السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
السودان: ضوء يتلاشى فى نهاية النفق

السودان: ضوء يتلاشى فى نهاية النفق

تدخل الحرب الضروس فى السودان يوم 15 إبريل الحالى عامها الرابع، منذ اندلعت فى 15 إبريل 2023، عندما حركت قوات الدعم السريع- وهى ميليشيا أنشأها نظام البشير السابق للسيطرة على التمرد فى إقليم دارفور غرب السودان ولموازنة الجيش السودانى، حتى لا ينقلب على نظامه- قواتها إلى كل من مؤسسات الحكومة فى العاصمة الخرطوم، وإلى مطار مروى العسكرى فى المنطقة الشمالية، من أجل السيطرة على مفاصل ومؤسسات الدولة، ومحاصرة القيادة العامة للجيش وسط العاصمة، ومحاولة القضاء على قيادات الجيش، وعلى رأسها الفريق أول عبدالفتاح البرهان، رئيس المجلس السيادى، والقائد العام للقوات المسلحة، حيث هاجمت قوات الدعم السريع منزله، ونجا الفريق البرهان بمعجزة، بعد استشهاد معظم حرصه الخاص، وتوجه البرهان إلى القيادة العامة للقوات المسلحة لقيادة المعركة، وحيث حوصر عدة أشهر، قبل أن يتم فك هذا الحصار وتحرير القيادة، والخرطوم كلها بواسطة قوات الجيش السودانى فى مرحلة تالية من الحرب.



 

وجاءت الحرب لتعقب مرحلة من عدم الاستقرار والصراع السياسى فى السودان بدأت فى 19 ديسمبر عام 2018، عندما ابتعدت الثورة السودانية بصورة مفاجئة، نتيجة لخروج متظاهرين فى مدينة «عطبرة» الساحلية ذات الغالبية العمالية، احتجاجا على الأوضاع المعيشية المتدهورة، والنقص الكبير فى المواد الأساسية، كالخبز والوقود والمواد الغذائية.

وتدهور الخدمات وانهيار البنية الأساسية وانتشار ووضوح فساد الحركة الإسلامية الحاكمة، وانتشرت المظاهرات فى المدن السودانية، وهو ما كان غير متوقع بالنظر إلى عدة عوامل آنذاك، أهمها أن نظام الحكم فى السودان قد عبر بسلام من هذه الثورات التى سادت المنطقة عامى 2010/2011، ودون أن يحدث له تأثير مماثل، كما أن النظام قائم منذ 30 عاما منذ انقلاب الرئيس البشير على رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدى فى يونيو 1989، فيما عرف أثناءها بثورة الإنقاذ، وهى أطول فترة حكم لنظام عسكرى فى السودان، والذى شهد من قبل نظامين عسكريين، استمر أولهما، وهو نظام الرئيس عبود 6 سنوات، من عام 1958 إلى 1964، فى حين استمر الثانى وهو نظام نميرى 16 عاما، من عام 1969 إلى 1985، قبل إزاحة كليهما بثورة شعبية، كذلك زاد من مفاجأة قيام الثورة فى ديسمبر عام 2018، حقيقة أن النظام استطاع تقليم أظافر الأحزاب المعارضة التقليدية فى السودان، وتقسيمها إلى عدة أحزاب، وأهمها حزبا الأمة، والاتحادى الديمقراطى، واللذين انقسما وتفتتا إلى عدة أحزاب متنافسة، بل استطاع اجتذاب أبرز قيادات الحزبين للعمل مع النظام، وأهمها عبدالرحمن المهدى، ابن الصادق المهدى زعيم حزب الأمة، والحسن الميرغنى ابن محمد عثمان الميرغنى، زعيم الحزب الاتحادى الديمقراطى، وكلاهما كان مستشارا للرئيس البشير عندما قامت الثورة عليه، كذلك كان من المفترض أن النظام الإخوانى السابق قد أتم عام 2018 مرحلة التمكين المعروفة فى الخطاب السياسى الإخوانى المعتاد، حيث سيطر تماما على مفاصل ومؤسسات الدولة آنذاك.

