مقترح وزير الخارجية الباكستانى طوق نجاة للشرق الأوسط
الهدنة المؤقتة هل ستصمد أمام شروط واشنطن؟
آلاء البدرى
انفراجة إقليمية بعد ساعات من حبس الأنفاس بسبب تهديدات ترامب
بعد اثنتى عشرة ساعة من القلق والترقب التى عاشها العالم على وقع الحشد العسكرى غير المسبوق بين الولايات المتحدة وإيران؛ أيضًا بدا المشهد وكأنه يسير نحو مواجهة مفتوحة ليأتى مقترح وزير الخارجية الباكستانى شهباز شريف ليُشكل طوق نجاة؛ إذ وافق عليه الطرفان كخطوة أولى نحو تهدئة شاملة مانحًا المنطقة انفراجه؛ بعد أن كانت على حافة الانهيار الكامل.
هذه الهدنة لم تكن مجرد اتفاق سياسى أو جهود دبلوماسية متشابكة بين عدة دول إقليمية؛ بل بدت كاستراحة إنسانية واقتصادية للعالم بأسره؛ الذى انزلق دون رغبته فى حرب كبرى؛ هددت استقرار الملاحة الدولية؛ وأسواق الطاقة؛ وبدأت تفتح أبوابًا مظلمة على المستقبل.
انفراجة مشروطة
فى وقت متأخر من الليل بعد أن رصدت حركة الملاحة الجوية؛ تحرك عدد كبير الطائرات المزودة للوقود فوق المياه الدولية فى الشرق الأوسط؛ وبينما العالم يلتقط أنفاسه ببطء شديد؛ أعلنت باكستان أن الولايات المتحدة وإيران توصلتا إلى قرار وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين.
وجاء ذلك قبل ساعة واحدة فقط من الموعد النهائى الذى حدده الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للقضاء على إيران؛ ووافقت طهران على إعادة فتح مضيق هرمز بشكل مؤقت.
وأعلن البيت الأبيض؛ أن إسرائيل انضمت إلى الاتفاق بوقف الهجمات؛ بينما علق ترامب خططه لتوسيع العمليات العسكرية داخل إيران؛ وكشفت مصادر أن الرئيس الأمريكى تلقى مقترحًا إيرانيًا من عشر نقاط؛ ليكون أساسًا للتفاوض عبر الوسيط الرئيسى باكستان؛ رغم أن هذه النقاط تتضمن شروطًا سبق أن رفضتها واشنطن.
وشملت رفع جميع العقوبات؛ واستمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز وانسحاب القوات الأمريكية من الشرق الأوسط، وإلى جانب وقف الهجمات على إيران وحلفائها والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة؛ بالإضافة إلى أن إقرار من مجلس الأمن يجعل أى اتفاق ملزمًا.
واللافت أن إيران تلاعبت بالنسخة الفارسية التى نشرتها وسائل الإعلام الرسمية؛ إذ أضافت إيران بندًا مثيرًا للجدل حول قبول التخصيب النووى، بشكل مشروط فى محاولة لطمأنة الداخل الغاضب؛ وإظهار الأمر وكأنه استسلام أمريكى غير مباشر.
أما الرئيس الأمريكى نفسه فلم يعلق مباشرة على هذه المطالب؛ لكنه أشار إلى أن واشنطن ستُساعد فى تخفيف الازدحام المرورى فى المضيق.
ويرى الخبراء؛ أن هذه المطالب الإيرانية المتشددة لن تقبل بصيغتها الحالية، لكنها تشكل أرضية أولية للمحادثات؛ ما يجعل الهدنة أقرب إلى نافذة مؤقتة مشروطة أكثر من كونها اتفاقًا نهائيًا.
دور مصرى بارز
أكدت مصادر دولية، أن القاهرة كانت شريكًا فى بناء هذه الانفراجة المشروطة عبر دبلوماسية هادئة؛ ولكن فعالة أعادت لمصر موقعها التقليدى كجسر بين الشرق والغرب فى لحظات الأزمات الكبرى.
