هل يواكب المواطن سرعة التحول الرقمى؟
مروة فتحى
فى الوقت الذى تتجه فيه الدولة المصرية بقوة نحو التحول الرقمى وتقديم خدماتها عبر الإنترنت، لم يعد الذهاب إلى المصالح الحكومية هو الخيار الوحيد أمام المواطنين، بل أصبح الهاتف المحمول أو جهاز الكمبيوتر بوابة لإنهاء الإجراءات.
لكن هذا التحول يطرح سؤالًا مهمًا: هل يمتلك جميع المواطنين نفس القدرة على الوصول إلى هذه الخدمات؟ فبين طموح الحكومة لبناء «حكومة أونلاين» توفر الوقت والجهد، وواقع يعانى فيه البعض من بطء الإنترنت أو ارتفاع تكلفة الباقات، تتشكل فجوة رقمية قد تؤثر على عدالة الوصول إلى الخدمات، وبينما يرى البعض أن الرقمنة خطوة نحو التحديث، يعتبرها آخرون عبئًا إضافيًا فى ظل تحديات اقتصادية وتقنية مازالت قائمة.
أرقام وإحصاءات
وفقًا تقرير DataReportal لعام 2025، بلغ عدد مستخدمى الإنترنت فى مصر نحو 96.3 مليون مستخدم، بنسبة انتشار تصل إلى %81.9 من إجمالى السكان، فيما لا يزال نحو %18 من المواطنين خارج نطاق الاستخدام، وهو ما يعكس استمرار وجود فجوة رقمية قد تؤثر على قدرة بعض الفئات على الاستفادة من الخدمات الحكومية الإلكترونية.
وتظهر الفجوة الرقمية بشكل أوضح عند المقارنة بين المناطق الجغرافية، حيث تصل نسبة استخدام الإنترنت فى المدن إلى نحو %84، بينما تنخفض فى الريف إلى حوالى %63، بحسب تقرير NAOS Solutions، ما يطرح تحديًا حقيقيًا أمام تعميم الخدمات الإلكترونية بشكل عادل.
وفيما يتعلق باستخدام الخدمات الحكومية، تشير بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن نحو %51.5 من الشباب فى مصر سبق لهم استخدام خدمات حكومية إلكترونية، وهو ما يعكس تزايد الاعتماد على المنصات الرقمية، لكنه فى الوقت نفسه يكشف عن فجوة فى الاستخدام بين الفئات العمرية المختلفة.
وعلى مستوى البنية التحتية، أوضحت تقارير وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات أنه تم ربط أكثر من 20 ألف مبنى حكومى بشبكات الألياف الضوئية، إلى جانب وصول عدد اشتراكات الإنترنت الأرضى إلى نحو 11.9 مليون اشتراك، ما يعكس توسعًا فى البنية الأساسية، رغم استمرار شكاوى المستخدمين من جودة الخدمة فى بعض المناطق.
وعلى الصعيد الدولى، تحتل مصر المرتبة 95 عالميًا فى مؤشر الحكومة الإلكترونية، وفق تقديرات Masaar، ما يشير إلى تقدم نسبى فى مسار التحول الرقمى، لكنه يعكس فى الوقت نفسه الحاجة إلى مزيد من الجهود لتعزيز كفاءة الخدمات وضمان وصولها لجميع المواطنين.
ينعكس التحول نحو الخدمات الحكومية الإلكترونية بنفس الدرجة على جميع المواطنين، إذ تتباين التجارب بين من يرى فيها تسهيلًا حقيقيًا، وآخرين يواجهون تحديات تقنية يومية، إذ تقول سهى عبد العزيز (28 عامًا)، موظفة بالقاهرة، إنها استخدمت إحدى المنصات الحكومية لاستخراج بدل فاقد لبطاقة التموين: «وفرت عليا مشوار وطوابير، بس الموقع كان تقيل جدًا ووقف كذا مرة، واضطريت أعيد الخطوات من الأول»، وتعكس هذه التجربة جانبًا من التحديات المرتبطة بكفاءة المنصات الرقمية، حيث لا تقتصر المشكلة على إتاحة الخدمة، بل تمتد إلى جودة الأداء وسهولة الاستخدام.