إلا أن كل ذلك لم يمنع الانهيار السريع للنظام بعد 5 أشهر فقط من قيام الثورة، حيث تم فى إبريل 23019 الإعلان عن الإطاحة بالرئيس البشير من جانب قيادتى الجيش والدعم السريع، وأعقب ذلك توقيع وثيقة دستورية فى أغسطس من العام نفسه بين الثوار والمدنيين، والقوات المسلحة والدعم السريع، أدت إلى مشاركة الأطراف الثلاثة فى الحكم، وتعيين رئيس وزراء مدنى هو د. عبدالله حمدوك، الخبير الاقتصادى الدولى، والذى عمل من قبل فى الأمم المتحدة، لكن قلة خبرة الجانبين المدنى والعسكرى فى الحكم، وسيطرة الخلافات وعدم الثقة بينهما أدى إلى سقوط الوثيقة الدستورية الحاكمة فى 25 أكتوبر 2021، عندما احتجز مجلس السيادة العسكرى رئيس الوزراء ووزراءه، وأعلن سقوط الوثيقة، ثم تلى ذلك فترة من محاولة رأب الصدع، أدت إلى توقيع اتفاق إطارى للحكم فى ديسمبر 2022، كان من أهم بنوده دمج قوات الدعم السريع والحركات المسلحة فى الجيش السودانى، وهو ما أدى إلى ظهور العداء المتفاقم والمستتر حتى هذه المرحلة بين الجيش والدعم السريع، واتخاذ هذا العداء صورة علنية واضحة، حيث أصر الدعم السريع على فترة طويلة لكى يندمج مع الجيش، وهو ما رفضته تماما قيادات القوات المسلحة، وأدى الخلاف إلى اندلاع الحرب.

ومنذ بدء القتال مر الصراع العسكرى بثلاث مراحل، المرحلة الأولى فى أول عام من القتال شهدت تمددا للدعم السريع، حيث استولى على منطقة دارفور فى الغرب، فيما عدا عاصمة المنطقة «الفاشر»، كما استولى على أهم محافظات وأقاليم الوسط النيلى «الخرطوم- الجزيرة- سنار»، ثم تمكن الجيش السودانى فى العام التالى من تغيير الموجة واستعادة الوسط النيلى ومحافظاته وأقاليمه وعلى رأسها الخرطوم ثم الجزيرة وسنار، وبدأت المرحلة الثالثة فى 26 أكتوبر 2025 عندما تمكنت قوات الدعم السريع من الاستيلاء على مدينة الفاشر عاصمة إقليم دارفور فى معركة أعقبتها جرائم حرب واستباحة للمدينة، ومذابح للمدنيين، وحالات اغتصاب واستيلاء على الممتلكات، ثم استطاعت قوات الدعم السريع الاستيلاء على عدة مدن كبرى فى إقليم كردفان الذى يعد حاليا الساحة الرئيسية للصراع، حيث شملت هذه المدن عاصمة ولاية غرب كردفان، و«هجليج» الغنية بالبترول فى جنوب كردفان، كما استطاعت قوات الدعم السريع بتواطؤ إثيوبى فتح جبهة فى ولاية النيل الأزرق شرق السودان، والتى كانت تحت سيطرة الجيشش منذ بدء الصراع، حيث استولى الدعم السريع على مدينة «الكرمك» فى ولاية النيل الأزرق، وهى التطورات التى أدت إلى تغييرات كبيرة فى قيادات الجيش هذا الأسبوع، وعلى رأسها استبدال الفريق أول عثمان الحسين رئيس الأركان بالقائد المعروف الفريق أول ياسر العطا، وهو من أهم وأكفأ القيادات العسكرية السودانية.