ويمكن القول إن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لم يكن وليد اللحظة؛ بل ثمرة جهود دبلوماسية متشابكة؛ شاركت فيها عدة دول كان لمصر فيها موقع محورى؛ بينما تصدرت باكستان واجهة الوساطة العلنية.
أكدت مصادر استخباراتية لوكالة أسوشيتد برس؛ أن الصين ومصر وتركيا لعبوا أدوارًا خلف الكواليس فى سد الفجوات بين واشنطن وطهران، ورغم كل الأخبار التى كانت تؤكد فشل المحاولات الدبلوماسية؛ كان التنسيق بين وزارات خارجية باكستان ومصر وتركيا جاريًا عبر سلسلة من الاتصالات المكثفة خلال الأسابيع الماضية؛ حيث تبادل الوزراء والمبعوثون مقترحات عملية لتقريب وجهات النظر.
وجرى عقد لقاءات جانبية؛ على هامش اجتماع إسلام آباد الرباعى الذى حضره وزير خارجية المملكة العربية السعودية؛ أيضًا إضافة إلى اتصالات مباشرة مع مسؤولين أمريكيين وإيرانيين.
وهذا التنسيق أتاح صياغة أرضية مشتركة؛ دفعت إيران نحو قبول هدنة مؤقتة؛ وأعطت واشنطن مخرجًا دبلوماسيًا لتجميد التصعيد العسكرى.
وأشار باراك رافيد مراسل شبكة أكسيوس؛ إلى هذه الجهود قائلا: إن مصر لعبت دورًا رئيسيًا فى سد الفجوات بين الولايات المتحدة وإيران؛ وكانت مصر عنصرًا حاسمًا فى وقف إطلاق النار فى غزة.
وكذلك فى وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، كما ساهمت تركيا أيضًا فى هذه الجهود؛ وقد رحبت دول بعيدة مثل نيوزيلندا وأستراليا والنرويج بهذه الجهود.
وأشادت علنًا عبر بيانات رسمية؛ وتصريحات لوزراء الخارجيات بالدور المصرى إلى جانب باكستان وتركيا؛ معتبرة أن ما تحقق هو نتيجة عمل دولى مكثف جمع بين القوى الإقليمية المؤثرة والدول الكبرى.
دعم دولى
لاقى الإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران ترحيبًا دوليًا واسعًا؛ لكنه جاء مشروطًا بضرورة بذل المزيد من الجهود لضمان عدم عودة القتال؛ دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش جميع الأطراف إلى استثمار هذه الهدنة كخطوة أولى نحو سلام دائم وشامل.
وعلى المستوى الإقليمى؛ أصدرت مصر والسعودية وسلطنة عمان والعراق بيانات رسمية عبر وزارات الخارجية؛ العراق وصفت الاتفاق بأنه خطوة من شأنها خفض التوتر وتعزيز فرص الاستقرار؛ مؤكدة دعمها لأى جهود إقليمية ودولية تعطى الأولوية للحوار والدبلوماسية؛ والسعودية شددت على ضرورة ضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحًا للملاحة دون قيود.
فيما أكدت الخارجية المصرية؛ على أهمية احترام سيادة ووحدة أراضى دول مجلس التعاون الخليجى؛ والأردن وربطت أمن هذه الدول بأمن مصر واستقرارها؛ أما سلطنة عمان فدعت إلى البناء على وقف إطلاق النار لمعالجة جذور الأزمة وضمان إنهاء دائم للأعمال العدائية.
والأوروبيون أيضًا كانوا من أوائل المرحبين ألمانيًا وبريطانيًا وفرنسيًا وإيطاليًا؛ أصدرت بيانات تأييد؛ بينما قال وزير الخارجية الإسبانى خوسيه مانويل ألباريس: إن العالم كان على وشك كارثة بعد تهديد ترامب بـإبادة الحضارة الإيرانية؛ واعتبر أن مثل هذه الإنذارات غير مقبولة للبشرية. الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون؛ شدد على ضرورة احترام وقف إطلاق النار بالكامل متمنيًا أن يشمل لبنان أيضًا.
