السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

المجلس الأوروبى يحذر: السودان على شفا التقسيم

مآسى السودان بعد 3 سنوات من الحرب

فى منتصف أبريل الجارى يكون قد مر ثلاث سنوات كاملة على اندلاع الحرب الأهلية فى السودان ،تلك الحرب التى صنفت أكبر أزمة إنسانية فى التاريخ الحديث حسب تقارير الأمم المتحدة.. لم تفلح الوساطات العربية والإفريقية والدولية حتى الآن، ولا حتى العقوبات فى وقف مسار الحرب أو الحد من تداعياتها، بل على العكس ازدادت مواقف الأطراف المتنازعة تصلبًا مما أدى إلى تفاقم الأزمات المركبة التى يتداخل فيها النزاع المسلح مع الانهيار الاقتصادى، والصحى لتصبح الصورة أكثر قتامة مما كانت عليه فى السابق.



 أزمة إنسانية 

تسببت الحرب الأهلية الدامية فى السودان فى موجات نزوح غير مسبوقة، إذ اضطرت مجتمعات بأكملها إلى الفرار من مناطق القتال بحثًا عن الأمان بينما يواجه الأطفال والعائلات الفارين انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ومخاطر مروعة على حياتهم.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 33.7 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال هذا العام وهو أعلى رقم مسجل عالميًا فمنذ تصاعد القتال نزح أكثر من 15 مليون شخص بينهم نحو 9.3 مليون داخل السودان فيما عبر 4.3 مليون الحدود إلى دول الجوار وقد وثقت المفوضية السامية لشئون اللاجئين ما لا يقل عن 42 ألف طفل غير مصحوبين بذويهم أو منفصلين عن أسرهم فى السودان، وفى الدول المجاورة إلى جانب النزوح يواجه نحو 21 مليون شخص أى نصف سكان البلاد مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائى نتيجة انهيار الخدمات الأساسية وفشل المحاصيل.

ونقص المياه ونفوق الماشية وقد أكدت تقارير دولية حدوث مجاعة فعلية فى بعض مناطق السودان عام 2024 فيما لا تزال مستويات الجوع كارثية حيث يتعرض مئات الآلاف من الأطفال لخطر الهزال الشديد، ويعانى ايضا النظام الصحى من انهيار شبه كامل إذ إن 70 % من المرافق الصحية خارج الخدمة ما يترك ملايين الأطفال دون الخامسة عرضة لأمراض فتاكة كما تفاقمت الأوضاع الصحية بانتشار وباء الكوليرا على نطاق واسع بسبب نقص المياه النظيفة إلى جانب ارتفاع حاد فى حالات الإصابة بالملاريا. 

 خطر التقسيم

تتزايد المخاوف من انزلاق السودان نحو تقسيم رسمى بعد خمسة عشر عامًا من انفصال الجنوب بعد أن وصلت الوساطات الدولية والإقليمية إلى طريق مسدود أو حالة تجميد غير مبررة ما جعل احتمالية الانقسام أكثر واقعية من أى وقت مضى المجلس الأوروبى للعلاقات الخارجية.

حذر مؤخرًا من أن السودان يقف على حافة التشرذم،خاصة بعد أن شرعت قوات الدعم السريع وحلفاؤها المدنيون فى بناء هياكل إدارية لإدارة غرب السودان بشكل مستقل بما فى ذلك إنشاء بنك مركزى موازى والتخطيط لإجراء امتحانات مدرسية وطنية منفصلة فى خطوة تعكس نزعة استقلالية متصاعدة ورغم أن البيان السياسى لقوات الدعم السريع أبدى تأييدًا شكليًا لفكرة الوحدة الطوعية لكنه فى الوقت ذاته أكد على حق جميع الشعوب السودانية فى تقرير المصير وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات الانقسام وينظر بعض المراقبين فى الخارج إلى الصراع باعتباره مواجهة بين هويتين مختلفتين القوات المسلحة السودانية التى تمثل النخب التقليدية والإسلاميين الذين هيمنوا على السياسة لعقود مقابل قوات الدعم السريع التى ينظر إليها كصوت للمجتمعات المهمشة فى دارفور وكردفان.

