العالم يدفع فاتورة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران
صدمات الطاقة تجتاح العالم
آلاء شوقى
أزمات بمختلف قارات العالم.. ما بين نقص الوقود وارتفاع أسعاره وإجراءات حادة لترشيد الاستهلاك
رغم إعلان وقف لإطلاق النار لمدة أسبوعين، فإن ما خلفته الحرب الإيرانية طوال الفترة الماضية لا يمكن احتواؤه، أو إصلاح تداعياته الاقتصادية بين عشية وضحاها، لأن الأزمات الكبرى، خاصة تلك المرتبطة بأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، لا تنتهى بمجرد توقف القتال، بل تترك آثارًا ممتدة تعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية، وتفرض واقعًا جديدًا يتطلب وقتًا طويلًا للتعافى.
إجراءات طارئة
فبحسب ما أوردته صحيفة «الجارديان»، أدى تراجع إمدادات الوقود الأحفورى وارتفاع الأسعار إلى دفع الحكومات نحو إجراءات طارئة، لم تقتصر على السياسات الاقتصادية، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، مثل عدد أيام العمل، واستهلاك الكهرباء، وحتى سلوك الأفراد فى التنقل.. وأوضحت الصحيفة، أن إغلاق مضيق «هرمز» - الذى يُعد ممرًا حيويًا لنقل نسبة كبيرة من النفط العالمى - خلق فجوة مفاجئة فى الإمدادات، أربكت الأسواق وأجبرت الدول على التحرك سريعًا.
وفى السياق ذاته، أوضحت مجلة «تايم» أن أسعار النفط التى تجاوزت حاجز 100 دولار للبرميل عدة مرات منذ اندلاع النزاع، بل وصلت لفترة قصيرة إلى أكثر من 119 دولارًا، انعكست على حدة الصدمة التى تعرضت لها السوق.
أكبر الاضطرابات
أما مجلة «فوربس»، فوصفت الأزمة بأنها من بين أكبر الاضطرابات فى الإمدادات فى تاريخ سوق النفط؛ مؤكدة أن العالم يواجه نقصًا يوميًا ضخمًا فى المعروض من الطاقة..
وبالفعل، خلال الفترة الماضية، انخفضت تدفقات النفط عبر «هرمز» بنسبة تجاوزت 90 %، وخفضت دول الخليج إنتاجها بما يصل إلى 10 ملايين برميل يوميًا، حسب تقرير وكالة الطاقة الدولية (IEA) فى مارس الماضى.
وعليه، بدأت تظهر بوادر تحول استراتيجى أعمق تتمحور حول تساؤل مهم، هل يتعلم العالم درس هشاشة الاعتماد على منطقة جغرافية واحدة، أم يبدأ فى إعادة رسم خريطة الطاقة طويلة الأمد؟
تغييرات جذرية
كانت آسيا تستورد نحو 80-84 % من التدفقات عبر هرمز – الأكثر تأثرًا، ففى «الهند» -على سبيل المثال- لم تكن المشكلة مجرد ارتفاع أسعار، بل تهديد مباشر لإمدادات غاز الطهي؛ الذى تعتمد عليه ملايين الأسر. ولهذا، كما أوضحت «فوربس»، فعّلت الحكومة الهندية قانون (السلع الأساسية)، وهو إجراء استثنائى يستخدم فى أوقات الأزمات لضمان توافر السلع الحيوية، وبموجب هذا القرار، لم يعد الغاز متاحًا بحرية كما فى السابق، بل أصبح خاضعًا لقيود صارمة؛ إذ فُرض حد أدنى يبلغ 25 يومًا بين كل طلب لأسطوانة الغاز المنزلية.. أما فى «الصين»، فاتخذت الحكومة مسارًا مختلفًا لكنه لا يقل صرامة، فبحسب «فوربس»، فرضت «بكين» حظرًا على تصدير الوقود المكرر، فى خطوة تهدف إلى حماية السوق المحلية من أى نقص محتمل.
ورغم امتلاك «الصين» احتياطيات كبيرة واستثمارات واسعة فى الطاقة، إلا أن القلق الشعبى ظهر بوضوح فى شكل صفوف طويلة أمام محطات الوقود، وهو ما يعكس أن الشعور بالخطر قد يسبق أحيانًا النقص الفعلى.
لكن، الصورة الأكثر وضوحًا لتأثير الأزمة تظهر فى دول جنوب، وجنوب شرق آسيا، ففى «سريلانكا» لم تقتصر الإجراءات على تقنين الوقود، بل امتدت لإعادة تنظيم الأسبوع نفسه.
