السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

بين ضغوط الاستيراد وزيادة الإنتاج

كيف تدير مصر أزمة الطاقة؟

فى ظل تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية عالميًا، وما يصاحبها من اضطراب فى أسواق النفط والغاز، أصبحت أزمة الطاقة واحدة من أبرز التحديات التى تفرض نفسها بقوة على أجندة الدول، خاصة مع تهديدات سلاسل الإمداد وارتفاع تكلفة الموارد.



 

لم يعد التعامل مع هذه الأزمة يقتصر على حلول مؤقتة، بل بات يتطلب رؤية شاملة وإجراءات متوازنة تجمع بين الحاضر والمستقبل.

وفى هذا الإطار، تتبنى مصر استراتيجية متكاملة لمواجهة أزمة الطاقة، ترتكز على عدة محاور رئيسية، فى مقدمتها ترشيد استهلاك الكهرباء والوقود، باعتباره خطوة عاجلة لضبط الطلب وتقليل الضغط على الموارد.

وبالتوازى مع ذلك، تعمل الدولة على زيادة الإنتاج المحلى من البترول والغاز، من خلال التوسع فى أعمال البحث والاستكشاف ورفع كفاءة الحقول القائمة، بما يسهم فى تقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.

كما تضع الحكومة ضمن أولوياتها البحث عن بدائل متنوعة للاستيراد، وتأمين إمدادات الطاقة من الخارج عبر تنويع الشركاء مصادر التوريد، لتقليل المخاطر المرتبطة التقلبات الجيوسياسية.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى التوسع فى مشروعات الطاقة المتجددة، إلى جانب التوجه نحو الطاقة النووية كمصدر مستدام يدعم استقرار الشبكة الكهربائية على المدى الطويل.

وتعكس هذه التحركات توجهًا واضحًا نحو بناء منظومة طاقة أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع الأزمات، من خلال مزيج متكامل يجمع بين الترشيد، وتعظيم الإنتاج، وتأمين الإمدادات، والاستثمار فى المستقبل.

وفى ضوء هذه الجهود، تبرز تساؤلات مهمة حول مدى فاعلية هذه الإجراءات، وقدرتها على احتواء تداعيات الأزمة، «روزاليوسف» ترصد هذا الملف الذى يمس حياة المواطن المصرى البسيط بشكل يومى من خلال آراء عدد من الخبراء والمتخصصين فى هذا الملف.

يرى د. جمال القليوبى أستاذ هندسة البترول والطاقة أنه فى ظل تصاعد التوترات الإقليمية واحتمالات اضطراب إمدادات الطاقة، خاصة مع السيناريوهات المرتبطة بإمكانية غلق مضيق هرمز، تحركت الدولة المصرية بشكل سريع ومدروس، من خلال حزمة متكاملة من الإجراءات العاجلة والمتوسطة الأجل، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة وضمان استقرار منظومة الكهرباء والغاز.

وأوضح أن الدولة بدأت بإجراءات فورية لترشيد استهلاك الكهرباء، شملت خفض استهلاك الإنارة العامة عبر تقليل شدة الإضاءة فى الشوارع والميادين، وإطفاء الإضاءة غير الضرورية داخل المبانى الحكومية بعد انتهاء ساعات العمل، إلى جانب التوسع التدريجى فى استخدام مصابيح الـLED الموفرة للطاقة. كما تم ضبط استخدام أجهزة التكييف داخل المصالح الحكومية، بحيث لا تقل درجة الحرارة عن 25 درجة مئوية، مع تقليل تشغيلها فى الأماكن غير المشغولة مثل الممرات.

وأشار إلى أن الإجراءات امتدت كذلك إلى القطاع التجارى، حيث تم إلزام المولات والمحلات بإطفاء الإعلانات والإضاءة الخارجية فى مواعيد محددة، غالبًا فى الساعة الحادية عشرة مساءً، مع العمل على تقليل الأحمال الكهربائية خلال فترات الذروة.

وفيما يتعلق بإدارة استهلاك الغاز الطبيعى، أكد أنه تم إعادة توزيع الغاز بين القطاعات المختلفة، مع إعطاء الأولوية لمحطات الكهرباء لضمان استمرارية التيار، مقابل تقليل الإمدادات مؤقتًا لبعض الصناعات كثيفة الاستهلاك مثل الأسمدة والبتروكيماويات.

