فرص وآفاق تسوية الأزمة السودانية فى إطار المبادرة المصرية
شهدت الأزمة السودانية على مدى العامين الأخيرين من عمر تلك الأزمة والتى تقترب من نهاية عامها الثالث، تطورات وأحداثًا ذات مغزى عميق واضح الدلالة، تستوجب إدخال تعديلات على المبادرة المصرية لتتسق مع هذه التطورات، وخاصة أن تلك المبادرة هى المحور الرئيسى لتحركات الرباعية الدولية (مصر السعودية الإمارات الولايات المتحدة)، والتى تتجه إليها الأنظار وتتعلق عليها الآمال، للتوصل إلى تسوية للأزمة السودانية، لقد تواصل الصراع المسلح بين القوات المسلحة السودانية العمود الفقرى للمؤسسة العسكرية السودانية، ولنظام الحكم القائم فى السودان المعترف به إقليميا ودوليا بشرعية الأمر الواقع، والمتمسك بالمحافظة على وحدة السودان وسلامته الإقليمية، وبين ميليشيات الدعم السريع المدانة إقليميًا ودوليًا بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية والقتل والتدمير للبنى التحتية والنزوح واللجوء لملايين السودانيين. لقد شكلت - أى ميليشيا الدعم السريع - مع عدد من «القوى السياسية وحركات مسلحة» من أبرزها الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال «مجموعة تأسيس» بقيادة حميدتى، لتنفصل بذلك عن «مجموعة تقدم» بقيادة حمدوك التى شكلت بدورها عقب ذلك «مجموعة صمود»، وقد أعلنت مجموعة تأسيس عن تشكيل حكومة موازية فى المناطق التى تسيطر عليها - إقليم دارفور بولاياته الخمس/ والأطراف التى يدور حولها حتى الآن صراع مسلحة جنوب وشمال كردفان والنيل الأزرق - بل أعلنت عن تبنيها لإقامة دولة علماتية وهو تطور يحمل فى طياته تهديدا لوحدة السودان وسلامته الإقليمية بالتفتيت والتقسيم. هذا بينما تسيطر القوات المسلحة على باقى ولايات السودان - ما يقرب من 17 ولاية تنعم بقدر من الأمن والاستقرار - وتسعى لتحرير الولايات الأخرى من قبضة الدعم السريع. وهكذا يمكن القول إن المسرح السياسى فى السودان يتواجد عليه من القوى السياسية الرئيسية بجانب مجموعة من الأحزاب السياسية التقليدية - ذات وزن وتأثير وشعبية - مجموعات تضم كل من الكتلة الديمقراطية / صمود/ تأسيس، المؤتمر الوطنى (الإخوان المسلمين تم إدراجه مؤخرا كمنظمة إرهابية) والذى يثار بشأنه أنه حاضنة سياسية للقوات المسلحة السودانية والأخيرة حاضنة عسكرية له.
واقع الأمر أن هناك قوى إقليمية ودولية - يمكن رصدها وتحديدها - تساند وتدعم كل طرف فى مواجهة الطرف الآخر مما يطيل من أمد الصراع ويبدد موارد الدولة ومقدراتها وتتعاظم ما يواجه السودان من أوضاع اقتصادية متدهورة وإنسانية متدنية ومن مخاطر التفتيت والتقسيم.
تعددت المبادرات التى طرحت من قوى إقليمية ودولية - دول ومنظمات - حيث ركزت جميعها على مسارين فقط هما الأمنى العسكرى، ولم تحقق أى منها نتائج إيجابية ملموسة ربما باستثناء منبر جدة - المسار الأمنى العسكرى - حيث توقف عند عدم تنفيذ ما تقرر بصدد انسحاب قوات الدعم السريع من الأعيان. والمبادرة المصرية التى تجسدت فى مؤتمر القاهرة يوليو 2024 والتى اشتملت بجانب المسارين المشار إليهما،على مسار سياسى لحوار سياسى شامل، سوداني/ سودانى لمكونات المجتمع السودانى ومسار لإعادة البناء والأعمار، وتوقفت فى منتصف المسار السياسى لخلاف بين القوى السياسية المشاركة.
واقع الأمر أيضا أن تلك المبادرة، هى المطروحة حاليا ولو بشكل غير مباشر والجارى السعى نحو تفعيلها - وبمشاركة من الحكومة السودانية - من خلال الرباعية الدولية. وإذا كان هناك تقاطع فى مواقف دول الرباعية تجاه طرفى الصراع، إلا أنه أمر يمكن النظر فى معالجته وصولا لتوافق فيما بينها، وخاصة أن التطورات بمنطقة الشرق الأوسط - الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية - قد تعزز من ذلك - يتسق هذا التوافق - عبر تعديلات يتم إدخالها على المبادرة - مع ما يحظى به النظام القائم فى السودان من دعم وتأييد شعبى لقواته المسلحة.
مع دلالات ذات مغزى عميق تعزز من وضعيته إقليميًا ودوليًا، تتجسد فى إرهاصات عودة مكاتب منظمات إقليمية - الاتحاد الإفريقي/ ودولية، البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة - الأمم المتحدة - للتواجد فى الخرطوم. هذا فى وقت يفتقد الدعم السريع ومجموعة تأسيس التى ينتمى إليها أية شعبية، بلوتراجع وتحجيم نسبيا ما كان يحظى به من دعم وتأييد.
اتساقا مع ما تقدم يتعين تسوية وضعية الدعم السريع وأى مليشيات أخرى أيا كانت توجهاتها وانتماءاتها، بحتمية فك أى ارتباط بين أى قوى سياسية ومكون عسكرى كشرط لمشاركة تلك القوى السياسية فى الحوار السياسى الشامل، ولدمج أى مكون عسكرى غير نظامى، الدعم السريع، وأى ميليشيات أخرى بغض النظر عن انتمائاتها وتوجهاتها - فى نظام الـ DDR عبر إحياء المسار الأمنى العسكرى بمنبر جدة. وهى أمور تتم فى المجمل فى إطار المبادرة التى تستهدف عبر مساراتها الأربعة طبقا لرؤية مكونات الشعب السودانى تشكل حكومة - هيئة - مستقلة من الكفاءات مدنية انتقالية يتم التوافق عليها لتمهد لانتخابات حرة نزيهة وشفافة لإقامة نظام حكم مدنى ديمقراطى، يتأكد معه وحدة الدولة وسلامتها الإقليمية، والحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، وصيانة مقدرات الشعب السودانى، وعدم الاعتراف بأية كيانات موازية، والتوجه نحو مشروع دستور دائم عبر لجنة دستورية مختصة يتسق ورغبات الشعب السودانى فى إقامة نظام حكم مدنى ديمقراطى يتخذ من الفيدرالية أساساً ومنطلقا، والتزامًا بمبادئ ثورته حرية عدالة سلام.