وشارك أحمد عبدالعليم (38 عامًا) تجربته مع بوابة «مصر الرقمية»، قائلًا إنه استخدم المنصة عدة مرات لاستخراج شهادات الميلاد والوفاة والقيد العائلى، وتم توصيل المستخرجات إلى المنزل فى أقل من ثلاثة أيام، وأضاف أن الإجراءات الرقمية أسهل وأسرع مقارنة بالسجل المدنى، حيث إن استخراج القيد العائلى عادةً يتطلب تقديم شهادات ميلاد ووفاة وقسائم الزواج، بينما عبر البوابة يكفى أن تكون المستندات مطبوعة مسبقًا ليتم استخراج القيد مباشرة، مما يوفر الوقت والجهد والمال على المواطنين ويجنبهم الانتظار الطويل فى الطوابير.
وتطرح إيناس صفوت (42 عامًا)، ربة منزل، زاوية مختلفة تتعلق بالتكلفة غير المباشرة: «بدل ما أروح المصلحة، بقيت بخلص أونلاين.. بس بحتاج باقة إنترنت أكبر، يعنى اللى وفرته فى الوقت بدفعه فى النت»، مسلطة الضوء على بعد اقتصادى مهم، حيث قد تتحول الخدمات الرقمية إلى عبء إضافى على بعض المواطنين، فى ظل ارتفاع تكلفة الإنترنت مقارنة بمستويات الدخل.
وفى المناطق الريفية، يقول عم إبراهيم (55 عامًا): «أنا معرفش أتعامل مع المواقع دى، وبروح لحد يخلصها لى.. الموضوع محتاج حد فاهم أو إنترنت كويس»، موضحًا أن التحدى لا يتعلق فقط بالبنية التحتية، بل يمتد إلى مهارات الاستخدام والقدرة على التعامل مع التكنولوجيا، ما يطرح تساؤلات حول مدى شمولية التحول الرقمى لكافة الفئات.
وتؤكد دكتورة هدى الملاح، مدير عام المركز الدولى للاستشارات الاقتصادية وعضو هيئة التدريس بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحرى، أن التحول الرقمى فى مصر أصبح ضرورة وليس رفاهية، مشيرة إلى أن الحديث عنه أصبح ملحًا فى ظل توجه الدولة نحو الرقمنة.
وأوضحت الملاح أن التحول الرقمى يساهم فى خفض الإنفاق الحكومى على المدى المتوسط والطويل، رغم أن البداية تتطلب استثمارات كبيرة فى البنية التحتية التكنولوجية، مثل الشبكات والأنظمة والتدريب. هذا الاستثمار الأولى يؤدى لاحقًا إلى تقليل الاعتماد على الورق، خفض تكاليف التشغيل، تقليل الهدر والفساد الإدارى، وتحسين كفاءة تحصيل الإيرادات، ما يعزز موارد الدولة ويجعل الإنفاق الحكومى أكثر كفاءة.
وأشارت إلى أن المواطنين قد يتحملون بعض التكاليف المباشرة، مثل باقات الإنترنت أو امتلاك جهاز ذكى، إلا أن التحول الرقمى يحقق وفورات غير مباشرة تشمل تقليل تكلفة المواصلات، توفير الوقت، وتقليل الاحتكاك البيروقراطى، ما يجعل النظام فى المجمل أقل تكلفة على المواطن إذا أُديرت المنظومة بشكل عادل.
كما لفتت إلى أن التحول الرقمى قد يزيد من الفجوة الرقمية بين المواطنين إذا لم يتم التعامل معه بشكل مدروس، حيث يمكن أن تواجه بعض الفئات، خاصة فى المناطق الريفية وكبار السن، صعوبة فى الوصول إلى الخدمات الرقمية، لذلك، من الضرورى أن يصاحب التحول الرقمى سياسات داعمة، مثل توفير إنترنت منخفض التكلفة، إنشاء مراكز خدمة مساعدة، وتنفيذ برامج تدريب وتأهيل رقمى للمواطنين.
