السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

كبير مفتشى الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأسبق لروزاليوسف

يسرى أبوشادى: إيران قادرة على إنتاج 10 قنابل نووية

فى ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد المخاوف المرتبطة بالملف النووى، يبرز صوت الخبراء كمرشد أساسى لفهم المشهد المعقد وتداعياته المحتملة.



لذلك حاورنا الدكتور يسرى أبو شادى، كبير مفتشى الوكالة الدولية للطاقة الذرية سابقًا، وأحد أبرز الخبراء العرب فى الشأن النووى، للحديث عن أبعاد التهديدات النووية فى المنطقة، ومستقبل البرنامج النووى الإيرانى، واحتمالات الانزلاق نحو مواجهات أوسع.

 

 وفتح الملفات الشائكة، وقدم قراءة دقيقة لما يجرى خلف الكواليس فى واحدة من أخطر القضايا على الساحة الدولية.

فى البداية، قال الدكتور يسرى أبو شادى، الخبير النووى والمفتش السابق فى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إن المنطقة تمر بمرحلة شديدة الحساسية فى ظل استمرار اختلال التوازن النووى، مشددًا على ضرورة أن تعيد الدول العربية ودول الشرق الأوسط تقييم موقفها من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، خاصة فى ظل استمرار إسرائيل فى رفض الانضمام إليها. 

وأضاف فى حوار لروزاليوسف: إن إسرائيل تُعد الدولة النووية الوحيدة فى المنطقة، ورغم ذلك ترفض التوقيع على المعاهدة أو حتى الدخول فى أى تفاهمات بشأنها، فى الوقت الذى التزمت فيه الدول العربية بالمعاهدة، وخضعت لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ عام 1995.

وأوضح أبو شادى أن قرار الدول العربية بمدّ معاهدة منع الانتشار إلى ما لا نهاية كان مشروطًا بانضمام إسرائيل إليها كدولة غير نووية، إلا أن هذا الشرط لم يتم تنفيذه على مدار أكثر من 31 عامًا، وهو ما يعكس، بحسب تعبيره، خللًا واضحًا فى موازين القوى والمعايير الدولية. وأشار إلى أن إسرائيل لم تُبدِ أى استجابة للمطالبات الدولية أو قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بهذا الملف، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول جدوى استمرار الالتزام العربى بالمعاهدة دون تحقيق شرطها الأساسى.

وفى هذا السياق، لفت إلى أن مؤتمرًا مهمًا سيُعقد فى نيويورك خلال الفترة المقبلة لمراجعة معاهدة منع الانتشار، وهو مؤتمر دورى يُعقد كل خمس سنوات، داعيًا الدول العربية إلى اتخاذ موقف حاسم خلاله، يتمثل فى تعليق الموافقة على المدّ المفتوح للمعاهدة إلى حين التزام إسرائيل بالتوقيع عليها. وأكد أن هذه الخطوة، حال اتخاذها بشكل جماعى، قد تُحدث تحولًا كبيرًا فى المشهد، وقد تشكل ضغطًا فعليًا على إسرائيل لإعادة النظر فى موقفها، معتبرًا أن استمرار الوضع الحالى يُكرّس حالة من عدم التوازن ويُبقى المنطقة فى دائرة التوتر.

وشدد الخبير النووى على أن غياب التوازن النووى فى الشرق الأوسط يُعد أحد أبرز أسباب استمرار سباق التسلح، موضحًا أن وجود دولة واحدة فقط تمتلك السلاح النووى فى مقابل دول أخرى لا تمتلكه، رغم التزامها بالمعاهدة، يخلق شعورًا عامًا بعدم العدالة لدى شعوب المنطقة. وأضاف أن هذا الشعور يتفاقم فى ظل ما وصفه بـ تهديدات متكررة باستخدام السلاح النووى فى سياقات مختلفة، سواء فى غزة أو لبنان أو إيران، ما يعزز من مخاوف التصعيد ويدفع بعض الدول للتفكير فى تطوير قدراتها الدفاعية.

وأشار أبو شادى إلى واقعة تاريخية تعود إلى حرب أكتوبر 1973، عندما قامت إسرائيل، بحسب ما ذكر، بتجهيز 11 طائرة بأسلحة نووية فى ليلة 8-9 أكتوبر، وهو ما يعكس خطورة استخدام هذا النوع من السلاح كأداة ردع أو تهديد. واعتبر أن استمرار هذا النمط من التفكير فى ظل غياب التوازن قد يؤدى إلى سباق تسلح نووى لا يمكن السيطرة عليه، مؤكدًا أن أى حديث عن الاستقرار فى المنطقة سيظل منقوصًا ما لم يتم التعامل مع هذا الخلل بشكل جذرى.

وفيما يتعلق بالمخاطر البيئية، حذر أبو شادى من تداعيات أى تسرب إشعاعى محتمل فى منطقة الخليج العربى، مشيرًا إلى أن مفاعلات مثل بوشهر فى إيران أو «براكة» فى الإمارات تمثل نقاطًا حساسة للغاية. وأوضح أن استهداف هذه المنشآت أو تعرضها لحوادث قد يؤدى إلى كارثة بيئية وإنسانية كبرى، تشمل تلوث مياه الخليج، وتعطيل حركة الملاحة، وتأثيرات صحية طويلة الأمد على سكان المنطقة. ورغم ذلك، أشار إلى أن احتمالات استهداف هذه المنشآت لا تزال محدودة نسبيًا، نظرًا لحجم المخاطر المترتبة على ذلك.

