السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

تقشف حكومى وشعبى

هل الإجراءات الآستثنائية كافية لمواجهة آثار الحرب الإقليمية؟

فى لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتصاعد تداعيات الحروب وتلقي بتداعياتها على أسواق الطاقة العالمية، لم تنتظر الدولة تفاقم الأزمة، بل تحركت مبكرًا عبر حزمة من الإجراءات الحاسمة لترشيد استهلاك الكهرباء والطاقة، في محاولة لاحتواء الضغوط الاقتصادية، واستيعاب  ارتفاع أسعار الوقود عالميًا وتزايد تكلفة الإنتاج، حيث أصبح الترشيد ليس مجرد خيار بل ضرورة تفرضها معادلة الأمن الاقتصادى.  



قرارات الحكومة التي شملت خفض الإنارة العامة وضبط استهلاك الكهرباء في المؤسسات وتنظيم استخدام الطاقة في الأنشطة المختلفة من خلال غلق المحال التجارية وغيرها من الساعة التاسعة مساء،والذى تم تطبيقه، تعكس توجهًا واضحًا نحو إدارة أكثر كفاءة للموارد وإعادة توجيهها بما يضمن استمرارية الإنتاج، ودعم القطاعات الحيوية، وعلى رأسها الصناعة. 

تلك الإجراءات تسهم في إدارة أزمة عالمية ضخمة، وتعزيزًا لقدرة الاقتصاد على التكيف مع المتغيرات الدولية من جهة أخرى. في هذا السياق اتفق عدد من خبراء الاقتصاد والطاقة حول جدوى تلك السياسات وقدرتها على دعم الاقتصاد الوطني في مواجهة واحدة من أكثر الفترات صعوبة، والتأكيد على أن ما تتبناه الدولة حاليًا لم يعد مجرد إجراءات مؤقتة، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة.

من جانبه قال الدكتور مصطفى بدرة، الخبير الاقتصادي، إن هناك ما يُعرف بالظروف الاضطرارية التي استدعت أن تلجأ الحكومة إلى خطة تقشف أو استراتيجية محدثة لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناتجة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، موضحًا أن هذه الحرب ألحقت ضررًا كبيرًا بالأوضاع الاقتصادية.

وأضاف أن هناك عددًا من النقاط التي أضرت بالاقتصاد العالمي وأثرت عليه، في مقدمتها الارتفاع الكبير في سعر برميل البترول، لافتًا إلى أن مدة الحرب اقتربت من شهر، وهذا الضرر تزامن مع وصول سعر برميل البترول إلى ذروته، وهو ما أثر تأثيرًا كبيرًا على الاستخدامات في كافة الدول، وأسهم في زيادة الإنفاق داخل الموازنات العامة.

وأوضح أن هذا الارتفاع وصل من 70 دولارًا للبرميل إلى نحو 120 دولارًا خلال شهر، وعندما ارتفع السعر أدى ذلك أيضًا إلى تراجع قوة الإنتاج.

وأضاف أن هذه الحرب أثرت على المجتمع الدولي بأكمله، وكان لها تأثير إضافي في مصر، تمثل في تراجع نسبي لعبور السفن في قناة السويس، إلى جانب ارتفاع أسعار الشحن العالمية نتيجة ارتفاع أسعار البترول والغاز والسولار، مما تسبب في زيادة الضغوط على تموين السفن بعد ارتفاع الأسعار، وبالتالي ارتفاع تكلفة الشحن.

وقال الدكتور محمد البهواشي، الخبير الاقتصادي، إن الحكومة بدأت اتخاذ خطوات مناسبة بهدف توفير المحروقات، خاصة أن فترة العمليات العسكرية غير معلومة المدى الزمنى، وبالتالى أصبح الترشيد ضروريًا حتى يمكن زيادة أمد المخزون، وذلك من خلال تقليل الإضاءة وغلق المحلات مبكرًا وتقليل لافتات الشوارع.. هذه الأمور قد تبدو بسيطة للبعض، لكنها في الواقع موفرة، وإذا التزمت بها مصر بالكامل ستسهم في توفير كميات كبيرة من الوقود.

وأكد البهواشي أن الدولة قامت بزيادة أماكن التخزين الاستراتيجية سواء في الوقود أو الغذاء، وكان هناك توجه نحو إنشاء مخازن لامركزية، مثل مناطق الصعيد وأسيوط، إلى جانب إنشاء مجمعات لتخزين السولار خلال السنوات القليلة الماضية، منها مجمعات على طريق مصر – السويس، وأخرى في قلب القاهرة بمنطقة مسطرد، وكذلك في طنطا والإسكندرية، بالإضافة إلى مستودعات في أبو رديس، وأوضح أن هذا التوزيع الجغرافي يقلل من المركزية ويخفض التكلفة، خاصة أن نقل المحروقات يُمثل عبئًا ماديًا كبيرًا.

