السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
(واصطفاك على نساء العالمين): السيدة مريم.. العذراء!

(واصطفاك على نساء العالمين): السيدة مريم.. العذراء!

فى القرآن الكريم تبدأ قصة السيدة مريم قبل ولادتها حين نذرتها أمُّها لله تعالى: (إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّى إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) آل عمران 35.



فى قوله تعالى: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ)، «عمران» هو أبو السيدة مريم وجد المسيح عيسى عليه السلام، فقد أرادت امرأة عمران أن تقدم لله ما فى بطنها من جنين تصورته مولودًا ذكرًا يكون فى خدمة الدعوة إلى الله.

وقد جاءت كلمة «ابنة» فى القرآن مرة واحدة مقترنة باسم مريم: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ) التحريم 12، وتم تعريفها بنسبتها إلى أبيها ولذلك كتبت «ابنت» بالتاء المفتوحة.

القرآن لم يذكر اسم أم مريم وقال عنها امرأة عمران لعدم أهمية الاسم فى القصة، وجاء فى الروايات إن اسمها «حِنا»: (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) آل عمران 36.

فكلامُ امرأة عمران هو ما جاء فى الآية مع وجود جملة اعتراضية تقطع كلامها من قول الله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى)، ثم تكمل قولها: (وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ).

ومع ذلك انتشر مفهوم أفضلية الذكر على الأنثى، بتأويل قوله تعالى: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى)، باعتباره من كلام امرأة عمران وكأنه اعتذارٌ منها عن إنجاب أنثى، مع أن جملة: (وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى)، هى جملة اعتراضية من قوله تعالى توسطت ما قالته امرأة عمران.

ولو كانت الجملة من قول امرأة عمران كان عليها أن تقول: «وأنت أعلم بما وضعتُ» بضم التاء، وذلك بعد أن قالت: (رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَا أُنثَى)، أمّا عن مسألة تفضيل الله تعالى للذكر على الأنثى فهى غير صحيحة؛ لأن الله تعالى مُنَزّه عن التحيز لأحد، ولا يكرم خلقًا على الآخر إلا بالتقوَى والعمل الصالح. 

قالت: (إِنِّى نَذَرْتُ)، أرادت أن تقدم ما تصورت أنها ستلده ذَكرًا ليكون فى خدمة الدعوة إلى الله، والله تعالى يعلم ماذا وضعت لأنه خَلق ما فى بطنها، وكلمة: (مُحَرَّرًا) يعنى محرّر من الأهواء لا يريد إلا وجه الله.

فلما ولدتها أنثى ظنت أن الأمر اختلف، ولكن يطمئنها تعالى أن المولودة وإن كانت أنثى فستكون فى خدمة الدعوة إلى الله، فالذكور ليسوا هم فقط مَن يقومون بخدمة الدعوة إلى الله، فالمولودة الأنثى لا تختلف عن الذكر، وقد تكون الأنثى خيرًا من الذكر، وكل منهما له طبيعته وخصائصه.

قبل نزول القرآن الكريم كان كفار قريش حسب ثقافتهم يحتقرون الأنثى ويعتبرونها عارًا، ومع ذلك جعلوا الملائكة إناثًا ثم نسبوهن كبنات لله تعالى: (وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِى التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) النحل 57.

فالآية تكشف فكرهم ونظرتهم الدونية للأنثى، وأيضًا تصورهم السيئ لله تعالى، وبذلك تعبر الآية عن فكر المشركين ولا تعبر عن نظرة القرآن الكريم للأنثى. 

لقد وُلدت مريم يتيمة وتكفل بتربيتها زوج خالتها النبى زكريا عليه السلام: (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا) آل عمران 37، نشأت مقيمة فى المحراب وهو غرفة يعتزل فيها العابد وكأنه محارب للشهوات.

فى القرآن الكريم جاءت السيدة مريم نموذجًا للزهد فى الدنيا والتقوَى والإيمان الخالصين لوجهه تعالى، وجاءت قصتها فى سورة آل عمران، وفى سورة مريم، وهى المرأة الوحيدة التى تم ذكر اسمها فى القرآن الكريم، وسُميت باسمها إحدى سور القرآن.

أمّا عن السيدة مريم فقد تقبلها تعالى بأفضل أنواع القبول: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) آل عمران 37؛ لأنها جاءت محررة من الشرك ومن الرغبات الدنيوية.

فالقبول والنشأة الحسنة يتضحان فى الاصطفاء الأول بخدمتها للدين بالرغم من أنها أنثى، ثم التطهير من المعصية، ثم الاصطفاء الثانى على نساء العالمين: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) آل عمران 42.