 لكن هذا التصور مبسط ومضلل فالسودان يتميز بتركيبة ديمغرافية معقدة ومتعددة الأعراق والأجناس تجمعها هوية وطنية واحدة ويحذر الخبراء من أن أى محاولة لتقسيم السودان ستكون خطأً فادحًا إذ لن تنتج دولًا قابلة للحياة اقتصاديًا ولن توقف دوامة العنف المستمرة منذ ما قبل استقلال البلاد عام 1956 وتجربة جنوب السودان خير دليل فقد كان يفترض أن تحقق استقلالها عام 2011 السلام والاستقرار لكنه انتهى إلى حرب أهلية وانهيار اقتصادى رغم الدعم الدولى الكبير الذى تتلقاه وهو دعم يفوق بكثير ما يمكن أن تحصل عليه دولتان جديدتان فى السودان، إذا وقع الانقسام فجذور الأزمة السودانية أعمق بكثير من مجرد خطوط تماس عسكرية بين الشرق والغرب فهى ترتبط بتاريخ طويل من التهميش وصراعات على السلطة والثروة، وفشل فى بناء دولة جامعة وأى محاولة لإضفاء الطابع الرسمى على الانقسام لن تعالج هذه الأسباب الجذرية بل قد تؤدى إلى تفاقمها مما يهدد بمزيد من الفوضى والانهيار فى بلد يواجه بالفعل واحدة من أعقد الأزمات فى المنطقة

 جهود الرباعية الدولية

قادت الرباعية الدولية التى تضم مصر والولايات المتحدة والسعودية والإمارات جهود الوساطة فى السودان بقدر كبير من المسئولية عبر سلسلة من اللقاءات والاجتماعات التى هدفت إلى تثبيت الهدنة الإنسانية ودعم تنفيذ خارطة الطريق الإصلاحية ذات الجداول الزمنية الواضحة لإنهاء الحرب. 

وبعد عدة تسجيلات اجتماعاتها دون مبرر زار رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان القاهرة والتقى الرئيس عبدالفتاح السيسى لبحث سبل إنجاح مسار الآلية الرباعية وأهميتها كإطار جامع لوقف الحرب، وإعادة الاستقرار وتزامنت هذه التحركات مع نشاط دبلوماسى واسع شمل اجتماعات لمسئولين أمريكيين وسعوديين وتشاديين وإيجاديين، إضافة إلى اجتماع دولى فى نيويورك ضم نحو 25 دولة ومنظمة بينها الاتحاد الأوروبى والاتحاد الإفريقى لتنسيق الجهود ودعم مبادرة الرباعية وفى آواخر أكتوبر استضافت العاصمة الإيطالية روما اجتماعًا فنيًا موسعًا شارك فيه ممثلون عن الدول الأعضاء ومراقبون من الاتحاد الإفريقى، والإيجاد حيث جرى بحث آليات مراقبة الهدنة تحديد المناطق الآمنة لمرور المساعدات ووضع جدول زمنى لإطلاق العملية السياسية وتم الاتفاق على إشراك تشاد رسميًا فى آلية المتابعة الميدانية نظرًا لموقعها الجغرافى المميز وصلاتها المباشرة بالأطراف فى دارفور.

وسعت واشنطن إلى إعادة تفعيل الآلية الرباعية كمنصة محورية للتنسيق العربى والدولى مستفيدة من الدور السعودى والإماراتى فى إدارة الاتصالات الميدانية ومن الدور المصرى والتشادى فى الوساطة مع الأطراف المسلحة داخل السودان بهدف منع تفكك الدولة وتهيئة الظروف لوقف شامل لإطلاق النار مع توفير ممرات إنسانية بإشراف أممى.

وتوسعت جهود تشاد أيضًا لتنتقل من موقع المراقب إلى المشاركة الفعلية فى إدارة مسار التهدئة بين الجيش السودانى وقوات الدعم السريع بدعم من مصر والولايات المتحدة والسعودية عبر فتح قنوات تواصل ميدانية وتنسيق الجهود الإنسانية وتعزيز مراقبة الحدود للحد من تدفق السلاح والمقاتلين ورغم الزخم الدبلوماسى لهذه التحركات والجهود الحثيثة ظلت التحديات السياسية والميدانية قائمة أبرزها انعدام الثقة بين أطراف النزاع وتباين أولويات الدول الأعضاء ما شكل عائقًا أمام تحويل خارطة الطريق إلى مسار عملى ومع ذلك يبقى الأمل معقودًا على عودة العمل الفعال والتنسيقى الاستراتيجية التفاوضية التى قد تكون الفرصة الأخيرة لوقف الصراع قبل أن تتلاشى احتمالات السلام.

