أصبحت طقســـا إجباريــا
هوس التجميل قبل الزفاف
آلاء البدرى
أصبح الهوس بالإجراءات التجميلية ظاهرة بارزة فى المجتمعات الحديثة حتى إنه بات جزءًا من استعدادات الزفاف؛ حيث لم يعد الاكتفاء بمستحضرات التجميل التقليدية أو صبغات الشعر المؤقتة يُرضى الكثيرين، وقد ساعدت الطفرة التكنولوجية وسهولة الوصول إلى هذه الإجراءات سواء كانت عمليات جراحية أو حُقَنًا تجميلية فى تعزيز هذه الظاهرة بشكل ملحوظ وكان لها دور كبير فى ترسيخ معايير محددة للجمال تحدد بدقة ما هو مرغوب وما هو مثالى، ويزداد هذا الاتجاه وضوحًا بين جيل زد الذى نشأ فى بيئة رقمية مشبعة بالصور المعدلة والفلاتر.. واللافت أنه لم يعد الاهتمام بالتجميل مقتصرًا على الفتيات فقط؛ بل امتد ليشمل الشباب أيضًا.
باقات الزفاف
لم تعد تقتصر باقات الزفاف على الإجراءات البسيطة التى كانت تجرى قبل يومين من العُرس مثل جلسات السبا والتدليك والعناية بالبشرة والحمّامات التقليدية؛ بل أصبحت برامج متكاملة ومشاريع تجميلية تقدمها العيادات الكبيرة، ومستشفيات التجميل المتخصّصة تهدف إلى منح العروس مظهرًا مثاليًا كونها تغييرًا جذريًا فى المظهر قبل عام أو أكثر من الزفاف نظرًا لطول فترة التعافى.. هذه الباقات تشمل شفط الدهون لإبراز القوام وتجميل الأنف بالجراحة لتصحيح الشكل ونحت الجسم لإبراز الخطوط الجمالية إضافة إلى حقن الفيلر والبوتوكس لشد البشرة،وإخفاء التجاعيد وجلسات الليزر والتفتيح.
كما تتوسع بعض الباقات لتشمل حشوات السيليكون لتكبير مناطق الأنوثة، ومن بين أهم جراحات التجميل التى تحظى بإقبال كبير من الفتيات عمليات الوجه والفكين نظرًا لتأثيرها المباشر على الملامح، وتشمل هذه الجراحات إجراءات متنوعة مثل تكبير الذقن وزراعة الخدين وتحديد خط الفك وتكبير الشفاه وتصغير الجبهة، ورغم أن هذه العمليات قد تمنح أصحابها ثقة أكبر فى أنفسهم؛ فإن بعض الأشخاص يقعون فى فخ الإدمان عليها مدفوعين برغبة مستمرة فى تحسين مظهرهم.. ووفقًا لدراسة حديثة أجرتها الجمعية الدولية لجراحى التجميل (ISAPS) ارتفعت معدلات جراحات تجميل الوجه عالميًا بنسبة 4 % ليصل عددها إلى نحو 11 مليون عملية سنويًا.
باقات الرجال
تهتم الباقات التجميلية الخاصة بالرجال قبل الزفاف تعزيز ملامح الذكورة وإبراز الشكل الرياضى.. وتشمل هذه الإجراءات تقنيات جراحية أو موضوعية مثل تكبير عضلات الصدر والأكتاف وتحسين خط الفك وحقن لإخفاء التجاعيد حول العينين والحاجبين والجبهة وتقليل طيات الوجه، ومعالجة فرط التعرق والتخلص من الدهون الزائدة، ويلجأ كثير من الرجال إلى هذه التدخلات بسبب شعورهم المتزايد بالحرج من علامات الشيخوخة المبكرة والتجاعيد وترهل الجلد فى الرقبة، إضافة إلى تراكم الدهون غير المرغوب فيها أو حتى مشاكل أخرى كالصلع المبكر، أو الوراثة وندبات حَب الشباب والوشم البارزة.. وقد ذكر التقرير السنوى الصادر عن الجمعية الأمريكية لجراحة التجميل ارتفاع عدد الرجال الذين يخضعون لعمليات تجميل بنسبة %325 خلال أقل من عشر سنوات؛ حيث بلغ إجمالى العمليات الجراحية التى أجريت لهم نحو 1.2 مليون عملية، وهو ما يعكس التحول الكبير فى نظرة الرجال إلى التجميل كجزء من الاستعدادات الشخصية والاجتماعية؛ وبخاصة قبل الزواج.
