خمسة نظام.. أسوأ ما قدمه مروان بابلو
محمد شميس
ثمة لحظات فارقة فى مسيرة الفنان، لا تكشف فقط عن مستوى العمل، بل تفضح أيضًا اختياراته. وهنا يمكن القول — دون مواربة — إن ( EPخمسة نظام) يُعدّ الأضعف فى مسيرة «مروان بابلو» خلال السنوات الأخيرة.
وبما أن التوقعات الكبيرة بابٌ للإحباطات الكبيرة، فبعد تجربة المزج بين موسيقى الراب والأوركسترا مع المايسترو «ناير ناجي» فى الحفلة الأهم فى تاريخ الراب المصرى، جرى التأكيد على وضع «بابلو» فى مصاف من يصنعون التحولات، لا من يكتفون بمواكبتها.
وجاء بعدها ( EPانحراف)، مع تقديم موسيقى الـ»Rage Rap» بشكل جيد وموفّق، خاصة فى طريقة الطرح؛ حيث صدرت الأغانى بشكل متتالٍ فى فترة عيد الأضحى الماضى، بواقع «كليب» متميز بصريًا بشكل يومي. ثم جاء الفيديو الوثائقى الصادر مؤخرًا ليوثّق كواليس حفلته مع أوركسترا القاهرة الاحتفالى، والذى قال فيه إنه «جعل للراب المصرى اسمًا فى سوق الموسيقى العالمية». ثم جاءت الاشتباكات الكلامية داخل الساحة، خصوصًا مع «مروان موسى»، لتزيد من وهج الحضور، وتدفع باسم «بابلو» إلى قلب الجدل، بسبب تصريحات اعتبرها زملاؤه نرجسية.
ومن هنا يأتى الفارق ما بين ذكاء «ويجز» وبين ما أعتبره «سوء تقدير» من «بابلو»؛ إذ إن الأول اعتاد صناعة الجدل أولًا، ثم طرح عمل قوى يبرّر هذا الجدل، فيحقق الانتشار الجماهيري. وهو عكس ما حدث مع (EP خمسة نظام)، الذى جاء أقل جودة فنية من كل الأعمال السابقة للفنان السكندرى.
والمفارقة الأكبر أن «بابلو» كان أحد القلائل القادرين على تقديم «Concept album» متماسك. رأينا ذلك فى أعمال مثل (كنترول) و(مشروع الشعاع الأزرق) و(حب وكاشات)، حيث تتكامل التراكات ضمن رؤية واحدة. أما (خمسة نظام)، فيبدو كأرشيف غير مترابط: لا وحدة موضوعية، ولا انسجام فى الأفكار، ولا حتى فكرة جديدة فى صياغة الكلمات.
بالإضافة إلى العديد من الأزمات الفنية الواضحة، مثل إعادة تدوير الأغانى، والوقوع فى فخ إعادة تقديم الأعمال القديمة، كما حدث فى أغنية (فليكسن)، التى صدرت بشكل مسرّب منذ سنوات. ورغم إصدارها رسميًا فى (خمسة نظام) بتقنيات صوتية وجودة أعلى، فإن قطاعات من الجمهور رأت أن النسخة القديمة أفضل. فالمشكلة ليست فى تحسين الجودة، بل فى العبث بالذاكرة؛ إذ لا يتفاعل الجمهور مع الصوت فقط، بل مع اللحظة التى ارتبط بها العمل عند السماع الأول حتى لو كانت الجودة ضعيفة تقنيًا.
وحين تعيد تقديمه، فإنك — دون أن تدرى — تعيد كتابة هذه الذاكرة… وغالبًا بشكل أقل صدقًا.
ولا يمكن إنكار وجود محاولات تجريبية داخل العمل، خاصة فى بعض التراكات التى تحمل تأثيرات واضحة من «ترافيس سكوت»، خصوصًا فى أغنية (أوغاد). ورغم الجدل حول هذا التأثر، فإنه فى جوهره طبيعي؛ فالراب — أصلًا — منتج أمريكي. لكن هذه المحاولات ظلت معزولة، غير قادرة على إنقاذ العمل ككل.
وأحد أكثر الجوانب إشكالًا هو توظيف القضايا السياسية بشكل عابر، كما فى الإشارة إلى فلسطين داخل أغنية (حكمدار). فليست المشكلة فى القضية، بل فى طريقة استخدامها: جملة عابرة تُلقى داخل سياق لا يحتملها، فتبدو كأنها أداة لزيادة الانتشار لا أكثر.
والغريب أن الواقع المصرى بدأ يختفى من غالبية أغانى الراب، وصار الحديث عن فلسطين يحل محل مصر بغرض الانتشار الجماهيرى. والمفارقة أن «بابلو» نفسه كان من أكثر من عبّروا عن الواقع المحلى، وعن أزمات الشباب، وعن هشاشة الحلم؛ فأين اختفى هذا الصوت؟
ولذلك، لا يُعدّ (خمسة نظام) مجرد عمل ضعيف، بل علامة على ارتباك الهوية. فحين يفقد الفنان بوصلته، لا يسقط بسبب المنافسة، بل بسبب التنازل عن أهم ما كان يميّزه.
ويبقى الأمل معلقًا على العمل القادم؛ لعل «بابلو» يستعيد ما فقده: ذلك الصوت الذى لم يكن يشبه أحدًا.. قبل أن يقرر، طوعًا، أن يشبه الجميع.







