السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

الخال والشيخ الفن بيتكلم مصرى

تمر هذا الأسبوع ذكرَى وفاة اثنين من عظماء فنانى مصر، ممّن عَبّروا عن الناس وقدّموا فنًا يشبههم: الخال عبدالرحمن الأبنودى، والملحن والمغنّى المتفرّد سيد مكاوى، اللذان جمعهما الفن وحب الجمهور، ويوم الوفاة فى 21 أبريل.



رغم اختلاف أدواتهما بين الكلمة واللحن؛ فإن عبدالرحمن الأبنودى وسيد مكاوى التقيا فى جوهر واحد، هو الانحياز الكامل لروح مصر وتعزيز الهوية المصرية من خلال فنهما.. كلاهما قدّم فنًا شديد الالتصاق بالمكان والناس، فنًا لا يتكلف ولا يتجمل؛ بل يخرج كما هو من قلب الشارع. كتب الأبنودى شعره بروح المصرى البسيط، مستخدمًا مفرداته اليومية ونبرته الصادقة، بينما جاءت ألحان مكاوى مُشبعة بالشرقية ومُحملة بإحساس شعبى واضح، يعززه صوته المميز وأسلوبه العفوى فى الأداء.

ويتجلى هذا الانحياز بوضوح فى أوبريت «الليلة الكبيرة» بكلمات العبقرى صلاح جاهين وألحان سيد مكاوى، ذلك العمل الذى قدّم صورة حية للمجتمع المصرى بكل تفاصيله، من القهوجى إلى الأراجوز، ومن المعلم والعمدة إلى الفلاح ومُدرب الأسُود، فى لوحة فنية نابضة بالحياة، صاغها مكاوى بأنغامه الشرقية الشعبية لتصبح جزءًا من التراث المصرى الحى الذى لا يزال حاضرًا حتى اليوم. ومثلما كتب الأبنودى «السيرة الهلالية» ليُوثّق الهوية المصرية بالكلمة، لحن مكاوى «الليلة الكبيرة» ليُوثقها بالنغم، فى تكامُل فنى يؤكد أن كليهما كان منحازًا بصدق لجذور هذا الوطن وروحه.

ومن أوجُه التشابه اللافتة بينهما أن الجمهور لم يكتفِ بحبهما؛ بل منحهما ألقابًا خرجت من قلب الشارع وتعكس قربهما من الناس. فحمل سيد مكاوى لقب «الشيخ سيد مكاوى» وارتبط أيضًا بلقب «المسحراتى»، فى دلالة على حضوره الشعبى وروحه المصرية الأصيلة، بينما لُقّب عبدالرحمن الأبنودى بـ«الخال»، ذلك اللقب الحميمى الذى يعكس مكانته كصوت قريب من كل بيت.. وهى ألقاب، مثل فنهما تمامًا، جاءت مصرية خالصة، بسيطة وصادقة وتحمل فى طياتها مَحبة الناس واعترافهم بقيمتهما.

ولم يأتِ لقب «الشيخ» الذى عُرف به سيد مكاوى من فراغ؛ بل ارتبط ببداياته الأولى فى تلاوة القرآن الكريم، شأنه فى ذلك شأن الشيخ زكريا أحمد وغيره من عباقرة الموسيقى؛ حيث تشكلت هويته الموسيقية من خلال الترتيل والإنشاد.. وكان مكاوى يرى أن المقرئ الجيد هو مَن يعى دقائق النغم ويُحسن نطق الحروف ويُجيد التعبير، إلى جانب إلمامه بالموشحات وأجواء الذكر وهى خبرات تمنح الفنان رصيدًا ثريًا من الحس والإدراك الموسيقى. لذلك اعتبر أن هذه الخلفية لا تصنع مقرئًا متمكنًا فحسب؛ بل تضع أساسًا متينًا لموسيقى قادر على الإبداع بوعى وعمق. أمّا الأبنودى؛ فلم يكن غريبًا أن يحظى بلقب «الخال»، فقد اقترب من الناس بشعره البسيط، ولغته العامية، ومفرداته اليومية السهلة، ما جعله واحدًا منهم، يُعبّر عنهم ويشبههم.. هذا القرب الصادق منحه مكانة خاصة فى القلوب، فاستحق عن جدارة ذلك اللقب الحميمى، ولقب «الخال» فى الثقافة المصرية؛ خصوصًا فى الصعيد، يحمل دلالة إنسانية عميقة، فهو ليس مجرد صلة قرابة؛ بل رمز للشخص القريب الموثوق، الذى نلجأ إليه ونعتمد عليه، وقد يحل محل الأب أحيانًا فى الدعم والمساندة.. وهكذا؛ لم يكن اللقب مجرد وصف؛ بل تعبير صادق عن مكانة الأبنودى فى وجدان الناس ودوره كصوت صادق يعكس الهوية المصرية.

ولم تقتصر نقاط التشابه بينهما على الفن فقط؛ بل امتدت إلى خفة الظل التى ميزت حضورهما وجعلتهما أقرب إلى الناس.. فقد امتلك الأبنودى روحًا ساخرة رقيقة، تظهر بين سطور شعره وفى حكاياته، فيمزج ببساطة بين العمق والابتسامة.. أمّا سيد مكاوى، فكانت خفة دمه جزءًا من شخصيته وأدائه، تنعكس فى طريقته فى الغناء وتواصله مع الجمهور، فتمنح أعماله طابعًا محببًا ودافئًا.. وهكذا؛ كان فنهما الجاد ممتعًا وخفيفًا، يحمل البهجة بقدر ما يحمل المعنى.