كما لجأت الدولة إلى تشغيل بعض محطات الكهرباء باستخدام المازوت بدلًا من الغاز الطبيعى، وهو إجراء يخفف الضغط على شبكة الغاز رغم ما يترتب عليه من زيادة فى التكلفة والانبعاثات. وأضاف أنه يتم أيضًا مراجعة كميات تصدير الغاز الطبيعى المسال وفقًا لاحتياجات السوق المحلية، مع إعطاء الأولوية للاستهلاك الداخلى فى أوقات الأزمات.

وأكد أن الدولة لا تكتفى بالحلول العاجلة، بل تعمل بالتوازى على حلول متوسطة الأجل، فى مقدمتها التوسع فى مشروعات الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية فى مجمع بنبان، وطاقة الرياح فى خليج السويس، بالإضافة إلى تحسين كفاءة محطات الكهرباء خاصة محطات الدورة المركبة، وتقليل الفاقد فى الشبكة. كما أشار إلى أهمية استيراد الغاز المسال عند الحاجة من خلال تشغيل وحدات التغييز، مع تنويع مصادر الإمداد لتقليل المخاطر الجيوسياسية.

وفيما يخص إدارة الأحمال، أوضح أنه فى الحالات القصوى قد يتم اللجوء إلى تخفيف الأحمال من خلال قطع الكهرباء بشكل مؤقت ومجدول فى بعض المناطق، بهدف حماية الشبكة من الانهيار، إلى جانب جدولة استهلاك المصانع وتوزيع ساعات تشغيلها لتقليل الضغط خلال أوقات الذروة.

وفى السياق ذاته، أكدت د.وفاء على أستاذة الطاقة والاقتصاد أن كل قواعد الجدلية تفرض على الدول أن تتنفس مبكرًا لتحفيز اقتصادها أمام الرياح المعاكسة والتوترات الجيوسياسية وتأثيرها على أجندة الاقتصادات العالمية وأولها ملف الطاقة، وعدم الارتهان لأطماع الكبار وأخطائهم فى محاولة توزيع منافذ الثروات الطبيعية والسيطرة الاقتصادية حيث استطاعت مصر ،وسط حالة الصخب والضجيج العالمى من خلال نظرية البدائل والاستجابة لحلحلة الإمدادات الطاقوية والذهاب سريعا إلى مناطق التصحيح وإعادة تشكيل المشهد الطاقوى وهندسة مسار العلاقات الدولية تجاوزت مصر الجغرافيا التقليدية ووظفت آلية جغرافيا دول كمنطق حاكم لضمان الاستدامة الطاقوية التى هى نقطة التوازن الحقيقى فى المعادلة الاقتصادية.

وعملت الدولة على عدة محاور رئيسية فى نقاط توازن أولها السعى إلى تنفيذ استراتيجية وطنية للترشيد بدأت فيه بنفسها كدولة ليكون فرض عين على الجميع بتضافر الجهود الشعبية مما يعكس أن الارتهان على دعم الجبهة الداخلية يربح دوما ويمكن التعويل عليه فليس الأمر فى إطفاء الأنوار مبكرًا إنما هو الاستغناء دون الإتيان على راحة المواطن.

أما زيادة الإنتاج المحلى من النفط والغاز فهى ضرورة حتمية وليست خيارًا مفتوحا وذلك بعين الاستدامة الطاقوية فى توسيع مروحة الشراكات الدولية والتوزيع الجغرافى وإيجاد حلول واقعية وفاعلة تتواءم مع التحديات العالمية المتزايدة فى الاستثمار الحقيقى هو الاستثمار فى عالم البحث والاستكشاف كنوع من الاستثمار الإنتاجى والتحول التطويرى فى حفر الآبار داخل الحقول المنتجة مما أدى إلى تغيير ديناميكية الاستثمار.

وخفض المخاطرة والقدرة على ضخ مزيد من الاستثمارات فلدينا 61 محفظة استكشافية تفتح الباب أمام العودة إلى مخططات الإنتاج المعتمدة بحفر 480 بئرًا خلال الـ5 سنوات حتى 2030 باستثمارات تمثل 5.7 مليار دولار.

