3 عقود من البحث المستمر داخل مصر وخارجها
أول متحف خاص يوثق
آلاء شوقى
فى ظل عالم تتسارع فيه وتيرة التغيير، لم يعد الإبداع رفاهية أو خيارًا ثانويًا، بل أصبح ضرورة تفرضها تحديات الحاضر ومتطلبات المستقبل. ومن هنا، جاءت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى بدراسة إطلاق برنامج «دولة الفنون والإبداع» على غرار برنامج دولة التلاوة الذى حقق نجاحًا لافتًا وأسهم فى اكتشاف مواهب متميزة، لتعكس رؤية أوسع تستهدف ترسيخ ثقافة الابتكار والإبداع فى مختلف المجالات، وليس فى الفن وحده. فالإبداع اليوم يمتد إلى التعليم والبحث العلمى والصناعة والإعلام، باعتباره المحرك الحقيقى للتنمية الشاملة.
فالحديث عن «دولة الفنون والإبداع» لا ينفصل عن رؤية أشمل تسعى إلى بناء مجتمع منتج للأفكار، قادر على تحويل المعرفة إلى قوة، والموهبة إلى قيمة مضافة. إنها دعوة لإعادة تعريف الإبداع بوصفه منظومة متكاملة تتداخل فيها مؤسسات الدولة مع طاقات الأفراد، بهدف خلق بيئة تُحفّز التفكير الحر، وتدعم المبادرات، وتفتح المجال أمام أجيال جديدة لصياغة مستقبل أكثر وعيًا وتنافسية.
وفى إطار هذه الرؤية، تفتح روزاليوسف ابتداءً من هذا الأسبوع نافذة جديدة نطل من خلالها على مبدعين مصريين فى مختلف المجالات لنتعرف على قصص ملهمة تستحق أن نلقى عليها الضوء..
فى إطار حرص الدولة على دعم الإبداع ورعاية المبادرات الفردية، وهو ما أكدته توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى بشكل واضح حيث شدد على ضرورة اكتشاف المواهب الشابة وتشجيع كل فكرة قادرة على إثراء الوعى الثقافى والحفاظ على الهوية المصرية وأهمية اكتشاف الطاقات الشابة وتشجيع الأفكار الخلّاقة فى مختلف المجالات، وتحاول روزاليوسف ترسيخ هذه الرؤية من خلال نماذج شبابية اختارت أن تتحرك وتحول شغفها إلى واقع ملموس.
من بين هذه النماذج، يبرز شاب مصرى قرر أن يوثق جزءًا من تاريخ الفن المصرى بطريقته الخاصة، وهو ما يؤكد على أهمية الفن المصرى وتأثيره كقوة ناعمة.
«أنا الزعيم».. جملة مسموعة وراسخة فى ذاكرة جمهور «عادل إمام»، تختصر مسيرة فنان صنع مكانته بنفسه، وفرض حضوره على أجيال كاملة، بعدما أصبح صوتًا يعكس نبض الشارع المصرى بجرأة غير مسبوقة، ويصنع ضحكته الخاصة بخروج عن النص ونكات غير معهودة.
لكن، بعيدًا عن الأضواء، هناك من قرر أن يوثق رحلة (الزعيم) لحظة بلحظة، ويحولها إلى ذاكرة ملموسة داخل متحف خاص صغير.. «أحمد جمال»، الباحث صاحب الـ45 عامًا، الذى كرس أكثر من 3 عقود من عمره لجمع كل ما يخص «عادل إمام»، فى رحلة بدأت بشغف طفل داخل سينما فى «شبرا»، وتحولت إلى مشروع عمر يسعى لحفظ تاريخ فنى استثنائى من الضياع.
كيف بدأت هذا المشوار، ولماذا «عادل إمام» تحديدًا؟
- المشوار بدأ حينما كنت طفلاً صغيرًا أشاهد مع من حولى النجم «عادل إمام»، وأجلس وسط أحاديث تتناول سيرته وأعماله المتنوعة بين السينما والمسرح.
وكان والدى يأخذنى إلى السينما فى «شبرا» لمشاهدة أفلام الزعيم، والأمر نفسه حينما نذهب «الإسكندرية» فى الصيف، ومن هنا، تعلقت به خاصة مع مسلسل (أحلام الفتى الطائر)، وارتبطت بالشخصية التى جسدها «عادل إمام» فيها.