بالنسبة للسياسات التى تضمن توازنًا بين تقليل تكلفة الدولة وعدم تحميل المواطن أعباء إضافية، اقترحت الملاح عدة محاور: الاستثمار فى البنية التحتية الرقمية خاصة فى المناطق الأقل حظًا مع تشجيع الشراكة مع القطاع الخاص، تقديم دعم اجتماعى رقمى مثل باقات إنترنت مدعومة أو أجهزة بأسعار مناسبة للفئات منخفضة الدخل، تطبيق التحول بشكل تدريجى من خلال الجمع بين الخدمات الرقمية والتقليدية لفترة انتقالية، الاستثمار فى العنصر البشرى عبر تدريب الموظفين ورفع الوعى الرقمى لدى المواطنين، وضع إطار قوى لحماية البيانات وضمان الخصوصية، وتبنى سياسات تسعير عادلة بحيث تظل الخدمات الأساسية متاحة للجميع.
واختتمت الملاح بتأكيد أن التحول الرقمى ليس مجرد تطوير إدارى، بل تحول اقتصادى واجتماعى شامل، وأن نجاحه لا يقاس فقط بسرعة الخدمات، بل بمدى قدرته على تحقيق العدالة فى الوصول إليها، مشددة على أن التحدى الحقيقى يكمن فى الاستفادة من التكنولوجيا دون أن تُترك أى فئة خلفها.
من جانبه، قال المهندس محمد الحارثى، خبير تكنولوجيا المعلومات: إن سرعة الإنترنت وجودة الخدمة فى مصر فى تحسن مستمر، مشيرًا إلى أن جائحة كورونا كانت اختبارًا حقيقيًا للبنية التحتية الرقمية المصرية، والتى تمكنت من تحمل الضغط الكبير الناتج عن كثافة استخدام الإنترنت فى تلك الفترة.
وأوضح الحارثى أن معظم العاملين فى القطاع الحكومى والعمل عن بعد يعتمدون على نفس الأعداد والأجهزة المستخدمة مسبقًا، ما يجعل المسألة ترتبط أكثر بإعادة توزيع نطاقات كثافة استخدام الإنترنت حسب الحاجة.
وأشار الحارثى إلى أن الألياف البصرية والفايبر موجودة فى عدد كبير من المناطق، بما فيها قرى حياة كريمة، ما يغطى جزءًا كبيرًا من احتياجات المواطنين والخدمات الرقمية.
أما وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فقد أكدت أن منصة «مصر الرقمية» تمثل محور التحول الرقمى فى تقديم الخدمات الحكومية للمواطنين، وأن هدف الوزارة هو تقديم هذه الخدمات بشكل ميسر وممكن وفعال.
وكان الوزير السابق دكتور عمرو طلعت قد أوضح أن المنصة تضم حاليًا أكثر من 200 خدمة حكومية رقمية، ويستخدمها نحو 10.4 مليون مواطن حتى عام 2025، مع استمرار التوسع فى الخدمات المقدمة، يشمل ذلك التحقق من مخالفات المرور، والمدفوعات الحكومية، وتقديم الطلبات الإلكترونية المختلفة، دون الحاجة للمراجعة الورقية.
وفيما يتعلق بالبنية التحتية الرقمية، أكدت الوزارة أن تطويرها هو ركيزة رئيسية لنجاح خدمات الحكومة الأونلاين، حيث تم ربط نحو 20 ألف مبنى حكومى بشبكات الألياف الضوئية، كما يتم مد كابلات الألياف إلى قرى ومراكز مبادرة «حياة كريمة»، إضافة إلى خطة لزيادة عدد أبراج الاتصالات وتحسين جودة الشبكات على المستوى الوطني.، كما يشمل التطوير الاستثمارات فى خدمات الإنترنت الثابت والمحمول بقيمة إجمالية تبلغ نحو 6 مليارات دولار لتعزيز سرعة وجودة الاتصال.
ولمعالجة التحديات المرتبطة بالوصول للخدمات، تولى الوزارة اهتمامًا مباشرًا ببرامج تنمية القدرات الرقمية للمواطنين، بما فى ذلك تدريب وتأهيل الشباب ومختلف الفئات لرفع مهاراتهم الرقمية، ضمن استراتيجيات أوسع لتحسين الوعى والاستخدام الفعّال للخدمات الرقمية، وهو ما يشكل دعمًا مباشرًا لمنظومة الخدمات الرقمية فى مواجهة تحديات الإنترنت والباقات.







