الكنائس تتزين الأقباط يحتفلون بعيد القيامة المجيد
وفاء وصفى
فى أجواء تغمرها البهجة وتفيض بالروحانية، تستعد الكنائس المصرية للاحتفال بعيد القيامة المجيد، أحد أهم الأعياد الكنسية، حيث تتزين بالأنوار ومجسمات قبر السيد المسيح، وتتعالى الألحان إيذانًا بانتهاء أسبوع الآلام وبداية أفراح القيامة.
ويحيى الأقباط قداس ليلة العيد وسط إجراءات تأمينية معتادة بدأت مع انطلاق أسبوع الآلام، فى مشهد يجمع بين عمق الطقوس الدينية ومظاهر الفرح التى تميز الاحتفال فى مصر.
وبينما تعيش الكنائس هذه الأجواء المبهجة، تتجه أنظار الملايين حول العالم إلى كنيسة القيامة بالقدس، حيث يُنتظر انبثاق النور المقدس فى سبت النور، فى طقس يُعد من أقدس وأقدم الشعائر المرتبطة بعيد القيامة.
ويأتى الاحتفال هذا العام وسط قيود أمنية مشددة وإجراءات استثنائية تحدّ من أعداد الحضور، ما يقلل من الزخم المعتاد، دون أن ينتقص من رمزية الحدث أو مكانته الروحية لدى المؤمنين.
ويشتهر قداس عيد القيامة بصلوات تمثيلية القيامة التى تتم بعد إطفاء أنوار الكنيسة بين الأسقف والشمامسة، حيث يقول كل طرف للآخر: «اخرستوس انستى، اليثوس انستى» وهى كلمات يونانية تعنى: «المسيح قام، بالحقيقة قام».
وتنتهى التمثيلية بإضاءة الأنوار مع فتح ستر الهيكل وترتيل الألحان الفرايحى مع انطلاق الزغاريد والتهنئة بالعيد.
كما يحتفل الأقباط اليوم بسبت النور أو سبت الفرح، وهو اليوم الذى يحتفل فيه ملايين المسيحيين حول العالم بذكرى قيامة المسيح من الموت بعد واقعة صلبة، وتكون معجزة ظهور النار المقدسة أو النور المقدس الخارج من قبره بكنيسة القيامة بالقدس هى الحدث الرئيسى لعيد القيامة وتعد محط أنظار الشعوب حول العالم.
وتتجدد المعجزة كل عام منذ قرون، وهى من أكثر المعجزات المصدقة والتى وُثقت لأول مرة فى العام 1106 ميلاديًا، وتُتابع ظهور النار المقدسة شعوب العديد من الدول، حيث تسافر الجموع من بلدان العالم للقدس سنويًا لمشاهدة المعجزة والتبرك بها.
ويشتهر هذا اليوم بظهور النار المقدسة التى لا تحرق لمدة 10 دقائق حين يقوم بطريرك الروم الأرثوذكس ومعه رئيس أساقفة الأرمن والقيادات دينية ويقوم بترأس الصلاة، ثم يبدأ بإزالة ملابسه الدينية ويدخل وحده إلى قبر السيد المسيح.
كما يتم تفتيش البطريرك الذى يدخل القبر بجلباب أبيض خال من الجيوب ولا يحمل معه أى شىء حتى أنه ينزع كل شىء عن رأسه.
ويردد الجمهور المنتظر خارج القبر «كيرياليسون»، وهى كلمة يونانية معناها «يا رب ارحم» ثم بعد ذلك تنزل النار المقدسة على 33 شمعة بيضاء فى رزمة واحدة فى القبر ثم يكشف البطريرك عن نفسه ويقوم بإشعال 33 أو 12 شمعة أخرى ليتم توزيعها على المصلين فى الكنيسة وهذه النار لا تحرق أو تؤذى من يلمسها،ولا تحرق الشعر أو الوجه.
ويتنافس الحضور فى تصوير هذه المعجزة وهم يصوبون النار على وجوههم وأياديهم فى فرحة دون أن تصيبهم بأذى.
تكون النار عادةً باللون الأزرق لكن قد يتغير اللون ويتخذ أشكالًا وألوانًا مختلفة وفى بعض الأحيان يغطى النور الحجر، مكان موضع المسيح فقط، بينما فى أحيان أخرى يغطى الضوء الغرفة كلها حتى إن الناس الموجودة خارج القبر تستطيع أن ترى الضوء المنبعث من القبر.