وبعدها، كنت أتابع كل فيلم يعرض له فى السينما، وصرت متعلق بحب الزعيم، وأعرف كل التفاصيل عنه، وأعلق (البوسترات) والصور الخاصة به على حائط الغرفة، وأقوم بعمل ألبومات من الصور، وأجمع كل ما يخصه سواء فى مجلات أو غيرها، ومن هنا كانت بداية المشوار.
كم قطعة يحتويها متحفك الصغير لكل ما يخص «عادل إمام»، وكم عامًا استغرق جمعها؟
- استغرق الأمر 32 عامًا متواصلاً من البحث فى الداخل والخارج، حيث قمت بتجميع أشياء من 8 دول عربية وأجنبية.. وفى المجمل، يحظى متحفى الصغير على 17 مجموعة مختلفة من المقتنيات المجمعة.
فعلى سبيل المثال: تشمل مجموعة الجرائد أكثر من 14 ألف جريدة متنوعة (مصرية-عربية - أجنبية)، وأنا فى طريقى إلى الـ15 ألفًا قريبًا؛ إلى جانب مجموعة المجلات التى تشمل أكثر من 13 ألف مجلة متنوعة فى لغاتها وجنسيتها.
هذا بالإضافة إلى شرائط الفيديو التى توضع فى مكتبة كاملة لها بنسخها المختلفة، والنسخ الكاملة (بدون قطع).. ولدى –أيضًا- العديد من شرائط الكاسيت، والـ(دى.فى.دي) والـ(سى. دى) لأعماله.
كما أحظى بمكتبة لكتب السينما، والمسرح، والتليفزيون، والإذاعة تخص «إمام»، لأن الزعيم قام بعمل بعض المسلسلات الإذاعية والسهرات التليفزيونية، وهو أمر غير معروف على نطاق واسع، ما تطلب بحثًا عن تلك المواد استمر لسنوات، فعلى سبيل المثال: كان يوجد مسلسلات -سميت فى الماضى (خماسية وسباعية)- شارك فيها «عادل إمام» مثل مسلسل (الفنان والهندسة)، وغيرها.
إلى جانب ذلك، لدى الروايات الأصلية، مثل الطبعة الأولى لرواية (حتى لا يطير الدخان) للكاتب الراحل «إحسان عبدالقدوس» التى صنع منها فيلمًا من بطولة «عادل إمام».
ويعد أهم وأصعب مجموعة قمت بتجميعها، هى (الأفيشات) الأصلية والطبعة الأولى لأفلام «عادل إمام» البالغة 125 فيلمًا؛ بداية من أول فيلم له، وهو (أنا وهو هي) عام 1964، حتى فيلم (زهايمر) عام 2010، إلى جانب أفيشى مسرحيتى (الواد سيد الشغال)، و(الزعيم) واللذين عرضا فى السينما، ليصبح مجموعها 127 أفيشًا أصليًا.
وأيضًا، كانت مجموعة الصور الفوتوغرافية، التى تقارب 11 ألف صورة، من المجموعات الصعبة فى البحث طوال الـ32 عامًا، سواء صور السهرات والحفلات، والتكريمات، وسفره للخارج، وكواليس الأفلام والمسرحيات، وصوره مع الفنانين والكتاب والمشاهير، ومع العائلة، إلخ.. وبالمناسة نحو 80 % من الصور التى أحظى بها لم يرها أحد من قبل.
لدى –أيضًا- العديد من تذاكر سينما لأفلام الزعيم، والعديد من (لوبى كارت)، وهو نوع من الدعاية السينمائية القديمة عبارة عن لوحة من الورق المقوى تحتوى على صور فوتوغرافية ثابتة بشكل (الأفيش) بأختام الرقابة، إلى جانب الكتيبات الدعائية للأفلام (بورشور).
هذا بالإضافة إلى أوراق بخط «عادل إمام» نفسه، مثل: عروض أفلامه، وإيصالات الدفعات المالية الأسبوعية التى تُدفع له، إذ يوجد إيصالات بمبالغ متنوعة، بداية من 100 و200 جنيه، مرورًا بنحو 700 جنيه، وصولاً إلى 2000 جنيه، وغيرها.
كما أحظى بالعديد من تصاريح الرقابة على أفلام «عادل إمام»، وتعليقاتها، وملاحظاتها عليها؛ بالإضافة إلى مجسمات للزعيم، ولعبة أوراق بصوره، وغيرها.