أوروبا وأوقيانوسيا
أقل تأثرًا مباشرًا من «آسيا»، بفضل الاحتياطيات والتنويع، إلا أن إغلاق المضيق أدى لارتفاع أسعار الوقود والغاز الطبيعى المسال، ونقص فى وقود الطائرات.
وعليه، ركزت بلدان المنطقتين على ترشيد طوعى وجزئى إلزامى فى النقل والطيران والكهرباء، مع إحياء إجراءات أزمة 2022 (الحرب الروسية الأوكرانية).
فقبل أى شيء، دعت المفوضية الأوروبية 400 مليون مواطن إلى تقليل الطيران والقيادة، والعمل من المنزل، وتوفير الطاقة، حيث شجع مفوض الطاقة «دان يورجنسن» على استخدام النقل العام، ومشاركة السيارات، فضلًا عن تقليل التدفئة فى المطاعم والمبانى الحكومية، وتقييد سفر المسئولين الحكوميين.
من جانبها، فرضت «إيطاليا» قيودًا محلية على التزود من وقود الطائرات فى 4 مطارات، مع إعطاء الأولوية للرحلات طويلة الأمد، الطبية، والحكومية.. كما واجهت «فرنسا، وألمانيا» تحديات خاصة فى وقود الطائرات، كما تستعد «لوفتهانزا» فى «ألمانيا» لتقليل السعة الجوية بنسبة 2.5 - 5 %. أما «بريطانيا» فشهدت مطارات مثل «هيثرو» إلغاء رحلات، بسبب نقص الوقود.
الأمريكتان.. السوق أولاً
فى «الولايات المتحدة»، عكست السياسات توجهًا واضحًا نحو الاعتماد على السوق بدلاً من التدخل المباشر، فلم تتجه الحكومة إلى تقديم دعم واسع للأسر، بل ركزت على زيادة إنتاج الوقود الأحفورى.
لكن، هذا التوجه لم يمنع تأثير الأزمة على المواطنين، حيث ذكرت «تايم» أن أسعار الوقود ارتفعت بنحو 30 % منذ بداية الحرب؛ بينما أشارت «فوربس» إلى زيادات أكبر خلال فترة قصيرة، ما وضع ضغطًا مباشرًا على الأسر الأمريكية.
أما فى «أمريكا الجنوبية»، فأظهرت الدول تباينًا فى الاستجابة، فمررت «تشيلى» الزيادة فى الأسعار إلى المستهلكين مع اتخاذ إجراءات محدودة لتخفيف الأثر، مثل دعم النقل العام؛ بينما حاولت الحكومة فى «الأرجنتين» تأجيل جزء من الصدمة عبر تأجيل الضرائب، وزيادة استخدام الوقود الحيوى.
أما «البرازيل» فبرزت كحالة مختلفة نسبيًا، حيث ساعد انتشار استخدام الإيثانول - المنتج محليًا - فى تقليل الاعتماد على النفط المستورد، وهو ما وفر لها قدرًا من الحماية من تقلبات الأسعار.
«إفريقيا»..الأزمة أكبر
فى القارة الإفريقية، كشفت الأزمة عن هشاشة أنظمة الطاقة، حيث تعتمد معظم الدول على استيراد الوقود، فأوضحت «تايم» أن احتياطى الوقود فى «كينيا» لا يكفى سوى لأسابيع قليلة، ما دفعها لتقنين الإمدادات ونفادها فى بعض المناطق، أما «تنزانيا» فاضطرت لوضع سقف لأسعار الوقود وزيادة الاحتياطيات.
من جانبها، اضطرت «إثيوبيا» لتحديد أولويات توزيع الوقود للقطاعات الحيوية؛ بينما خططت «زيمبابوى» لزيادة خلط الوقود بالإيثانول؛ فيما بدأت «جنوب السودان» فى تقنين الكهرباء؛ أما «موريشيوس» فخفضت استهلاك الكهرباء فى الاستخدامات غير الأساسية.
كما قررت الحكومة السنغالية حظر سفر الوزراء إلى الخارج إلا إذا كان الأمر يتعلق بمهمة أساسية؛ محذرة من أوقات صعبة للغاية مستقبلًا.
التعافى الاقتصادى
مع إعلان «واشنطن» هدنة مدتها أسبوعان مشروطة، بإعادة فتح مضيق «هرمز» بشكل كامل وآمن، انخفضت أسعار النفط بنسبة 13-15 % فورًا، وارتفعت الأسواق الآسيوية بشكل ملحوظ.
ولكن، الخبراء الاقتصاديون أكدوا -فى الوقت ذاته- أن الضرر الذى لحق بالاقتصادات العالمية خلال هذه الفترة لن يُصلح بين عشية وضحاها.
