ننفــرد بكشف وجوه ليبرالية وأجندة إرهابية:
الخلية الإعلامية الجديدة للتنظيم الدولى للإخوان
عبدالله رامى
فى عالم المخابرات والإعلام الحديث، لم تعد المعارك تدار بالصدام المباشر، بل عبر ما يُعرف بـ«المنطقة الرمادية»، حيث تختلط الأجندات السياسية بالشعارات الحقوقية، وتذوب الفوارق بين «الناشط المدني» و«الكادر التنظيمى الإرهابي».
وفى قلب هذا المشهد الضبابى، تبرز «شبكة محررى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا» (MENA Editors Network) كنموذج مثالى لغرف العمليات الإعلامية عابرة الحدود، التى تتخذ من العاصمة البريطانية لندن مقرا قانونيا، ومن مدينة إسطنبول التركية قاعدة لانطلاق مشروعاتها المشبوهة.
فى السطور التالية نغوص فى أعماق هذا الكيان وحوله، لتفكيك مصادر تمويله، وازدواجية خطابه، وكشف دلالات تواجد قياداته فى مناطق النزاع، وصولا إلى السؤال الجوهري؛ كيف يعاد استخدام ملف «حقوق الإنسان» و«حرية الصحافة» إلى «حصان طروادة» لاختراق المجتمعات العربية؟
تشريح الكيان.. «شركة» بريطانية بمهام «استخباراتية»!
خلف الواجهة البراقة التى تقدم نفسها كـ «نقابة صحفيين دولية»، تكشف السجلات الرسمية فى المملكة المتحدة عن حقيقة مغايرة تماما. الكيان مسجل تحت رقم (11579895) منذ سبتمبر 2018 كشركة محدودة بضمان (Company Limited by Guarantee). هذا التوصيف القانونى، الذى يبدو بريئا، هو المظلة المفضلة فى بريطانيا لما يُسمى بـ «جماعات الواجهة» أو الـ(Front Groups).
لسنا أمام تجمع طوعي للمحررين، بل هى «هيكل مؤسسي» يمتلك ميزانيات ضخمة تتيح له الانتشار السريع فى (لندن، فيينا، إسطنبول، تونس). هذا التوزيع الجغرافى ليس عشوائيا، بل هو توزيع للأدوار، حيث لندن هى «الرأس» الذى يتعامل مع البرلمانات الأوروبية والمنظمات الدولية لانتزاع الشرعية والتمويل. وإسطنبول هى «الذراع» التنفيذية التى تحتضن الكوادر الهاربة وتدير ورش التدريب والمواقع الإلكترونية.
أما ڤيينا وتونس فتقومان بدور «مجسات» رصد لجمع المعلومات وتحليل التحولات السياسية والاجتماعية فى شمال إفريقيا وأوروبا.
الوجوه المزدوجة.. تحالف «الهارب» و«الليبرالي»
تعتمد الشبكة استراتيجية «التسلل» للمجتمع المدنى البريطانى والدولى، وهى استراتيجية تتطلب وجود «وجوه مقبولة» لدى الغرب لتغطية «العقول التنظيمية» الحقيقية.
أحد أبرز الأسماء التى تدير الشبكة هو أبو بكر خلاف، وهو حلقة الوصل الأخطر. صحفى مصرى سابق استبدل جلده واسمه بعد الهروب إلى تركيا، ليصبح «أبو بكر أوغلو»؛ المدير التنفيذى الفعلى، يتحرك فى مناطق الشمال السورى، ويبنى تحالفات مع كيانات مثل «اتحاد الصحفيين السوريين فى إسطنبول». تحركاته فى سوريا تكشف رغبة الشبكة فى السيطرة على «تدفق المعلومات» من مناطق النزاع لصياغة تقارير تخدم أجندات دولية.
