السينما ترمم ما أفسدته السياسة
هوليوود فى خدمة «أمريكا»
آلاء شوقى
تشهد الولايات المتحدة واحدة من أكثر لحظاتها اضطرابًا، وهى تخوض صراعات متشابكة على أكثر من مستوى، بداية من الحرب العسكرية مع إيران، وصولاً إلى تصاعد موجات الاستقطاب العالمى تجاه سياسة واشنطن، مرورًا بالانقسامات الداخلية الأمريكية.
وفى خضم هذا المشهد المعقد، تبرز القوة الناعمة لتلعب دورها التقليدى فى محاولة ترميم التفكك الأمريكى، وإعادة تشكيل صورتها أمام العالم، فى وقت عجزت فيه الخطابات السياسية عن رأب هذا الصدع، لتتدخل السينما من أجل إعادة صياغة الحكاية الوطنية، وتقديم نسخة أكثر تماسكًا وإقناعًا عن الهوية الأمريكية.
ولعل الحظ كان حليف صناع السينما؛ حيث تبرز الذكرى الـ250 لاستقلال «الولايات المتحدة»، كطوق نجاة، وكمنصة ضخمة لإعادة تقديم التاريخ الأمريكى، ليس مثلما كان بالضرورة؛ بل كما يراد له أن يُفهم اليوم، عبر المساعى (الهوليوودية) إلى تضخيم تاريخ لا يتجاوز عمره القرنين ونصف القرن فقط، وتقديمه فى صورة ملحمية تنافس حضارات أقدم بكثير وأكثر تعقيدًا؛ وكأن المسألة ليست مجرد إحياء ذكرى؛ بل إعادة تصنيع أسطورة تأسيس قابلة للتصدير محليًا وعالميًا.
ومن بين هذه الأعمال، يبرز فيلمان يعكسان بوضوح هذا التوجه، وهما: الفيلم الذى بدأ عرضه- بالفعل- منذ أيام قليلة (A Great Awakening)، والفيلم المنتظر عرضه فى الصيف (Young Washington)، اللذان يعودان إلى لحظة التأسيس، لكنْ كل منهما يختار طريقًا مختلفًا لإعادة سردها.
عندما يصبح الإيمان جزءًا من مشروع الدولة
رغم قلة تعليقات الصحف الغربية على فيلم (A Great Awakening) أو (الصحوة العظيمة)؛ فإن موقع (إندى- واير) قال إنه حظى بحضور ملحوظ فى شبّاك التذاكر الأمريكى خلال يومين فقط، باحتلاله المركز السادس بإيرادات بلغت 2.1 مليون دولار عبر 1,289 شاشة عرض، منذ عرضه فى 3 أبريل الجارى؛ معتبرًا أن هذا الرقم يُعد قويًا نسبيًا لفيلم تاريخى ذى طابع دينى واضح.
كما حصل الفيلم على تقييم (A+) من CinemaScore))، وهو مؤشر قوى على رضاء المشاهدين؛ خصوصًا أن 79 % منهم تجاوزوا سن 35 عامًا، و57 % كانوا من النساء، فيما أشار 66 % إلى أن موضوع الفيلم كان السبب الرئيسى لمشاهدته.
الفيلم من إخراج وكتابة «جوشوا إنك»، وبطولة «جون بول سنيد» فى دور (بنجامين فرانكلين)، إلى جانب «جوناثان بلير» الذى يجسد شخصية الواعظ (جورج وايتفيلد).
تبدأ أحداث الفيلم داخل أروقة الكونجرس القارى؛ حيث يظهر «فرانكلين» منخرطًا فى نقاشات حادة حول مستقبل المستعمرات الـ13، والسبل الممكنة لتوحيدها فى كيان سياسى واحد. لكنْ، هذا الحاضر السياسى يعيد إلى ذهنه ماضيًا شخصيًا، وتحديدًا علاقته بصديقه وشريكه «وايتفيلد»، ليُنتقل السرد عبر تقنية الاسترجاع إلى سنوات الشباب.
من جانبه، يجد «وايتفيلد» -الذى كان يحلم فى بداياته بأن يصبح ممثلاً- نفسه منخرطًا فى العمل الدينى بعد تأثره بمجموعة من المسيحيين الذين كانوا يوزعون الأناجيل على السجناء؛ وسرعان ما يتحول إلى واعظ مؤثر، لا يكتفى بالكلمات؛ بل يمارس طقوسًا رمزية، مثل: غسل أقدام السجناء، وهو ما يعزز صورته كرمز دينى متواضع وقريب من الناس.
فى المقابل، يظهر «فرانكلين» كشخصية عملية تميل إلى الصحافة والنشر، رافضًا رغبة والده فى أن يسلك طريق الكهنوت. لكنّ لقاءه بـ«وايتفيلد» يكشف له قوة الخطاب الدينى وقدرته على التأثير فى الجماهير، فيعقد معه اتفاقًا لطباعة خطبه، لتتحول العلاقة المهنية إلى صداقة عميقة، قائمة على تبادل التأثير.
وحسب بعض النقاد، يطرح الفيلم فكرة مركزية مفادها أن (الإيمان لم يكن عنصرًا هامشيًا فى نشأة الولايات المتحدة)؛ بل كان أحد محركاتها الأساسية. فحتى بعد وفاة «وايتفيلد»، يستمر تأثيره على «فرانكلين»؛ خصوصًا فى اللحظات الحاسمة التى سبقت توحيد المستعمرات؛ حيث يتحول هذا التأثير إلى دافع معنوى يسهم فى اتخاذ قرارات مصيرية.