فأكدوا أن التعافى سيكون بطيئًا ومتدرجًا وغير كامل، وقد يمتد تأثيره إلى نهاية 2026 و2027 على الأقل، بسبب ما وصفوه بـ(الندوب طويلة الأمد) فى سلاسل الإمداد والبنية التحتية.
فوفقًا لتقرير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)؛ الصادر فى إبريل الجارى، فإن استعادة التدفقات الكاملة عبر المضيق ستستغرق أشهر حتى بعد إعادة الفتح، وستظل هناك مخاطر على أسعار النفط قد تبقيها على ارتفاعها لفترة أطول.
فى هذا السياق، أوضح بنك الاحتياطى الفيدرالى فى «دالاس» أنه حتى لو أُعيد فتح المضيق، سيظل مستوى الناتج المحلى الإجمالى العالمى أقل بنسبة 0.2 % عن مستواه قبل الأزمة بنهاية العام الجارى، و0.1 % أقل بنهاية العام المقبل.
من جانبه، حذر بنك «جولدمان ساكس» من أن الضرر على إنتاج الغاز الطبيعى المسال فى قطر – الذى يمثل نحو 17 % من القدرة العالمية – سيستمر لمدة تتراوح بين سنتين إلى 3 سنوات على الأقل للإصلاح الكامل، حيث أشار المحلل الاقتصادى «جوزيف بريجز» إلى أن كل زيادة بنسبة 10 % فى أسعار النفط تخفض الناتج المحلى العالمى بنسبة 0.1 %، وترفع التضخم بنسبة 0.2 نقطة مئوية أكثر فى «آسيا، وأوروبا».
تحولات هيكلية
أما تحليلات باحثى «المجلس الأطلسى»، فأكدت أن أزمة مضيق «هرمز» لا تمثل مجرد اضطراب مؤقت فى الإمدادات، بل تكشف عن تحولات أعمق قد تعيد رسم خريطة الطاقة العالمية.
فأوضحت أن الأزمة أدت إلى صدمة قوية فى أسواق الطاقة العالمية، حيث قُدر العجز فى إمدادات النفط بنحو 12 مليون برميل يوميًا، ما تسبب فى نقص تراكمى يقارب 400 مليون برميل عالميًا.
كما تضررت أسواق الغاز بشكل كبير مع توقف صادرات الغاز الطبيعى المسال من قطر، وارتفاع أسعار الغاز فى «آسيا» بنسبة تصل إلى 143 %، وهو ما يعكس حجم الاضطراب وعدم اليقين فى السوق.
كما أضافت أن الأزمة كشفت هشاشة الاعتماد على ممرات ضيقة، مثل مضيق «هرمز»، الذى يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية.
وفى السياق، أوضحت التحليلات أيضًا أن الأزمة أسهمت فى إعادة توزيع مراكز القوة فى سوق الطاقة، حيث برزت فرص لدول، مثل: «الولايات المتحدة، والبرازيل، وكندا، وجويانا»، وحتى «روسيا» لزيادة الإنتاج. فى المقابل، تواجه مناطق أخرى ضغوطًا اقتصادية حادة؛ ففى «إفريقيا» مثلًا، يمر نحو 30 % من تجارة الأسمدة العالمية عبر المضيق، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الغذاء بشكل مباشر، خاصة فى دول ينفق سكانها ما يقارب 50 % من دخلهم على الغذاء.
وعليه، رأت التحليلات أن الدول - على مستوى السياسات- تواجه معادلة صعبة بين التعامل مع الأزمة الحالية، والحفاظ على خطط التحول للطاقة النظيفة؛ موضحة أن ارتفاع الأسعار يدفع الحكومات لتقديم دعم فورى، لكنه قد يؤخر الاستثمار فى البنية التحتية للطاقة المتجددة، ما يخلق فجوة بين الأهداف قصيرة وطويلة المدى.
فى النهاية، تكشف أزمة مضيق «هرمز» أن الطاقة ليست مجرد سلعة، بل هى أداة تشكل الجغرافيا السياسية؛ الرابحون فيها هم من يمتلكون مرونة فى الإنتاج أو الطرق البديلة أو القدرة على التحول السريع، بينما الخاسرون هم من يعتمدون على طريق واحد ضيق.
وفى وقت يحاول فيه العالم التقاط أنفاسه، يظل السؤال الأهم، هل ستكون هذه الأزمة مجرد حلقة جديدة فى سلسلة الاضطرابات، أم نقطة تحول تعيد تشكيل خريطة الطاقة والاقتصاد العالمى لسنوات مقبلة؟!