أما عاطف دلقموني؛ الكادر الأردنى الذى خرج من رحم «الجزيرة نت»، وهو «المايسترو» الذى يصيغ السياسات التحريرية ويحول التوجيهات التنظيمية إلى محتوى إعلامى «مهني» المظهر، سياسى الجوهر.
الواجهات المدنية..المحلل الشرعى للإرهاب
هنا يبرز دور الإعلامية رشا قنديل، القادمة من خلفية الـ«بى بى سي». وجود قنديل بجنسيتها البريطانية وخبرتها فى الإعلام الغربى يمنح الشبكة «صك براءة» أمام المانحين. هى تلعب دور «الوسيط» الذى يفتح الأبواب المغلقة فى لندن، ويحول الشبكة من «كيان مشبوه» إلى «منظمة حقوقية» تستحق المنح والدعم.
أما انضمام الصحفى أحمد طنطاوى إلى هذا المربع، فيمثل ذروة «الإفلاس السياسي». حيث ارتماء من يدعى الوطنية فى أحضان كيان يديره كوادر مثل حسن المجمر مسئول الحريات بالجزيرة، أو إسماعيل القريتلي القيادى الليبى المتطرف، يؤكد أننا أمام «تحالف مشبوه» يهدف لضرب استقرار مفهوم الدولة الوطنية مقابل الحصول على الدعم الخارجي.
«التجنيد الناعم».. كيف يصنع «الجاسوس المهني»؟
أخطر أدوات هذه الشبكة هى «ورش التدريب». هى ليست مجرد محاضرات لتعليم فنون الكتابة، بل هى «فخ تجنيب ناعم». تركز هذه الورش على الصحافة الاستقصائية الرقمية؛ لتدريب الشباب على جمع البيانات الحساسة من المصادر المفتوحة والخاصة، وهى مهارات تتداخل مباشرة مع عمل «الاستخبارات المفتوحة».
أيضا تعتمد على ورش تدريبية حول الأمن الرقمى المشفر، لضمان تواصل هؤلاء الشباب مع المركز فى لندن وإسطنبول عبر قنوات لا تخضع للرقابة الوطنية.
كما يتم استخدام هذه الورش فى رصد الأوضاع الداخلية، حيث يتم تكليف المتدربين بإنتاج تقارير عن «المناخ العام» فى مصر وشمال إفريقيا، وهى معلومات تُستخدم كمادة خام لقنوات الفتنة أو لتقارير ضغط دولية.
كل المؤشرات تقول إن الشبكة تهدف لخلق «جيش إعلامى موازٍ» يدين بالولاء للجهة المانحة والمدرّبة، وليس لمواثيق الشرف الصحفية الوطنية.
لغز التمويل.. من أين تأتى الأموال؟
لا يمكن لمبادرة صحفية فردية أن تمتلك هذا الانتشار الدولى والقدرة على تنظيم مؤتمرات فى فنادق فاخرة بفيينا وإسطنبول وتونس دون «تمويل مركزى ضخم».
المعلومات تشير إلى أن الشبكة تعتمد نظام «التمويل الدوار» عبر مسارات متعددة؛ على رأسها المنظمات المظلية الدولية مثل منظمة «Free Press Unlimited» (هولندية) و«National Endowment for Democracy» (أمريكية)، حيث تقدم الشبكة مشاريع تحت عناوين مثل «دعم الانتقال الديمقراطي» و«صحافة السلام» لانتزاع منح بمئات الآلاف من الدولارات.
كما تستخدم الشبكة منصات تبرع فى بريطانيا مسجلة كشركات غير ربحية، يتبرع لها رجال أعمال تابعون للتنظيم الدولى، مما يجعل الأموال تأخذ طابعًا قانونيًا بعيدًا عن شبهات تمويل الإرهاب. فضلا عن الشراكات التى تعد أحد أهم مصادر التمويل مثل الاستفادة من دعم «بلدية إسطنبول» وجامعات تركية، وهو ما يقلل التكاليف التشغيلية ويمنح الشبكة غطاء رسميا فى تركيا.