حملات دعائية
تستغل بعض العيادات حالة الهوس المتزايد بالتجميل لدى العرائس الراغبات فى حلول تجميلية سريعة عبر حملات دعائية على وسائل التواصل الاجتماعى تروج لإجراءات باستخدام منتجات أو أدوية، لم تثبت فعاليتها علميًا ولم تجز للاستخدام التجميلى مثل الترويج لعقاقير مخصّصة لعلاج مرض السكرى مثل منجارو وأوزين بيك حيث يسوق لها على أنها وسيلة لإنقاص الوزن أو لتفتيح البشرة رغم أن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لم توافق على استخدامها لأى أغراض جلدية أو تجميلية.
كما أن الأكاديمية الأمريكية للأمراض الجلدية لا تدعم هذا النوع من الاستخدام فى إرشاداتها السريرية.. والأمر لا يتوقف عند ذلك؛ إذ تستخدم أيضًا بعض أدوية وقف النزيف بشكل غير مألوف سواء عن طريق الفم، أو موضعيًا أو الحقن الوريدى كعوامل قوية لتفتيح البشرة وفرط التصبغ، ورغم أن هذه الاستخدامات تبدو جذابة للبعض فإنها قد تؤدى إلى مضاعفات خطيرة مثل الإصابة بالجلطات الدموية واضطرابات فى الدورة الدموية، وهو ما يجعلها تهديدًا مباشرًا لصحة الإنسان.
مخاطر ودعوى قضائية
رغم أن جراحات التجميل أصبحت سمة بارزة لعصرنا؛ فإنها لا تخلو من مخاطر جسيمة قد تصل إلى مضاعفات صحية خطيرة والتشوه أو حتى الوفاة.. كثير من هذه العواقب السلبية تنجم عن إجراءات غير سليمة، أو استخدام منتجات رديئة فضلاً عن قيام متخصّصين غير مرخصين بإجراء العمليات؛ حيث يلجأ بعضهم إلى تقديم خصومات مغرية، أو باقات مجمعة تشمل أكثر من عملية فى وقت واحد أو خلال فترة قصيرة مستهدفين النساء اللواتى يدركن ارتفاع تكلفة هذه العمليات ويبحثن عن حلول أقل كلفة دون وعى كافٍ بالمخاطر.. وتعد أبرز المضاعفات التى سجلت عالميًا العدوَى والانسداد الدهنى والورم الدموى، وهى من أكثر المشكلات شيوعًا بعد الإجراءات التجميلية، بينما سجلت عمليات حقن الدهون، ونحت القوام أعلى معدلات الوفيات عالميًا الأمر الذى أدى إلى تزايد النزاعات الطبية والقانونية المرتبطة بقطاع التجميل؛ حيث ارتفعت أعداد الدعاوى القضائية ضد الأطباء والمراكز الطبية والمستشفيات وغالبًا ما انتهت القضايا بالرفض بنسبة تتراوح بين 45 % و76 % فى حين أن ما بين 20 % و40 % منها انتهى بتسويات أو أحكام لصالح المدعين ما يكشف عن جانب مظلم فى صناعة التجميل.
أرقام وإحصائيات
تشهد سوق التجميل العالمية نموًا متسارعًا إذ تشير التوقعات إلى أنها ستتجاوز حاجز 440 مليار دولار بحلول عام 2032 مدفوعة بالابتكارات التكنولوجية المستمرة وتغير النظرة المجتمعية نحو الجمال، وتتصدر الولايات المتحدة قائمة الدول الرائدة عالميًا فى هذا المجال؛ حيث بلغ عدد العمليات التى أُجريت فيها أكثر من 6.1 مليون عملية خلال عام واحد.. ويعود هذا الرقم الكبير إلى حد كبير إلى العلاجات غير الجراحية مثل البوتوكس والفيلر، وعمليات شد البشرة بالليزر.. أمّا البرازيل فهى تهيمن على مجال الجراحات التجميلية الجراحية إذ تتصدر القائمة بأعلى عدد من العمليات الجراحية على مستوى العالم مدفوعة بثقافة تربط الجمال بالهوية الاجتماعية.
وفى آسيا تصنف اليابان وكوريا الجنوبية ضمن الدول الأكثر إقبالاً؛ حيث بلغ إجمالى عدد العمليات الجراحية فى القارة أكثر من 13٫7 مليون عملية مع متوسط يصل إلى 8٫9 عملية لكل 1000 شخص فى كوريا الجنوبية و8.81 عملية لكل 1000 شخص فى اليابان مما يجعل المنطقة أكبر سوق عالمية من حيث حجم العمليات.
كما برزت تركيا والإمارات العربية المتحدة فى الشرق الأوسط كمراكز رئيسية للسياحة التجميلية؛ حيث تشتهر تركيا بعمليات زراعة الشعر وتجميل الأنف، بينما تقدم الإمارات خدمات تجميلية فاخرة بجودة عالية ما يعكس تحول الإجراءات التجميلية من مجرد تابع للقطاع الطبى إلى صناعة ثقافية واقتصادية ضخمة.