تحركت القاهرة سريعًا مع تصاعد وتيرة الأحداث بعدما ،أعلنت معظم دول الخليج القوة القاهرة ووقف الانتاج والتوجه الجغرافى إلى النفط الليبى باستيراد من مليون إلى مليون ونصف برميل من النفط كبديل استراتيجى فى إطار تموضع مصر كمركز إقليمى لتداول الطاقة وتحويل الشقيق الليبى إلى لاعب مرن ومدروس بسبب القرب الجغرافى مما يقلص التكاليف مقارنة بغيره من الأسواق وهو خيار استراتيجى آمن.

هذا بالإضافة إلى آلية سفن التغييز مع تنوع الشركاء التجاريين للامدادات الغازية ب750 مليون قدم مكعب يوميًا كما أن مزيج الطاقة المتجددة الذى أضاف قدرة مركبة على القدرات تبلغ 9.1 جيجا وات منها 3.2 طاقة شمسية و3 جيجا وات من الرياح هذا بالإضافة إلى استراتيجية مصر من البدائل والاستجابة فى وجود مستقبل طاقوى نووى يضيف على الشبكة 4800 ميجا وات بانتهاء مشروع الضبعة النووية.

ومن جهة أخرى، أكد د.ثروت راغب، أستاذ هندسة البترول والطاقة،أن العالم يواجه حاليًا تحديًا كبيرًا فى ملف الطاقة، خاصة مع تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، وهو ما أدى إلى تأثر نحو 20 مليون برميل نفط يوميًا، بالإضافة إلى تراجع جزء كبير من إمدادات الغاز عالميًا. وأوضح أن هذا الوضع تسبب فى ضغط شديد على الأسواق، فى وقت يستهلك فيه العالم ما يقرب من 100 إلى 102 مليون برميل يوميًا، ما يجعل أى نقص مؤثرًا بشكل مباشر على الأسعار والتوافر.

وأشار إلى أن الأزمة لم تقتصر على الدول المستوردة فقط، بل امتدت أيضًا إلى دول كبرى مثل الولايات المتحدة، التى رغم إنتاجها الكبير، شهدت ارتفاعًا ملحوظًا فى أسعار الوقود، ما انعكس على الأوضاع الاقتصادية وخلق حالة من الضغط الداخلي.

وأضاف أن العديد من دول العالم بدأت بالفعل فى اتخاذ إجراءات لترشيد استهلاك الطاقة، وهو ما اتجهت إليه مصر أيضًا، نظرًا لتأثرها باستيراد جزء من احتياجاتها من البترول والغاز، حيث تستورد نحو %30 من استهلاكها النفطى، بالإضافة إلى وجود فجوة فى إنتاج الغاز.

وأوضح أن الدولة المصرية بدأت تنفيذ حزمة من إجراءات الترشيد، مثل تقليل استهلاك الوقود فى بعض القطاعات، وتنظيم مواعيد عمل المحال، وهو ما قد يساهم فى توفير نحو %7 من الاستهلاك اليومى للطاقة.

وأكد أن الحل لا يقتصر على الترشيد فقط، بل يتطلب التحرك على عدة محاور، فى مقدمتها:

زيادة أعمال البحث والاستكشاف، خاصة أن أقل من %40 من المناطق البترولية فى مصر تم استكشافها حتى الآن مع تطوير الآبار القديمة ورفع كفاءتها باستخدام تقنيات حديثة مثل الحفر الأفقى فضلا عن التوسع فى إنتاج الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، لتحقيق مزيج طاقة متوازن مع التوجه نحو استغلال الموارد غير التقليدية مثل الغاز الصخرى، أسوة بالتجربة الأمريكية التى ساهمت فى زيادة إنتاجها بشكل كبير.

واقترح د. راغب ثروت إنشاء شركة مصرية وطنية متخصصة فى أعمال الحفر خارج الحدود، للعمل فى دول مثل إفريقيا والعراق وليبيا، بما يسهم فى تحقيق عوائد دولارية وتعظيم الاستفادة من الخبرات والكوادر المصرية فى هذا المجال.