اللعبة المزدوجة.. «صحافة السلام» و«ازدواجية الخطاب»
المفاجأة أن الشبكة تمارس «فصاما إعلاميا» ممنهجا يهدف لخداع الجميع فى آن واحد، فبالنظر لخطابها على موقعها الرسمى باللغة العربية نجد خطابا يركز على «المظلومية»، والتحريض ضد مؤسسات الدولة، والتشكيك فى الإنجازات الوطنية، واستخدام لغة عاطفية ثورية لاستقطاب الشباب. هنا، يظهرون كـ «ثوار» و«معارضين» يبحثون عن الحرية.
على العكس تماما يأتى خطاب الشبكة باللغة الإنجليزية الموجه للمانح الغربى، حيث يختفى التحريض وتظهر لغة «الاحترافية» و«المعايير الدولية». والأخطر هو تبنى ما يسمى بـ «صحافة السلام».
هذا التحول التكتيكى يهدف لكسب ود الدوائر السياسية فى لندن وواشنطن، وإظهار التنظيم كـ «شريك معتدل» يروج للتعايش مع الكيان الصهيونى والتطبيع الشعبى كـ«قرابين طاعة» يقدمونها للغرب للحصول على الحماية والتمويل، بينما هم فى الداخل يتاجرون بشعارات الممانعة والقضية الفلسطينية.
مهمة بناء الشرعية البديلة!
بالنظر إلى الصور المنشورة على صفحات الشبكة تجمع «أبو بكر أوغلو» بكيانات سورية فى إسطنبول ليست مجرد لقطات تذكارية، ولكن تعبير عن استراتيجية «بناء الشرعية البديلة». الشبكة تحاول أن تكون «الوصي» على الإعلام فى مناطق الصراع، لتتحكم فى مخرجات العملية الإعلامية التى تصل إلى المنظمات الدولية.
تكشف علاقة الشبكة بالملف السورى عن رغبتها فى إعادة إنتاج نموذج «المراكز الإعلامية» التى سادت فى بدايات الربيع العربى، ولكن هذه المرة بوجوه أكثر ذكاء وخبرة فى التعامل مع القوانين الأوروبية.
الخلل الأيديولوجي.. السقوط فى المربع الواحد
السؤال الذى يطرح نفسه بقوة كيف يجلس «الليبرالي» و«القومي» بجانب «الإخواني» و«المتطرف» فى مجلس إدارة واحد؟.. ما يجمع رشا قنديل وأحمد طنطاوى بعناصر مثل حسن المجمر وأبو بكر خلاف بالتأكيد ليس «حب الوطن» أو المهنة، بل هو «الخلل الأيديولوجي» والبحث عن منصة تمويلية بأى ثمن. هذا «الزواج السياسى غير الشرعي» هو شهادة وفاة لمصداقية كل من انخرط فيه.
الوقوف فى نفس المربع الذى يحتله إسماعيل القريتلى أحد أخطر عناصر التنظيم الإرهابى فى ليبيا هو اشتراك أصيل فى محاولة هدم الدولة الوطنية.. وبالتالى فإننا أمام مجموعة ممن يحاولون استخدام «حرية الصحافة» كـ«حصان طروادة» يحمل بداخله عناصر الخراب.
ترانزيت إعلامي!
وفق ما ننفرد به من معلومات فإن ما تفعله «شبكة محررى الشرق الأوسط» هو نوع من «الترانزيت الإعلامي» المسموم. حيث تجمع المعلومات من الداخل عن طريق استغلال شباب يريديون بدء خطوة أولى فى عالم الصحافة توعالج فى غرف عمليات إسطنبول بإشراف كوادر تنظيمية، وتغلف فى مكاتب لندن بوجوه ليبرالية مقبولة، ثم تصدر للعالم كحقائق تهدف لضرب الأمن القومي!