وظهر أول توثيق عن انبثاق النور المقدس فى كنيسة القيامة فى أوائل القرن الرابع، حيث وجدت فى مؤلفات القديس يوحنا الدمشقى والقديس غريغوريوس النيصى، أن الرسول بطرس رأى النور المقدس فى كنيسة القيامة، بعد قيامة المسيح، سنة 34 للميلاد.
ويسبق سبت النور أسبوع البصخة والبصخة هى كلمة عبرية تعنى العبور وهى إشارة إلى العبور من الظلمة إلى النور عن طريق قصة الصلب.
ويبدأ هذا الأسبوع بأحد «الشعانين» أو «أحد السعف»، وكانت الكنيسة قديمًا تحتفل بأسبوع الآلام مرة كل ثلاث وثلاثين سنة وثلث، هى مدة حياة المسيح على الأرض فى حين كان الصوم سنويًا الا ان الكنيسة وجدت أنها مدة طويلة جدا ومن الممكن أن الإنسان يولد ويموت،دون أن يحتفل به ولذلك تم الحاقه بالصوم الأربعينى وأصبح يحتفل به سنويًا.
أمّا فى مصر، فقد عُرف صوم هذا الأسبوع المقدس فى القرن الثالث الميلادى سنة 329 م، واستقر سريعًا فى كنيسة الإسكندرية.
ولكن اختلفت بداية أسبوع الآلام؛ ففى القرون الخمسة الأولى كان بَدء صوم الأيام الستة المقدسة يوم الإثنين، وكان صومًا مستقلًا عن الصوم الأربعينى المقدس، فى القرن العاشر نجد إشارات ودلائل على أن بداية «أسبوع الآلام» كانت من يوم السبت، وليس يوم الإثنين التقليد الأورُشَليمى القديم، فيكون بَدء أسبوع الآلام من سبت لعازر.
ومن القرن الثالث عشر عاد التقليد القبطى لبَدء أسبوع الآلام من الإثنين.
ومن العادات الشعبية المصرية فى أسبوع الآلام أن تُتناول بضع أكلات معينة فى هذا الأسبوع، فيوم الأربعاء يُؤكل الفَريك، والخميس يُؤكل العدس، وفى الجمعة النابت والطعمية ويُشرب الخل، ويقوم البعض بتكحيل العين يوم سبت النور، وهى عادة قديمة متوارثة عبر الأجيال.
كما يستحم البعض يوم أربعاء أيوب بنبات الرعرع المعطر- وسُمِى بأربعاء أيوب، لأنه يُقرأ فيه سفر أيوب كله، وتقول القصة الشعبية إن أيوب البار بعد أن شفاه الله من البلايا، التى أصابت جسده استحم الرعرع.
وبعض الرهبان والنساك يصومون من أحد الشعانين دون أكل حتى عيد القيامة، وبعضهم لا يأكل إلا القليل من الدُّقة بالعيش الناشف وقت المساء.
وأسبوع الآلام مظاهر احتفالية خاصة فى دول العالم، فمثلًا: من يوم الأربعاء حتى يوم الأحد يُمنع السلام، وذلك إشارة ليهوذا الخائن، الذى باع السيد المسيح بثلاثين من الفضة، ولذلك لا يقوم الشعب بتقبيل أيدى الكهنة، كما هو معتاد.
أمّا يوم خميس العهد فيقوم الكاهن أو الأسقف، الذى يصلى بغسل أرجل الكهنة والشمامسة والشعب، وذلك إشارة إلى غسل السيد المسيح أرجل تلاميذه ليعلمهم الاتضاع.
أمّا يوم الجمعة العظيمة فى بعض دول العالم، فله مظاهر احتفالية خاصة جدًا: ففى الفلبين تُغلق أغلب المحال التِجارية، وتُوقف المبادلات التجارية والحفلات فى هذا اليوم، وفى دول أمريكا الجنوبية يقوم الشبّان بتمثيل حى لآلام السيد المسيح.
فى حين تُقام فى إسبانيا مسيرات الجمعة العظيمة فى أنحاء المملكة كافة؛ وأبرزها المسيرة التى تُقام فى مدينة إشبيليه، أمّا فى القدس فيُحتفل بطريق الآلام بحسب مواقعه التقليدية فى المدينة القديمة بَدءًا من قلعة أنطونيا، وحتى كنيسة القيامة، وفى الولايات المتحدة الأمريكية يُحتفل أيضًا بحمل صليب كبير على مثال الصليب، الذى حمله المسيح.
