السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

بدء تطبيق العمل أونلاين.. هل المؤسسات الحكومية جاهزة

موظف فى البيت والملف فى الدرج

مع بدء تطبيق قرار العمل عن بُعد غدا الأحد والذى أعلنه د.مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء يفرض السؤال نفسه بقوة ، هل مصر جاهزة فعلًا لتطبيق العمل الأونلاين فى ظل عدم اكتمال الرقمنة فى كثير من الهيئات؟



ووفقًا لقرار مجلس الوزراء، يتم تطبيق العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع طوال شهر أبريل، ليشمل أربعة أيام محددة هي: 5، 12، 19 و26 أبريل، ويُطبق القرار على العاملين فى كل من القطاعين العام والخاص، على أن يتم تقييم التجربة بعد انتهاء الشهر، مع إمكانية زيادتها إلى يومين أسبوعيًا حال ثبوت فاعليتها.

 

لا يأتى هذا القرار بمعزل عن حزمة أوسع من الإجراءات الحكومية التى تستهدف خفض استهلاك الطاقة، من بينها تقليل الإضاءة العامة فى الشوارع، وتحديد مواعيد غلق المحال التجارية عند التاسعة مساءً (مع مدها للعاشرة يومى الخميس والجمعة)، إلى جانب تأجيل بعض المشروعات كثيفة الاستهلاك للوقود. وتؤكد الحكومة أن هذه الإجراءات مؤقتة وستخضع للمراجعة وفقًا لتطورات الأوضاع.

ورغم أن القرار يأتى فى إطار خطة الدولة لترشيد استهلاك الطاقة ومواجهة الضغوط الاقتصادية، إلا أن التحدى الحقيقى لا يتعلق بالقرار نفسه، بل بمدى قدرة المؤسسات على تنفيذه بكفاءة.

 الفجوة الرقمية.. التحدى الأكبر

عدد كبير من الجهات الحكومية لا يزال يعتمد على النظام الورقى والإجراءات التقليدية، وهو ما يجعل التحول إلى العمل عن بُعد خطوة صعبة التنفيذ على أرض الواقع. فغياب الأرشفة الإلكترونية، وضعف قواعد البيانات الرقمية، وعدم ربط الإدارات ببعضها إلكترونيًا، كلها عوامل قد تعرقل سير العمل بدلًا من تسهيله،نجاح العمل الأونلاين يتطلب بنية تحتية قوية، تشمل إنترنت مستقرا وسريعا، وأنظمة مؤمنة لحماية البيانات، ومنصات تواصل داخلية فعالة. وفى ظل تفاوت مستوى الخدمات التكنولوجية بين المؤسسات، قد تظهر فجوة فى الأداء بين جهة وأخرى.

فالمشكلة ليست فقط فى التكنولوجيا، ولكن أيضًا فى ثقافة العمل. كثير من الإدارات لا تزال تعتمد على الحضور الفعلى كمعيار للإنتاجية، وليس النتائج. وبالتالى، قد يواجه بعض الموظفين صعوبة فى التكيف مع نظام يعتمد على الإنجاز الذاتى والمتابعة عن بُعد.

ورغم التحديات، يرى البعض أن هذه الخطوة قد تكون بداية حقيقية لتسريع التحول الرقمى داخل مؤسسات الدولة. فالأزمات كثيرًا ما تدفع إلى التغيير، وقد يجبر تطبيق العمل الأونلاين الجهات المختلفة على تطوير أنظمتها وتحديث أساليب العمل.

فالعمل عن بُعد فى مصر ليس مستحيلًا، لكنه أيضًا ليس جاهزًا بالكامل بعد نجاح التجربة خلال شهر أبريل سيتوقف على مدى مرونة المؤسسات، وسرعة استجابتها للتحديات، وقدرتها على تحويل الأزمة إلى فرصة للتطوير.

ويبقى السؤال الأهم: هل سيكون «الأونلاين» مجرد حل مؤقت لترشيد الاستهلاك؟أم بداية فعلية لتحول رقمى طال انتظاره؟

 خبراء الاقتصاد: خطوة ذكية ولكن بشروط

يرى خبراء الاقتصاد أن التوسع فى العمل عن بُعد قد يحقق توفيرا  ملموسا  فى استهلاك الوقود والكهرباء، خاصة مع تقليل التنقل اليومى للموظفين. ويشير بعضهم إلى أن هذه الخطوة يمكن أن تخفف الضغط على البنية التحتية، مثل الطرق ووسائل النقل، لكنهم فى الوقت نفسه يشددون على ضرورة توافر بنية رقمية قوية لضمان نجاح التجربة، من حيث سرعة الإنترنت، وتأمين البيانات، وتوفير منصات تواصل فعّالة داخل المؤسسات

يؤكد لنا د.هانى أبو الفتوح الخبير الاقتصادى أن قرار رئيس الوزراء بالسماح بالعمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع، يضع منظومة العمل فى ‏مصر أمام اختبار حقيقى لمرونتها. هذا القرار لا يستهدف الكيانات الكبرى فحسب، بل يمثل تحولًا هيكليًا ‏يمس كافة الجهات الخاضعة له، داعيًا إياها للتخلى عن الأنماط التقليدية لصالح ما أسميه اقتصاد الإنجاز‎.‎