فى ضوء كل ما سبق، كيف يبدو مستقبل السودان الشقيق.. فى الواقع، فإن المستقبل غامض ومفتوح على كل الاحتمالات، ومحفوف بكل أنواع المخاطر، فى ضوء عدة عوامل، أهمها أنه حتى قبل بدء القتال، فإن الثورة السودانية قد ورثت إرثا مثقلا وسلبيا للغاية من النظام السابق، بل يمكن القول أنها ورثت بقايا دولة وليس مجرد «شبه دولة»، حيث قسم النظام السابق السودان إلى دولتين، كما وقع فى عزلة دولية وتعرض لعقوبات اقتصادية منعت السودانيين المقيمين فى الخارج من تحويل أموالهم إلى بلادهم، كما انهارت البنية التحتية والخدمات الحكومية تماما، وانهار الاقتصاد وسقطت قيمة الجنيه السودانى من 7 جنيهات للدولار إلى 3700، كما ارتفع التضخم إلى 271 ٪ المعدل الثانى فى الارتفاع على مستوى العالم بعد فنزويلا، كما تواجد السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب، وتوجه المحكمة الجنائية الدولية اتهامات بجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية للرئيس السابق البشير ووزير دفاعه عبدالرحيم حسن، وعدد من كبار مسئوليه الأمنيين، كما تواجد فى السودان عند سقوط النظام 8 جيوش وحركات انفصالية كبرى، و104 ميليشيات مسلحة، ثم جاءت الحرب، ليزداد هذا الإرث ثقلا، وتتفاقم المشاكل والأزمات، حيث انهارت البنية التحتية خرجت مثلا 80 ٪ من المستشفيات من الخدمة وتوقفت الجامعات والمؤسسات التعليمية، ودمرت الجسور ومحطات الكهرباء والطرق، وتشرد حوالى 15 مليونا بين نازح داخل السودان ولاجئ خارجه، وأصبح نصف السكان 25 مليونا من 47 مهددين بالمجاعة وسوء التغذية وفقا لتقارير منظمات الأمم المتحدة.

ومما يزيد من تفاقم الأزمة وصعوبة التسوية الافتقار الكامل للثقة للرأى العام السودانى وقيادات الجيش فى قيادات الدعم السريع، مما أدى إلى فشل جهود المجتمع الدولى للتسوية كإعلان مبادئ جدة لوقف إطلاق النار عام 2023، ومؤتمر جنيف فى أغسطس 2024، ومبادرة دول الجوار فى يوليو 2023، ومبادرة الرباعية «مصر - السعودية - الإمارات - الولايات المتحدة فى سبتمبر - أكتوبر 2025»، كذلك فإن انشغال الأطراف الإقليمية والدولية حاليا بأزمات متفجرة أخرى، وأهمها الوضع فى الشرق الأوسط، يجعل من احتمالات ظهور مبادرات أخرى، أو استئناف الجهد المكثف لوضع المبادرات السابقة موضع التنفيذ أمرًا غير متوقع، على الأقل على المدى القصير.

وفى هذا السياق، فى إطار التطرق لمواقف القوى الخارجية، يجب التأكيد- ودون أية مجاملة وبأكبر قدر من الموضوعية- على أن الدور المصرى منذ اندلاع الثورة السودانية، وقبل وبعد انفجار القتال، كان الأوضح والأكثر ثباتا وذا المعالم المحددة، كما أن الخطوط المصرية الحمراء فى السودان لا تخفى على أحد، حيث أكدت القاهرة دائمًا- ولا تزال، على أن وحدة السودان واستقراره والحفاظ على مؤسساته الوطنية وعلى رأسها القوات المسلحة، هى خطوط حمراء لا تسمح بالمساس بها، كما أكدت مصر على أن الميليشيات فى كل الدول التى تواجه أزمات وجودية فى المنطقة كانت سببًا رئيسيًا فى فشل وأزمات تلك الدول، كما لم تتوقف القاهرة عن طريق الدعم السياسى والتنموى والإغاثى فى وضع هذه المبادرات موضع التطبيق، وتدعو القاهرة أيضا إلى إنهاء تعليق عضوية السودان فى الاتحاد الأفريقى، كما رفضت بصورة قاطعة، وكانت أول من أعلنت هذا الرفض- تشكيل الدعم السريع لحكومة سودانية فى دارفور، مما يعد مسمارًا فى نعش وحدة أية دولة.

وفى النهاية، وبناء على كل ما سبق، فإن السودان يمر بمرحلة حاسمة الآن يتقرر فيها مستقبله، وسيكون العامل الحاسم فيها- فى رأيى- هو موقف السودانيين أنفسهم، قياداتهم وتياراتهم السياسية، وأحزابهم، والإرادة الشعبية، وإدراكهم أن الأولوية الأولى يجب أن تكون تسيير سفينة الدولة، ووضع المصالح الوطنية قبل أى مصالح أو مطامع ضيقة، سواء كانت شخصية، أو حزبية، أو جهوية، أو قبلية، أو عائلية، فإذا أغرقت سفينة الدولة - لا قدر الله - فلا معنى لمنصب أو سلطة، فالكل سيصبح- وبلا استثناء- إما نازحًا، أو لاجئًا، أو تحت القصف مفتقدا للأمان، والعاقل من اتعظ بغيره، ومن يتعظ بهم كثيرون فى المنطقة للأسف.