لكنه أضاف أن التطورات الأخيرة، بما فى ذلك استهداف موقع قريب من مفاعل بوشهر على بعد نحو 200 متر، تُظهر أن هذه المنشآت لم تعد بعيدة عن دائرة الخطر، وهو ما يستدعى، بحسب قوله، مزيدًا من الحذر والتنسيق الدولى لمنع الوصول إلى سيناريوهات كارثية. وأكد أن حماية المنشآت النووية السلمية يجب أن تكون أولوية دولية، خاصة فى ظل تصاعد التوترات الإقليمية. وتطرق أبو شادى إلى التطور الكبير فى دقة الصواريخ الحديثة، موضحًا أن الولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان قدرات عالية جدًا فى هذا المجال، وهو ما ظهر فى استهداف منشآت نووية بدقة خلال العمليات العسكرية الأخيرة. وأرجع ذلك إلى التقدم فى تقنيات البرمجة والاعتماد على الذكاء الاصطناعى، ما أدى إلى تقليص هامش الخطأ بشكل كبير، وجعل من الممكن إصابة أهداف صغيرة بدقة عالية.

وفى السياق ذاته، أشار إلى أن التحصينات العسكرية، بما فى ذلك تلك التى تحيط بمفاعل ديمونة الإسرائيلى، لم تعد تضمن الحماية الكاملة، فى ظل التطور المستمر فى وسائل الهجوم. وقال إن ما كان يُعتقد فى السابق أنه غير قابل للاستهداف، أصبح اليوم عرضة للضربات، كما يظهر من استهداف مدن ومنشآت حساسة داخل إسرائيل. ورغم إقراره بوجود أنظمة دفاعية متقدمة، إلا أنه أكد أن لا شىء يمكن أن يوفر حماية بنسبة 100 %.

أما فيما يتعلق بطبيعة المنشآت النووية، فقد أوضح أن الخطر الأكبر لا يكمن فى منشآت تخصيب اليورانيوم، بل فى المفاعلات النووية التى تعتمد على الانشطار وتُستخدم فى إنتاج الكهرباء أو الأبحاث، مثل مفاعل بوشهر، مؤكدًا أن استهداف هذه المفاعلات قد يؤدى إلى تسرب إشعاعى واسع النطاق يمتد تأثيره إلى دول الجوار، وربما يصل إلى مصر وإسرائيل نفسها. وأضاف أن مفاعلات الأبحاث، مثل مفاعل طهران أو ديمونة أو مفاعلات «براكة»، تمثل خطرًا أيضًا، لكن بدرجة أقل مقارنة بالمفاعلات الكبيرة.

وانتقد أبو شادى ما وصفه بازدواجية المعايير الدولية فى التعامل مع استهداف المنشآت النووية، مشيرًا إلى أنه لم تصدر أى إدانة دولية واضحة للضربات التى طالت منشآت نووية إيرانية، رغم خطورة ذلك. وقارن هذا الموقف بما حدث عام 1981، عندما أدان المجتمع الدولى قصف مفاعل تموز (أوزيراك) فى العراق، وفرض إجراءات ضد إسرائيل، معتبرًا أن تغير المواقف يعكس تحولات سياسية عميقة فى النظام الدولى.

وفيما يخص البرنامج النووى الإيرانى، أكد أبو شادى أنه لا توجد أدلة قاطعة تثبت سعى إيران لتصنيع سلاح نووى، رغم امتلاكها قدرات فنية متقدمة تتيح لها ذلك إذا ما تم اتخاذ قرار سياسى. وأوضح أن إيران كانت من أكثر الدول خضوعًا للتفتيش الدولى، حيث استقبلت عددًا كبيرًا من المفتشين وسمحت بزيارات متكررة، دون أن يتم رصد مخالفات جوهرية تشير إلى تحويل البرنامج من طابعه السلمى إلى العسكرى.

وأشار إلى أن بعض التقارير التى تُثار حول هذا الملف تحمل طابعًا سياسيًا أكثر منه فنيًا، مؤكدًا أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تعرضت فى بعض الأحيان لضغوط سياسية أدت إلى تضخيم بعض القضايا الثانوية. وأضاف أن التقييم الفنى يجب أن يستند إلى أدلة واضحة ومؤكدة، وهو ما لم يتوافر حتى الآن فيما يتعلق بالبرنامج الإيرانى.

وفى الجانب الفنى، أوضح أبو شادى أن إيران نجحت فى تطوير برنامجها النووى بشكل ملحوظ، خاصة فى مجال تخصيب

اليورانيوم، حيث وصلت إلى إنتاج نحو 10 أطنان من اليورانيوم المخصب بنسب تتراوح بين 2 %

و60 %. وأشار إلى أن الكمية الأكثر حساسية هى نحو 440 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة

 60 %، والتى تُعد الأقرب من حيث الإمكانية الفنية للوصول إلى مستوى

90 % اللازم لإنتاج سلاح نووى.

وبيّن أن إنتاج قنبلة نووية يتطلب نحو 45 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 90 %، ما يعنى أن الكمية المتوفرة لدى إيران، نظريًا، قد تكفى لإنتاج ما يقرب من 10 قنابل نووية فى حال اتخاذ القرار السياسى بذلك. ومع ذلك، شدد على أن هذا السيناريو لا يزال افتراضيًا، فى ظل عدم وجود دليل على اتخاذ إيران لهذا القرار، إضافة إلى وجود فتوى دينية تحرّم تصنيع واستخدام الأسلحة النووية.

واختتم أبو شادى تصريحاته بالتأكيد على أن المنطقة بحاجة إلى مقاربة شاملة تعالج جذور الأزمة، وفى مقدمتها غياب التوازن النووى وازدواجية المعايير الدولية، داعيًا إلى تحرك عربى جماعى يعيد طرح هذا الملف على الساحة الدولية بشكل أكثر فاعلية، ويضمن تحقيق قدر من العدالة والاستقرار فى الشرق الأوسط.