وعلى الرغم من شمولية القرار، تظل البنوك المصرية هى النموذج الاسترشادى الأبرز، فهى لم تنتظر ‏الأزمات لتبنى التحول الرقمى، بل أنفقت لسنوات استثمارات ضخمة فى قطاعات تعتمد كليًا على الأفكار ‏والبيانات، مثل إدارات التخطيط، والائتمان، والبحوث. وقد أثبتت التجربة أن الإنتاجية تزداد عندما تتحرر ‏فرق العمل من قيود التنقل والروتين المكتبى، بشرط توفر الأنظمة المؤمنة، كما نرى اليوم فى مراكز ‏الاتصال‎ (Call Centers) ‎التى تُدار بكفاءة كاملة من خارج المقرات‎.‎

‏وأضاف إن المشكلة فى أغلب المؤسسات (الصغيرة والمتوسطة) التى تواجه صعوبات فى التكيف للتحديات الهيكلية من أهمها الفجوة التقنية، حيث يتطلب العمل من ‏المنزل بنية تحتية رقمية ونظم حماية‎ ‎قد لا تتوافر للجميع بنفس المستوى، مما ‏يجعل الانتقال مخاطرة أمنية دون إعداد مسبق. يضاف إلى ذلك عائق ثقافى يتمثل فى ‏الإدارة بالنظر، حيث لا يزال الكثير من المديرين يربطون الإنتاجية برؤية الموظف ‏خلف مكتبه، بينما يتطلب المستقبل الانتقال فورًا إلى الإدارة بالأهداف‎‎.

مضيفا: لقد علمتنا دروس كوفيد-19 أن المستحيل يصبح واقعًا بالإرادة. فالبنوك نفذت فى شهور ‏ما كان يحتاج سنوات، عبر تفعيل المواقع البديلة، وتعزيز الطفرة الرقمية فى المحافظ ‏الإلكترونية، والاعتماد على ترسانة تقنية تشمل أنظمة‎ VPN ‎وأجهزة التوكن والتوقيع ‏الإلكترونى، مما ضمن دقة العمليات السيادية حتى فى غياب التواصل الجسدي.

كما أن نجاح هذه التجربة يعتمد على نقل العقلية الإدارية من ثقافة الحضور إلى ثقافة النتائج. ‏يوم واحد فى الأسبوع هو البداية لمستقبل أكثر ذكاءً وأقل تكلفة. التحدى الآن هو تعميم ‏النموذج المصرفى الناجح على باقى قطاعات الدولة لتجاوز العوائق الثقافية والأمنية ‏وخلق بيئة عمل مرنة ومستدامة.‏

ومن جهته أكد د.عمرو سليمان أستاذ الاقتصاد بجامعة حلوان إن مصر ليست وحدها التى تتجه إلى هذا النوع من الحلول، فقد لجأ عدد كبير من الدول فى فترات سابقة إلى إجراءات مشابهة لمواجهة أزمات الطاقة، خاصة خلال فصول الصيف التى تشهد ارتفاعًا كبيرًا فى استهلاك الكهرباء.

ومن أبرز الإجراءات التى اتخذتها تقليل ساعات العمل الرسمية وتعطيل بعض المؤسسات فى أيام محددة مع التوسع فى العمل عن بُعد فى بعض القطاعات.

وأكد أن العمل عن بُعد سيسهم فى تقليل استهلاك الوقود والكهرباء، خاصة مع انخفاض حركة التنقل اليومية.

محذرا من أن أى تراجع فى الإنتاجية قد يُفقد القرار جدواه الاقتصادية، مشددين على أهمية وجود آليات واضحة لقياس الأداء وضمان استمرار كفاءة العمل.

بينما يرى د.محمود خليل استشارى التدريب والتطوير بأن نجاح التجربة لا يعتمد فقط على توفر التكنولوجيا، بل على طريقة إدارتها.

مضيفا أن بعض المؤسسات قد تنجح فى تطبيق النظام بسهولة، خاصة التى لديها خبرة سابقة فى استخدام الأدوات الرقمية، بينما قد تعانى جهات أخرى من ارتباك فى البداية بسبب ضعف التنظيم أو غياب التدريب وبرغم إن العمل من المنزل قد يخلق حالة من الراحة لبعض الموظفين، لكنه قد يسبب ضغطًا أو عزلة لآخرين، خاصة فى بيئات لا تفصل بوضوح بين الحياة الشخصية والعمل.

فنجاح التجربة يتطلب وعيًا مجتمعيًا جديدًا بثقافة «العمل عن بُعد»، وليس فقط قرارًا إداريًا.

ومن جهته أكد د.حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمى باسم وزارة الصحة والسكان، أن تطبيق نظام العمل عن بُعد لن يؤثر على الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين، موضحًا أن جميع المستشفيات والوحدات الصحية ستواصل العمل بكامل طاقتها وبشكل منتظم، دون أى تغيير فى آليات تقديم الرعاية الصحية.