 الدورى المصرى

لعبت مصر دورًا محوريًا منفصلًا فى النزاع السودانى تجاوز حدود التنسيق مع الآلية الرباعية الدولية إذ انطلق تدخلها من اعتبارات الأمن القومى ومن التزام أخلاقى تجاه وحدة السودان واستقراره فقد سعت القاهرة إلى وقف إطلاق النار بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وفى الوقت نفسه دافعت بوضوح عن وحدة البلاد ورفضت أى سيناريوهات التقسيم.

كما استضافت مصر محادثات سلام على أراضيها ووفرت منصة للحوار بين القوى السياسية السودانية عام 2024 كما قادت قمة دول الجوار السودانى لتجنب انهيار الدولة هذا الدور ترافق مع دعم مباشر للجيش السودانى الشرعى بقيادة عبدالفتاح البرهان فى إطار علاقة تحالف تقليدية بين المؤسستين العسكريتين المصرية والسودانية بهدف ضمان الاستقرار ومنع صعود الفصائل المنافسة مثل قوات الدعم السريع بالإضافة إلى أن القاهرة قد وضعت خطوطًا حمراء واضحة أبرزها رفضها الصريح لأى محاولات لتقسيم السودان إدراكًا منها أن تفكك الدولة سيحوّلها إلى بؤرة للفوضى تهدد الحدود المصرية.

وعلى الصعيد الإنسانى تحملت مصر عبء استقبال أكثر من 1.2 مليون لاجئ سودانى وقدمت لهم الرعاية الصحية والتعليم مؤكدة أن موقفها يجمع بين حماية مصالحها الوطنية والوفاء بمسئولياتها الإنسانية والإقليمية.

 مستقبل غامض

يشير تركيز الأطراف المتحاربة فى السودان على إضفاء الشرعية على حكوماتها إلى رغبتها فى إطالة أمد الصراع الأمر الذى يعكس غياب حسن النية والالتزام بوقف دائم لإطلاق النار مما يقلل من فرص السودان فى الاستقرار، ويضع مستقبله أمام خيارات محدودة للغاية يمكن تلخيصها فى ثلاث مسارات أولها تجميد خطوط المواجهة فى كردفان ومناطق أخرى مع تقسيم فعلى للبلاد حتى وإن لم يكن معترفًا به رسميًا هذا السيناريو يعنى بقاء السودان دولة مشتتة، حيث تتوزع السلطة فيها بين كيانات متنازعة.

وتظل الأزمات الإنسانية والاقتصادية والصحية قائمة بلا حلول وهو خيار يكرس حالة اللا حرب واللا سلم، ويجعل البلاد عرضة لمزيد من التدهور والانهيار، أو المسار الأكثر ترجيح وهو انزلاق السودان إلى حرب طويلة الأمد تتسم بتصاعد التدخلات الإقليمية والدولية.

وتحول البلاد إلى ساحة للحروب بالوكالة وبؤر للإرهاب هذا السيناريو يعكس واقعًا قاتمًا حيث ينهار ما تبقى من مؤسسات الدولة وتتحول الأزمة السودانية إلى تهديد إقليمى ودولى يتجاوز حدودها الجغرافية أما المسار الأكثر تفاؤلا فهو نجاح الجهود الدبلوماسية الجارية فى تأمين هدنة إنسانية وتمهد الطريق لوقف شامل لإطلاق النار هذا الخيار يعتمد على قدرة المجتمع الدولى وخاصة الآلية الرباعية، والدول الإقليمية الكبرى على ممارسة ضغوط فعالة، وتقديم حوافز للأطراف المتنازعة ورغم صعوبة تحقيقه إلا أنه يظل الأمل الوحيد لإنقاذ السودان من الانهيار الكامل.