ومن لندن أكد مكتب رئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر؛ أن على المجتمع الدولى بذل كل ما فى وسعه لتحويل الهدنة إلى اتفاق دائم؛ وإعادة فتح مضيق هرمز فيما.
وأشار المستشار الألمانى فريدريش ميرز؛ إلى أن الهدف الآن هو التفاوض على نهاية دائمة للحرب والترحيب امتد إلى دول أخرى مثل روسيا والصين وأستراليا ونيوزيلندا واليابان وماليزيا؛ والتى أعلنت دعمها للقرار ورغبتها فى رؤية حل شامل للنزاع.
وبحسب خبراء فإن هذه الهدنة ليست سوى ثمرة جهود دولية مكثفة؛ لكنها تحتاج إلى متابعة دقيقة وضمانات عملية؛ حتى تتحول من مجرد انفراجه مؤقتة إلى اتفاق مستدام يرسخ الأمن فى المنطقة.
انتعاش اقتصادى
شهدت الأسواق العالمية استجابة سريعة عقب إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران؛ حيث انعكس الارتياح الفورى على تداولات الأسهم الآسيوية فى صباح اليوم التالى مباشرة؛ فقد قفز مؤشر نيكاى 225 اليابانى بنسبة تقارب 5%؛ فيما ارتفع مؤشر هانغ سينغ فى هونغ كونغ بنحو 3% خلال الجلسة الصباحية؛ وهو ما عكس عودة الثقة الجزئية إلى المستثمرين بعد أسابيع من التوتر العسكرى.
فى المقابل سجل سعر خام برنت تراجعًا حادًا بنسبة وصلت إلى 16%؛ فور الإعلان نتيجة توقعات بانخفاض المخاطر الجيوسياسية على إمدادات الطاقة؛ وعلى الجانب الآخر ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 2.5% خلال التداولات الليلية؛ ما ساعد الأسواق الأمريكية على استعادة جزء من خسائرها؛ وبحلول الجلسة الصباحية كانت معظم الأسواق الرئيسية؛ قد استعادت نحو نصف خسائرها التى تكبدتها منذ اندلاع الحرب.
وأما البنوك المركزية فقد وجدت فى الهدنة المؤقتة متنفسًا محدودًا؛ لكنه لا يعالج المعضلة الأساسية المتمثلة فى التوازن بين التضخم والنمو؛ فمن المرجح أن تتراجع توقعات رفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطى الفيدرالى هذا العام بشكل مؤقت؛ وهو ما يوفر دعمًا نسبيًا للأصول الحساسة لأسعار الفائدة مثل السندات وأسواق العقار.
ومع ذلك يبقى التقلب سمة ملازمة للأسواق العالمية؛ طالما لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام شامل يضمن استقرارًا طويل الأمد.
احتفالات شعبية
انتشرت مقاطع فيديو كالنار فى الهشيم على منصات التواصل الاجتماعى؛ تظهر مشاهد احتفالية فى مختلف المدن الإيرانية الكبرى؛ عقب إعلان وقف إطلاق النار المؤقت لمدة أسبوعين بين طهران والولايات المتحدة؛ وهو الإعلان الذى أنهى أسابيع من الضربات المتبادلة والتوترات المتصاعدة.
وفى اللقطات يظهر آلاف المواطنين؛ وهم يلوحون بالأعلام الإيرانية ويهتفون بشعارات النصر فى شوارع مزدحمة؛ بينما تستمر حركة المرور بشكل طبيعى فى مشهد يعكس مزيجًا من الحياة اليومية والفرحة الوطنية؛ بعض المشاركين رفعوا صور قادة الحرس الثورى الذين قتلوا فى بداية الحرب؛ معتبرين أن صمود النظام رغم التهديدات الوجودية يمثل انتصارًا تاريخيًا.
وأما الحكومة الإيرانية ووسائل الإعلام الرسمية؛ فضخمت هذه الأجواء الاحتفالية؛ ووصفت الاتفاق بأنه انتصار كبير للنظام؛ فيما أكد المجلس الأعلى للأمن القومى؛ أن إيران حققت تقريبًا جميع أهدافها فى هذه الحرب وأن العدو يواجه هزيمة تاريخية.







