السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

حـَّرمتـَه؟ فلا تـُمارسه.. واتركنا نغنى ونستمتع

هناك نوعٌ من القضايا لا يُناقشها الناس بقدر ما يرثونها، مثل قضية الغناء التى تعد واحدة من هذه القضايا.. حيث تبدأ الحكاية بسؤال أخلاقى، دينى، وتنتهى – غالبًا – بـ«جلد ذات» جماعى، يتصدره الفنانون أنفسهم.



منذ بدأتُ الاشتغال بمهنة الصحافة، يتكرر المشهد دائمًا بالطريقة نفسها:

فنان يحقق شهرة، ثم يقف فجأة أمام الكاميرا ليُعلن ندمه، ويطلب المغفرة، ويصف ما قدمه بأنه «حرام».. مثلما فعل مؤخرًا «رضا البحراوى».

والغريب أن الجمهور، فى غالبه، يصفق لمثل هذه القرارات والتصريحات، رغم أنهم أحبوا نفس الفنان بسبب الغناء.

ويتكرر الموضوع أيضًا مع آخرين، فنجد مغنيًا يُعلن اعتزاله «بسبب اعتقاد دينى»، ثم يعود سريعًا إلى الغناء فى الدوائر نفسها، وبالأدوات نفسها، وفى المناخ ذاته الذى كان يصفه قبل أيام بأنه «حرام».

فإذا كان الغناء حرامًا: ماذا عن الأموال التى جُمعت منه؟ ماذا عن الشهرة التى بُنيت عليه؟ ماذا عن الجمهور الذى صعد بك حتى أصبحت نجمًا؟

وأخطر ما فى هذا الملف ليس الفتوى بحرمانية الغناء… بل التعامل معها كـ«حقيقة نهائية».

فحين يقول داعية إن الموسيقى حرام، فهو يقدم رأيه، وحين يقول آخر إنها ليست كذلك، فهو أيضًا يقدم رأيه.

المسألة إذن ليست «نصًا قاطعًا»، بل ساحة اجتهاد، والكارثة تبدأ عندما يتحول الاجتهاد إلى سيف يُشهر فى وجه الناس.

فكل الأحاديث التى تتحدث عن حرمانية الغناء «ضعيفة»، باستثناء حديث واحد، وهو: «ليكونن من أمتى أقوام، يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف».

فالمقصود بـ«الحر» هو الزنا، وهو أمر محرم بشكل عام على الجنسين: رجالًا ونساءً. ثم نأتى إلى «الحرير»، وهو محرم حرمةً خاصة على الرجال فقط، بينما هو مباح للنساء؛ ولذلك لا يجوز الاستدلال بهذا النص لأنه لم يحدد الحرمة الخاصة من العامة.

الأزهر الشريف استخدم الغناء فى شهر رمضان فى إعلان دعائى بصوت «تامر عاشور» لمؤسسة بيت الزكاة، وكان هناك معازف وغناء. ولدينا أيضًا تتر برنامج «الشعراوى»، الذى تُستخدم فيه المعازف، من وتريات وطبول وناى، إلخ.

ولو تركنا الحاضر قليلًا وعدنا إلى «الأصل»، سنجد ما يُربك السردية الشائعة.

تذكر الكثير من الكتب الإسلامية وقائع غناء نساء أمام رجال فى زمن النبى، فى سياقات غير استثنائية. فلدينا مثلًا «سيرين» – أخت «مارية القبطية» – غنت على آلة موسيقية، والنبى استمع وتبسم دون إنكار، وهى الواقعة المذكورة فى كتاب (مجلس من أمالى أبى نعيم الأصبهانى)، صفحة 65.

وفى عهد «عثمان بن عفان»، كانت هناك جوارٍ يغنين ويعزفن فى المدينة يوم الجمعة، وكان الناس يسمعونهن، بل يتعلمون منهن، ومنهم المغنى الشهير وقتها «سائب خاثر»، الذى يُعد أول من استخدم آلة تشبه العود فى المدينة، والواقعة مذكورة فى كتاب (نهاية الأرب فى فنون الأدب). ولدينا أيضًا واقعة أخرى لمغنٍ يُدعى «سعيد بن مسجح»، وكان مشهورًا جدًا فى مكة فى زمن الصحابة، يذكرها الكتاب نفسه.

بل هناك عشرات الوقائع المثبتة والمؤكدة فى العديد من الكتب، التى توثق وجود الغناء بالمعازف فى السنوات الأولى للإسلام، بحضور النبى وصحابته، واستمر هذا الأمر – الغناء – حتى يومنا هذا.

وفى ظنى أن الأمر بدأ من تراكم التفسيرات والاجتهادات، حتى اختلط الدين بالعرف، والفتوى بالسلطة، والتوظيف السياسى، مع تخويف العامة من التعبير عن آرائهم بحجة أنهم غير مختصين؛ فتحول الغناء من فعل إنسانى إلى شبه «شبهة أخلاقية».

ولكن بعيدًا عن الجدل الدينى، نحن نعيش فى دولة تُنظم الغناء، وتمنحه تصاريح، وتفرض عليه ضرائب؛ فهو صناعة بحكم القانون. فكيف نتعامل معه كجريمة؟! وكيف نجد الفنانين يمارسون شيئًا بشكل قانوني.. ثم يخرجون ليشككوا الناس فيه أخلاقيًا؟

أتمنى من كل قلبى أن يبتعد كل من يعتقد أن الغناء حرام عن الساحة الفنية، ويتركها لمن يمارسها بشكل قانونى؛ لأنهم أول من يسيئون إلى سمعتها، بنقلهم – عن جهل – لآراء غيرهم، دون بحث، ودون تدقيق.