريكاتيرية الثابتة فى روزاليوسف مثل: «قيس وليلى» و«قهوة النشاط» و«نادى العراة» و«دواوين الحكومة» و«الفهامة» ،وكانت شخصياته الكاريكاتيرية قريبة من الناس ولها روح مصرية خالصة ،حيث كان يهتم بانفعالات الشخصية (تعبيرات الوجه ولغة الجسد) أيضا اهتم بالملابس والاكسسوارات إلى جانب الخلفية والديكور ومفردات الحوار وصياغة التعليق بذكاء شديد وخفة دم وهو سر قوة كاريكاتير صلاح چاهين وتفوقه رغم مرور كل هذه السنوات.

وفى ذكرى رحيله الأربعين، تستعيد مجلة روزاليوسف هذا الإرث الإبداعى الثرى، لتؤكد أن جاهين لم يكن مجرد شاعر أو رسام، بل حالة إنسانية كاملة، ما زالت قادرة على أن تعبر عن المصريين، وتكشف عن علاقتهم الخاصة بوطن يحبونه رغم كل شىء.