هل بدأت المعركة الكبرى
حرب استنزاف فى إيران
ياسمين علاء
النيران تتجاوز خطوط الجغرافيا وتصل إلى أقصى الشرق الإيرانى
فى تطور دراماتيكى يعيد رسم خرائط الصراع فى الشرق الأوسط، استيقظت إيران يومى 25 و26 مارس 2026، على دوى انفجارات لم تعهدها من قبل، لم تكن هذه المرة فى منشأة «نطنز» وسط البلاد، ولا فى القواعد الصاروخية فى «كرمانشاه» غربًا، بل جاءت الضربة فى عمق جغرافى لطالما اعتبرتها طهران «ملاذًا آمنًا» وخطًا أحمر بامتياز؛ مدينة «مشهد» فى محافظة خراسان رضوى؛ بأقصى الشمال الشرقي.
اهتزت أرجاء مدينة مشهد التى تقع فى أقصى شمال شرق البلاد؛ ومركز محافظة خراسان وثانى كبرى مدن إيران بعد طهران، على وقع الغارات، التى شنتها قاذفات أمريكية على مدار ساعات، ضد عدد من الأهداف من بينها «مطار مشهد».
ونشر ناشطون وصحفيون إيرانيون، عبر منصات التواصل الاجتماعى، مقاطع فيديو قالوا إنها توثق القصف العنيف على مشهد، بينما أعلن «قائد القيادة المركزية» الأمريكية برادلى كوبر، أن قاذفات «B-52»، نفذت عددًا كبيرًا من الضربات، وأظهرت السيطرة الأمريكية غير المسبوقة فى الجو.
هذا الاستهداف الجيوسياسى، الذى دشن فصلًا جديدًا من الحرب «الأمريكية- الإسرائيلية» ضد إيران، لا يمثل مجرد غارات جوية اعتيادية، بل هو إعلان صريح عن بدء «حرب استنزاف» شاملة تتجاوز الضربات الجراحية المعتادة، لتشمل تلويحًا غير مسبوق بتكتيكات «الحرب البرية» والاختراقات الحدودية.
فكيف وصلنا إلى هنا؟ وما خيارات طهران فى مواجهة هذا الطوق الناري؟
«العمق الآمن»
تقع مدينة مشهد على بُعد أكثر من 800 كيلومتر من الحدود الغربية لإيران؛ (الأقرب جغرافيًا إلى إسرائيل والقواعد الأمريكية فى الخليج) تاريخيًا، اعتمدت الاستراتيجية العسكرية الإيرانية على نقل أهم منشآتها الاستراتيجية والتسليحية إلى مناطق الوسط والشرق، مستفيدة من التضاريس الجبلية المعقدة والمساحات الشاسعة كحائط صد ضد أى هجوم محتمل، إلا أن الضربات التى طالت أهدافًا منتقاة بعناية فى محيط مشهد فى 25 و26 مارس، وجهت رسالة مزدوجة وقاسية؛ فعلى الصعيد الاستخباراتى والعسكرى، فهى تقول لا توجد بقعة داخل الجغرافيا الإيرانية خارج نطاق الاستهداف، القدرة على الوصول إلى مشهد تعنى اختراقًا استراتيجيًا لكامل المجال الجوى الإيرانى وأنظمة الرادار المتعددة.
استنزاف بطيء
يؤكد الدكتور محمد خيرى الباحث المتخصص فى الشئون الإيرانية، أن استهداف الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لمدينة مشهد الإيرانية يعد استهدافًا مدروسًا ومقصودًا؛ وبداية لاستنزاف تكتيكى لإيران؛ لما تمثله تلك المدينة كأحد المرتكزات الرئيسة فى الفكر الاستراتيجى للنظام الإيرانى من عدة أوجه سواء فى البعد الدينى أو حتى البعد العسكرى والاستراتيجى، مضيفًا أن مدينة مشهد هى ثانى أقدس المدن فى إيران بعد مدينة قم؛ وهما مدينتان تضمان مراكز الحوزة الفكرية والدينية لإيران.
وأضاف خيري: إن القصف الأمريكى على مشهد استهدف البعد الاستراتيجى للمدينة؛ خاصة وأنها تضم مطار مشهد الدولى الذى يعتبر مطارًا مدنيًا وعسكريًا فى نفس الوقت، ويعد من أكثر المطارات ازدحامًا برحلات العبور؛ نظرًا للطابع التراثى والسياحى لمدينة مشهد التى تجذب إليها الزوار فى كل مكان فى العالم، مؤكدًا أن مطار مشهد فى طابعه العسكرى يعد أحد المراكز الاستراتيجية فى إيران، لقربه من للقاعدة الجوية الرابعة عشر التى تتمركز فى تلك المنطقة.
كما تضم مشهد إحدى أكبر المؤسسات الاقتصادية التى تنفق على بناء وتسليح الجيش والحرس الثوري؛ وهى مؤسسة العتبة العضوية المقدسة التى تضم عدة مؤسسات اقتصادية؛ وشركات تعمل فى كل المجالات؛ والتى تمثل مرتكزًا اقتصاديًا للإنفاق على نشاط الحرس الثورى فى الخارج.