كما جمع بينهما تعاون فنى مميز فى برنامج إذاعى حمل اسم «حروف الكلام»، كتب كلماته عبدالرحمن الأبنودى، ولحن مقدمته ونهايته وغناهما سيد مكاوى؛ ليقدّما معًا عملاً متكاملاً يجمع بين سحر الكلمة وخصوصية اللحن. وجاءت كلمات المقدمة بسيطة وعميقة فى آن واحد:

علمتينى الحرف

علمتينى حروف الجر وعلمتينى حروف العطف

وعلمتينى الحب وعلمتينى العطف

علمتينى ما اخافش واكون قدام الصف

علمتينى حاجات حلاوتها تفوق الحصر

علتمينى كل ده واكتر منه يا مصر

ليأتى صوت الأبنودى:

«لكن أكيد ورا الألم فيه عيد وورا الضلام ده قمر جديد

.. ولا بُد فيه ميلاد لكون جميل من صلب هذا العالم الشهيد

ومهما زاد اليأس يعلى فى يقينى الهمس.. يصبح نشيد

..عرفت اتعلم الابتسام وأنا بنز الآه

الدنيا يا أخ مكانتش ومكناش عشان تبقى فخ 

احلم ببكرة وانت بتقول أخ..

أمّا النهاية،التى غناها مكاوى فكانت كلماتها:

شيلتك فى كتفى يمامة

شيلتك فى صدرى ابتسامة

وبشد حبلك وأعانى

تعبت معايا الأغانى

ولا بُد يا مصر تانى

نوصل لبر السلامة..

وقد جاءت هذه التجربة ضمن مشروع فنى مميز، كتب خلاله الأبنودى 28 أغنية للإذاعة بعدد حروف اللغة العربية، بحيث يمثل كل عمل حرفًا من حروف الهجاء، فى محاولة تجمع بين الإبداع الفنى والارتباط باللغة والهوية المصرية.

جمع بينهما أيضًا أسلوب وأداء متفرد، فكما كان سيد مكاوى صاحب بصمة لا تشبه أحدًا، كان عبدالرحمن الأبنودى نجمًا فى إلقاء الشعر، يمتلك حضورًا خاصًا وأسلوبًا جذب إليه جمهورًا واسعًا، حتى من أولئك الذين لم يكونوا من محبى الشعر فى الأساس.. استطاع الأبنودى أن يكسر الصورة التقليدية للشعر بوصفه فنًا نخبويًا موجّهًا للمثقفين فقط، فاقترب من الناس عبر لغته العامية البسيطة، وصوره القريبة من حياتهم، ومفرداته الجديدة على آذانهم كشعر.

ولم يقتصر تميزه على الكتابة؛ بل امتد إلى طريقة الإلقاء؛ حيث كان يلقى قصائده بروح حية، وبلهجة صعيدية أصيلة يتقنها كونه وُلد فى قرية أبنود بمحافظة قنا عام 1939، فكان صوته جزءًا من التجربة الشعرية نفسها.. وقد تجلى هذا بوضوح فى «السيرة الهلالية»، التى جمعها وقدّمها فى عمل كبير؛ ليعيد إحياءها مقدمًا التراث الشعبى فى صورة نابضة بالحياة. وهكذا؛ لم يكتب الأبنودى الشعر فقط؛ بل أعاد تعريف علاقته بالجمهور.

ويكتمل هذا التشابه فى التفرد عندما ننتقل إلى سيد مكاوى الذى قدّم نموذجًا غنائيًا لا يشبه السائد؛ جامعًا بين البساطة وخفة الظل فى الأداء، مع صوت يحمل طابعًا خاصًا يسهل تمييزه من اللحظة الأولى.. ومنذ بداياته، مع أغنية «الأرض بتتكلم عربى»، بدأ الجمهور يلتفت إلى هذا الصوت المختلف، ويتعلق به لما يحمله من صدق وعفوية.

لم يكن مكاوى يسير على خُطى المدارس الغنائية المعروفة، فلا هو يحمل وقار صوت محمد عبدالوهاب وأدائه، ولا عذوبة صوت عبدالحليم حافظ ورومانسيته، كما لم يندرج تحت تصنيف المطرب الشعبى التقليدى؛ بل شق لنفسه طريقًا مستقلاً، قائمًا على أسلوب جديد فى الأداء.. كان يغنى جالسًا ممسكًا بعوده، فى مشهد بسيط لكنه أصبح جزءًا من هويته الفنية.. كما اتسم أداؤه بالسلاسة والاقتراب من روح الكلام، دون تكلف أو استعراض. ومن خلال هذا الأسلوب، استطاع أن يمزج بين روح الموسيقى الشرقية وأصالة التراث الشعبى المصرى، فخرجت ألحانه نابضة بالحياة، تحمل ملامح البيئة التى خرج منها، وتحتفظ ببريقها مَهما مَرّ الزمن.. لذلك؛ لم يكن تفرده مجرد اختلاف؛ بل كان أحد أسرار نجاحه واستمراره.

وفى النهاية؛ يبقى عبدالرحمن الأبنودى وسيد مكاوى نموذجين نادرين لفن خرج من قلب الناس فعاد إليهم، يحمل لغتهم ويُعبر عنهم بصدق دون تكلّف.. لم يصنعا مجرد أعمال فنية؛ بل تركا أثرًا حيًا فى الوجدان المصرى، يؤكد أن الفن الحقيقى هو ما يظل قريبًا من الناس، قادرًا على ملامستهم مَهما تغيّرت الأزمنة.