جمعت آلاف الصورة النادرة، والصحف، والمجلات، وغيرها، كيف نظمت هذا الكم الهائل من الأرشيف؟
- بدأت تجميع الأرشيف بعد فيلم (الإرهابى) عام 1994 الذى أحدث ضجة كبيرة حينها، ما أثار فضولى وشغفى لبدء تجميع كل ما قيل عن الفيلم فى الجرائد والمجلات، وقمت بعمل مجلد خاص بهذا الفيلم، ومنذ هذا الوقت التزمت بفكرة الأرشفة والتنسيق فى مجموعات.. كما قمت بعمل تسلسل للمجموعات بالسنين، لأنى أحتفظ بأشياء عمرها يتجاوز 60 سنة.
ما أندر القطع التى يتميز بها متحفك؟
أول خبر عن «عادل إمام»، أى أول مرة يكتب فيها اسمه فى مسابقة مسرح التليفزيون، وهو يتقدم فى المسابقة مع متسابقين كثيرين، الذى تم اختيار مجموعة صغيرة منهم، وكان من بينهم «إمام»، ليبدأ العمل فى مسرحية (ثورة القرية) من إخراج «حسن كمال»، وقصة «محمد التابعي»، وإعداد «عزت العلايلي»، التى كانت أول عمل احترافى لعادل إمام فى عام 1962؛ وكان دوره فيها لا يزيد على 3 جمل.
هل واجهت لحظات فكرت فيها بالتوقف؟
- أبدًا.. لم أفكر فى التوقف، ولكن الظروف أجبرتنى –أحيانًا- على التوقف، بسبب الإمكانيات التى قد لا تتوافر فى بعض الأحيان، وخاصة أننى أعمل وحدى على هذا المشروع الخاص، كما أننى أقوم بتوصيف الأعمال وليس مجرد أرشفة.
ما أكثر شىء اكتشفته عن شخصية «عادل إمام» من خلال هذا الأرشيف، وربما لم يكن معروفًا للجمهور؟
- «عادل إمام» شخص صبور جدًا، يعرف أن كل شىء له وقت، حيث تمتع بقوة صبر، ربما قد لم يحظ بها فنان آخر من جيله.
وذلك إلى جانب تمتعه بالمعرفة والثقافة، فإذا تحدث شخص معه فى أى مواضيع سيجد عنده الرد فى مجالات متنوعة، سواء فى الفن، أو السياسة، أو الرياضة، أو حتى الطبيعة والزراعة، وغيرها؛ فضلاً عن كونه متفرجًا على الأفلام من الدرجة الأولى، سواء الماضى أو أفلام الأجيال الحديثة.
هل تفكر فى تحويل هذا المتحف الخاص إلى مشروع عام ليكون متاحًا للجمهور؟
- مع الأسف، أواجه -حاليًا- مشكلة مستمرة منذ سنوات، وهى ضيق المكان، لكنى أواجه عبء أن المكان لا يسعى سوى لخمسة أشخاص، فى وقت يتواصل معى كثيرون ممن يريدون أن يأتوا من خارج مصر لرؤية هذا المتحف الخاص.
ومع ذلك، أتمنى أن أقوم بعمل معرض يستمر لعدة أيام داخل مصر وخارجها أعرض فيها كل تلك المقتنيات، وخاصة أن جمهوره المصرى والعربى والأجنبى الشغوف والمحب للزعيم وأعماله كبير.
هل عرض أى شخص عليك أن يشترى مجموعاتك بثمن كبير؟
- بالطبع.. لكن من الصعب قبول أى عرض بأى ثمن، رغم ما تم انفاقه على هذا المشروع، حيث قمت ببيع سيارتى وغيرها، ومع ذلك، من المستحيل أن أبيع هذا المجهود.
لو طلب منك «عادل إمام» نفسه اختيار قطعة واحدة فقط من مجموعتك تمثل مسيرته بالكامل، ماذا ستختار؟
- صور الماضى، خاصة مع زوجته التى لها الفضل فى جزء كبير من نجاحه، أو صور ومقالات علقت على بدايات أعماله، لأنها تحكى مسيرته ومجهوده الذى بذله للوصول إلى النجومية.
فى النهاية، يبدو أن حب (الزعيم) لم يكن مجرد شغف، بل تحول إلى شهادة حية على قوة التأثير الذى صنعه «عادل إمام» فى وجدان جمهوره.
هذه التجربة لا تتوقف عند حدود الإعجاب، بل تعكس وعيًا بأهمية حفظ التراث الفنى وصونه من التلاشى.