ومن الناحية الفنية، يميل الفيلم إلى أسلوب تقليدى أقرب إلى المسرح، ما منح العمل إحساسًا بالسينما القديمة، وجعله قريبًا من أعمال كلاسيكية ركزت على القيم والمبادئ أكثر من الإبهار البصرى.. ورأى النقاد أنه رغم محدودية هذا الأسلوب للبعض؛ فإنه يخدم طبيعة الفيلم، الذى يركز على الحوار والأفكار أكثر من الحركة، ويستهدف جمهورًا يبحث عن مضمون فكرى وروحى، لا مجرد ترفيه.
بشكل عام، لا تبدو المعالجة الدينية التى يقدمها الفيلم، منفصلة عن المناخ السياسى الراهن فى الولايات المتحدة؛ بل تتقاطع بوضوح مع الخطاب الذى يتبناه الرئيس الأمريكى الحالى «دونالد ترامب» والتيار المحافظ داخل الحزب الجمهورى؛ حيث يتم التأكيد على الجذور المسيحية للأمة الأمريكية باعتبارها عنصرًا مؤسّسًا لا يمكن تجاهله.
هذا الطرح يمثل- بشكل أو بآخر- سردية مغايرة لتلك التى سادت لعقود طويلة، والتى قدمت الولايات المتحدة بوصفها دولة قامت- أساسًا- على مبادئ الحرية الدينية، والفصل بين الدين والسياسة، وصورة مثالية للديمقراطية الحديثة.
فالفيلم- دون أن يعلن ذلك صراحة- أعاد ترتيب الأولويات، واضعًا الإيمان فى قلب عملية التأسيس. وبين هذين الخطابين، القديم الذى يركز على القيم الليبرالية، والجديد الذى يعيد الاعتبار للدين كعنصر محورى، تتحول السينما الأمريكية إلى ساحة لإعادة كتابة التاريخ بشكل مختلف.
البطل قبل أن يصبح أسطورة
إذا كان (A Great Awakening) يركز على البعد الفكرى والروحى للتأسيس؛ فإن فيلم (Young Washington) أو (واشنطن الصغير) يتجه إلى زاوية مختلفة، تقوم على استكشاف الشخصية الفردية التى أصبحت لاحقًا رمزًا وطنيًا.
الفيلم- المقرر عرضه فى 3 يوليو 2026، أى قبل يوم واحد من عيد الاستقلال الأمريكى- يتناول السنوات المبكرة من حياة «جورج واشنطن»، وتحديدًا خلال الحرب الفرنسية والهندية، فى محاولة لفهم كيف تشكلت شخصيته القيادية قبل أن يصبح القائد العام للجيش القارى، ثم أول رئيس للولايات المتحدة.
العمل من إخراج «جون إروين»، ويشارك فى بطولته نخبة من الممثلين، من بينهم: «مارى لويز باركر، وكيلسى جرامر، وآندى سيركيس، وبن كينجسلى»، بينما يؤدى الدور الرئيسى الممثل الشاب «ويليام فرانكلين ميل».
يسعى الفيلم إلى تقديم «واشنطن» كشخصية إنسانية، تخوض صراعات داخلية، وتواجه تحديات حقيقية، بدلاً من تصويره كبطل مكتمل الصفات. ومن خلال مَشاهد المعارك والاجتماعات العسكرية المتوترة، يحاول العمل إبراز اللحظات التى شكلت وعيه القيادى، وجعلته قادرًا على تحمل مسئولية تاريخية بهذا الحجم.
وأوضح موقع (فاريتى) أن واحدة من أبرز سمات الفيلم ليست فى قصته أو تصويره؛ بل فى استراتيجيته التسويقية غير التقليدية؛ حيث بدأ طرح التذاكر للحجز المسبق قبل فترة طويلة من عرضه، فى محاولة لتحويله إلى حدث جماهيرى يتجاوز كونه مجرد فيلم؛ معتبرًا أن الدعوة التى يوجهها صناع العمل للجمهور- لجعله الفيلم رقم واحد فى أمريكا- تعكس طموحًا واضحًا لربط النجاح التجارى بالرمزية الوطنية.
ورغم هذا الزخم؛ يواجه الفيلم تحديًا كبيرًا فى شباك التذاكر، وعلى رأسها طرح أفلام جماهيرية ضخمة فى نفس الفترة تقريبًا، مثل: (Minions 3)، (Spider-Man: Brand New Day)، و(The Odyssey)، وغيرها، وهو ما يضعه أمام اختبار حقيقى، حول ما إذا كان لفيلم تاريخى أن ينافس آخر ترفيهًا جماهيريًا واسع الانتشار.
فى النهاية، يمكن القول إنه فى وقت تسعى فيه السياسة الأمريكية إلى إدارة الواقع، تعمل الثقافة- والسينما تحديدًا- على إعادة تفسيره، وتقديم روايات تساعد على تقبله، أو إعادة فهمه.. فبين فيلم يضع الإيمان فى قلب التأسيس، وآخر يعيد بناء صورة البطل، تتشكل محاولة لإعادة صياغة الهوية الأمريكية، وتقديمها فى صورة أكثر تماسكًا فى مواجهة عالم مضطرب؛ وذلك عبر تضخيم تاريخ يمتد لـ250 عامًا فى عالم يزخر بحضارات أقدم وأعمق.