وبناء عليه، فإن الضربات الموجهة لمشهد تستهدف استنزاف إيران وتقويض كل عوامل القوة عندها، من خلال تدمير كل البنية التحتية العسكرية لإيران، وتدمير البنية التحتية للبرنامج النووى، وإعادة إيران سنوات طويلة للوراء بعد تطور البنية العسكرية فى إيران بإنتاج محلى، لأن إيران بصفتها دولة عليها عقوبات نجحت فى تطوير المنظومة الباليستية والتسليحية؛ فمعنى استمرار الأعمال العسكرية بهذا الأداء؛ يعنى أن الولايات المتحدة الأمريكية تحاول تكسير كل عوامل القوة عند إيران؛ واستنزاف مواردها العسكرية والاستراتيجية والمالية حتى لا تتمكن من إعادة بناء منظوماتها التسليحية مرة أخرى.
«الخنق البطيء»
لتفكيك مشهد حرب الاستنزاف الحالية، يجب النظر إلى خريطة الاستهدافات التى سبقت قصف مشهد، وفقًا لتقارير مراصد عسكرية دولية، فقد شهدت الأشهر القليلة الماضية تصعيدًا ممنهجًا ضد البنية التحتية الإيرانية، حيث توزعت نسب الاستهدافات كالتالي:
المنطقة الغربية والجنوبية الغربية (35 %): شملت منشآت نفطية فى خوزستان، وقواعد تابعة للحرس الثورى فى كرمانشاه وإيلام، بهدف قطع طرق الإمداد نحو الوكلاء فى العراق وسوريا.
المنطقة الوسطى (40 %): تركزت بشكل مكثف على أصفهان (القلب النووى والعسكري)، وقم، ومحيط طهران العاصمة، حيث تم استهداف مصانع الطائرات المسيرة ومراكز الأبحاث الصاروخية.
المناطق الساحلية الجنوبية (15 %): ضربات ضد قواعد بحرية وموانئ استراتيجية قرب بندر عباس لإضعاف القدرات البحرية الإيرانية.
المنطقة الشرقية (مشهد وخراسان) (10 %): وهى الحصة الأحدث والأخطر التى سُجلت أواخر مارس الجارى، والتى استهدفت مراكز لوجستية ومخازن تحت الأرض كان يُعتقد أنها محصنة تمامًا.
«الحرب البرية»
لا يكمن الخطر الحقيقى فى قصف «مشهد» فيما أحدثته القنابل من دمار فحسب، بل فيما كشفته النيران من كواليس «حرب برية» صامتة بدأت تلوح فى الأفق؛ فالتسريبات الاستخباراتية المصاحبة للعمليات؛ تشير إلى أننا لسنا بصدد اجتياح تقليدى بجيوش نظامية، بل أمام «تكتيكات الجيل الخامس» التى تمزج بين السيادة الجوية والاختراق الميداني.
وتتجلى ملامح هذه «الكماشة» فى محورين خطيرين؛ الأول: هو النشاط المكثف لوحدات «كوماندوز» خاصة (أمريكية-إسرائيلية)؛ تعمل فى الظل على توجيه الضربات بدقة جراحية أو تنفيذ عمليات تخريب استباقية للمنشآت الحساسة.
أما المحور الثانى، فهو الاستغلال الجيوسياسى لـ «الثغرات الأمنية الحدودية» فى الشرق؛ حيث يضع موقع مشهد الاستراتيجى بالقرب من الحدود الأفغانية والتركمانية إيران أمام معضلة الحدود الهشة.
حافة الهاوية
أمام هذا المشهد غير المسبوق، تجد القيادة الإيرانية نفسها فى مأزق مركب، الحرس الثورى، الذى بُنيت عقيدته على «نقل المعركة إلى أرض العدو» عبر الوكلاء فى الشرق الأوسط، يجد المعركة اليوم فى عقر داره (مشهد).
وفى تلك الحالة سيكون أمام المرشد الأعلى بضعة خيارات؛ إما أن يقوم بعمل تصعيد شامل من خلال إعطاء الأمر بإطلاق آلاف الصواريخ الباليستية نحو إسرائيل والقواعد الأمريكية فى الخليج، وهو خيار يعنى الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة؛ تؤدى إلى انهيار النظام وتدمير البنية التحتية الإيرانية المتبقية، خاصة فى ظل تفوق الترسانة الجوية للخصوم.
أو الصبر الاستراتيجى المكلف؛ وذلك من خلال امتصاص الضربات، بما فيها ضربة مشهد، والاكتفاء بردود أفعال تكتيكية عبر الوكلاء، لكن هذا الخيار بات مكلفًا جدًا للداخل الإيرانى، إذ يظهر النظام بمظهر الضعيف العاجز عن حماية مقدساته وعمقه الجغرافى، مما قد يؤجج غضب الشارع والتململ داخل صفوف الحرس الثورى نفسه.