ويرتبط عيد القيامة وحساب الأبقطى وهو الحساب الذى وضع قواعده البابا ديمتريوس الكرام البطريرك الثانى عشر من باباوات الكرسى السكندرى. والذى يحسب بواسطته موعد الأعياد الكنسية المتنقلة وعيد القيامة المجيد واعتمد فى ذلك على حساب علم الفلك المعاصر الذى وضعه بطليموس الفلكى صاحب كتاب «المجسطى».
وهو هو الذى تمكن من ضبط حساب لتحديد ميعاد ذبح الخروف عند اليهود وتحديد موعد عيد القيامة عند المسيحيين وكان يوجه منشورا كل عام لكنائس العالم أجمع يحدد فيه موعد عيد القيامة.
وكلمة الأبقطى معربة من الكلمة اليونانية ومعناها «الباقى»؛ وقد دخلت كلمة إلى القبطية بنفس المعنى وتعنى فاضل الشمس وفاضل القمر.
وحساب الأبقطى هو عبارة عن حسابات تجرى للوصول إلى موعد الفصح عند اليهود وبالتالى موعد عيد القيامة وما يسبقه من أصوام وما يلحقه من الخماسين وبعض الأعياد، ولأن الباقى أو الفاضل من العمليات الحسابية يؤخذ به فى خطوات العمليات الحسابية لذلك اشتهر الحساب باسم حساب الأبقطى أو الفاضل أو الباقى، وهذا الحساب يعتبر ملتزما إلى حد كبير جدا بالأسس التى وضعها ميتون فى ما يسمى دورة ميتون التى يسير عليها التقويم العبرى، والتى تعمل على التوفيق بين السنة الشمسية، والسنة القمرية.
وقد سجل القرن الثانى الميلادى جدلا طويلا بين فريقين من الكنائس حول تحديد موعد عيد القيامة. المسيحيون فى آسيا الصغرى وكيليكيا وبين النهرين وسوريا كانوا يعيدون فى اليوم الرابع عشر من شهر أبريل أو نيسان العبرى تذكارا للصلب، واليوم السادس المذكور القيامة وذلك فى أى يوم من أيام الأسبوع سواء صادف الجمعة للصلب والأحد للقيامة أو لم يصادف.
وكانوا فى يوم 14 عندما يجرون تذكار الصلب يفطرون اعتقادا منهم أن هذا اليوم هو يوم تحرير الجنس البشرى من العبودية، ويصرفون يوم الصلب فى الحزن وبعد الفريق يقول أنه تسلم هذه العادة من القديسين يوحنا وفيلبس الرسولين.
أما المسيحيون فى بلاد اليونان ومصر وفلسطين فلم يجعلوا اليوم (14، 16 نيسان) أهمية بقدر أهمية الجمعة كتذكار للصلب والأحد كتذكار للقيامة.
وقد استمر الحال على هذا المنوال إلى أواخر القرن الثانى، وأوائل القرن الثالث الميلادى فعقدت مجامع مكانية مختلفة بعضها حكم بأن يعيد المسيحيون عيد القيامة فى يوم الأحد ولا يحل الصوم قبل ذلك،ومن هذه المجامع انعقد مجمع روما سنة 198م برئاسة البابا فيكتور الذى أيد رسالة البابا ديمتريوس الكرام.
وكان لكنيسة الإسكندرية موقف رائد نحو هذا الخلاف وقد حدد البابا دمتريوس الكرام بأن يكون الفصح المسيحى فى يوم الأحد التالى للفصح اليهودى.. وكتب إلى روما وأنطاكية وبيت المقدس موضحا لهم كيفية استخراج الحساب فلم يجد ممانعة فى شئ البتة، بل قبلته الاغلبية حيث أوضح لهم ضرورة أن يكون الفصح المسيحى بعد الفصح اليهودى لأن المسيحيين يعتقدون أن المسيح عمل الفصح مع الإسرائيليين فى اليوم الرابع عشر من نيسان ثم تألم بعد ذلك.
أما الرسائل الفصحية التى كان يبعث بها بابوات الإسكندرية فهى رسائل متضمنة تعيين يوم الفصح المسيحى اعتمادا على أن مدرسة الإسكندرية كانت تعتنى بالحساب الفلكى لتعيين موعد اليوم الرابع عشر من نيسان الذى يكون عادة فى الاعتدال الربيعى. ولذلك كان حاملو هذه الرسائل يجوبون البلاد شرقًا وغربًا لكى يحتفل المسيحيون جميعا بالفصح فى يوم واحد.