ومن جهته أخرى أكد د.رمضان أبو العلا أستاذ هندسة البترول وخبير الطاقة الدولى أن ما يشهده قطاع البترول حاليًا يُعد من أخطر الأزمات منذ سبعينيات القرن الماضى، عندما قفز سعر برميل النفط من 3 إلى 12 دولارًا، لافتًا إلى أن تلك الأزمة، رغم شدتها، دفعت الدول الصناعية الكبرى بالتعاون مع الولايات المتحدة إلى تأسيس الوكالة الدولية للطاقة، وهو ما ساهم آنذاك فى احتواء تداعياتها خلال فترة زمنية قصيرة.

وأضاف أن أسواق النفط والغاز تعيش حاليًا حالة من الضبابية، ترتبط بمسار الصراع، سواء بالتصعيد أو التهدئة، موضحًا أنه فى حال انتهاء الأزمة خلال فترة قريبة، فإن آثارها ستظل ممتدة لما لا يقل عن ستة أشهر، أما إذا استمرت، فقد نشهد ارتفاع سعر برميل النفط إلى نحو 200 دولار، مع احتمالات زيادة أسعار الغاز إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف. وأكد أن حجم التأثير يختلف من دولة لأخرى، وفقًا لطبيعة موقعها بين الدول المنتجة أو المستوردة أو التى تجمع بين الأمرين، مثل مصر.

ومن جهته أكد د. ماهر عزيز الخبير الدولى للطاقة والبيئة ومستشار وزير الكهرباء الأسبق بإنه تتعدد إجراءات مواجهة نقص امدادات الطاقة الذى يتسبب غالبا فى حدوث أزمة طاقة تعانى منها كل قطاعات الاستهلاك فى الدولة، وتشمل أهم هذه الإجراءات.

التحسب الاستراتيجى شح الإمدادات عن طريق الاهتمام على نحو رئيسى بتنمية بدائل المصادر الأحفورية، على الأخص النفط والغاز.

لأنهما معرضان لتواتر الاختناقات فى حركة التجارة العالمية بسبب التوترات السياسية والعسكرية التى تصل كثيرا إلى حد الحرب، مما يتسبب فى نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار.

بالتالى إلى آفاق لا يمكن مجاراتها او تحملها ،كما تعد من أهم البدائل التى يتعين التوسع فيها الطاقات الجديدة والمتجددة على الأخص الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وطاقة الكتلة الأحيائية المحدثة.

وأضاف إن من أهم البدائل التى يلزم التوجه إليها مصادر الوقود الأحفورى التى يطول عمرها على الأرض، والتى لم تأخذ مصر بنصيبها منها حتى الآن مثل تكنولوجيا الفحم النظيف الذى يتوافر عالميا لمدة لا تقل عن 200 سنة قادمة.

وبلغت تكنولوجياته شأوا بعيدا جدا فى النظافة البيئية والحفاظ على المناخ، حتى أنه يساهم فى توليد %35 من الكهرباء العالمية فى أكثر من 70 دولة فى العالم، بينما مصر لم تأخذ نصيبها منه حتى الآن لانتشار الجهل على كل المستويات بالتقدم الهائل الذى بلغته النظافة البيئية والمناخية، لتكنولوجيا الفحم، وتعالى أصوات المعارضات المعوقة على الأخص من غير المختصين بعالم الطاقة، وهى الأصوات التى تمنع مصر حتى الآن من بناء المحطة الأولى للفحم، الذى يقدم سندا فى غاية القوة لأمن الطاقة خاصة فى ظل المزايا التشغيلية الرائعة التى تمتاز بها محطات التوليد الكهربى بالفحم على كل مصادر التوليد الكهربى الأخرى ماعدا التوليد النووى الذى يقف على منصة واحدة مع مزايا التوليد الكهربى بالفحم.

وأوضح إن الكهرباء النووية بديلا جوهريا لمجابهة نقص إمدادات الطاقة، وهى تتنامى حاليا فى العالم لما تمتاز به من اقتدار على مقاومة التغير المناخى، ما يبشر بانخفاض تكلفتها عالميا ووصولها إلى السعر الاقتصادى المشجع على بناء سلسلة من محطات الكهرباء النووية.

وأشار إلى إن الهيدروجين الأخضر من البدائل المهمة التى فى طور التطوير المتصاعد للوصول إلى الاستخدام التجارى المنتشر والمستقيم خاصة أنه بديل مستقبلى يستند فى الأساس على الطاقة المتجددة ويساعد على انتشارها فى الوقت ذاته.