وأشار إلى أن ذلك يؤكد أن مصر لا تواجه ضغطًا كبيرًا بالمعنى الذي يشير إلى خطورة الوضع، ولكن في الوقت ذاته لا يمكن الجزم بموعد انتهاء العمليات العسكرية، كما أنه حتى في حال انتهاء الحرب اليوم فإن سوق النفط سيتأثر سلبًا، نظرًا لخروج بعض طاقات التكرير في الخليج من الخدمة، وستحتاج إلى وقت طويل للعودة للعمل.

وأشار إلى أن الدولة لم تكن تتوقع اندلاع حرب بين إيران وإسرائيل، لكن وجود نهج قائم على التحرك الاستباقي وتوفير المخزون الاستراتيجي ووسائل النقل، أسهم في تعزيز القدرة على امتصاص الصدمات.

وأكد أن هناك توجهًا واضحًا نحو الاستغلال الأمثل للموارد، وأن فكرة الترشيد تأتي في إطار هذا النهج، والدولة لا تحتاج إلى إعلان اقتصاد حرب، لكن من الضروري أن يدرك المواطن دوره من خلال ترشيد الاستهلاك.

وقال الدكتور رمضان أبو العلا أستاذ هندسة البترول وخبير أسواق الطاقة، أن الحكومة أعلنت بالفعل تطبيق سياسات ترشيد الاستهلاك لإنقاذ الموقف، وبالتالي خفض الضغط على استهلاك الغاز الطبيعي والسولار، بالإضافة الي عدد من الإجراءات  الاستراتيجية التي لجأت لها لتوفير الغاز بعد تعرضها لمواقف مماثلة من قبل.

وأوضح أن إسرائيل أوقفت إمدادات الغاز إلى مصر منذ 28 فبراير الماضى، كما علّقت الإنتاج في حقول الغاز بشرق المتوسط، ومنها ليفياثان وتمار.

كما أوضح أننا كنا نستورد من إسرائيل نحو 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا عبر خطوط الأنابيب، في حين يبلغ إنتاج مصر نحو 4.1 مليار قدم مكعب يوميًا، مقابل احتياجات تصل إلى 6.2 مليار قدم مكعب، وهو ما يعني وجود فجوة تُقدَّر بنحو 2 مليار قدم مكعب.

وأشار إلى أن الغاز المستورد عبر إسرائيل يتم شراؤه بسعر يقل عن 7 دولارات للمليون وحدة حرارية، وهو ما يجعله مفضلًا، خاصة أن الغاز الذي يصل عبر ناقلات الغاز  يبلغ سعره نحو 11 دولارًا للمليون وحدة حرارية، بفارق يقترب من 40 %.

كما لفت إلى أن مصر تعرضت سابقًا لموقف مماثل، عندما قطعت إسرائيل إمدادات الغاز بحجة إجراء أعمال صيانة في حقولها، وهو ما تسبب في أزمة آنذاك، إلا أن الحكومة نجحت في التعامل مع الموقف من خلال الاستعانة بما يعرف بسفن التغويز.

من جانبه أكد الدكتور محمد عبدالرؤوف، خبير اقتصاديات الطاقة والبيئة، أن خطة الحكومة المصرية لترشيد الاستهلاك تُعد إجراءً استباقيًا ضروريًا لتخفيف الضغط على العملة الصعبة وفاتورة استيراد الطاقة، حيث تستهدف خفض الاستهلاك غير الضروري وإدارة الأزمة بما يضمن استقرار أسواق الطاقة والسلع.

ولفت إلى أن الدعم الشعبي لقرارات الدولة لا يُعد مجرد «واجب»، بل حماية مباشرة لميزانية كل أسرة واستقرار الخدمات الأساسية، عبر تبني ثقافة الترشيد في الإضاءة والتكييف والانتقالات، والالتزام بتنفيذ خطة الحكومة.

وأشار إلى أن الهدف الأساسي يتمثل في خفض فاتورة استيراد الوقود، وأن تلك الإجراءات تخدم هذا الهدف بشكل مباشر، مع توجيه الوفر إلى قطاعات أخرى أكثر احتياجًا في ظل الظروف الراهنة، مؤكدًا أن ما يحدث يمثل تحولًا جذريًا في فكر الدولة من «إدارة الوفرة» إلى «إدارة الندرة الذكية».

وأضاف أنه بدلًا من انتظار انقطاع التيار، تفرض الدولة إجراءات وقائية مثل غلق المحال في الساعة التاسعة مساءً وتخفيض إنارة الشوارع، وهو ما يعكس انتقالًا من رد الفعل إلى التخطيط المسبق للموارد المتاحة، بما يسهم في حماية الاحتياطي النقدي وتقليل عجز الموازنة.

وأضاف أن العودة إلى تخفيف الأحمال تظل «احتمالًا قائمًا» فقط في حال عدم التزام القطاعات التجارية والمنزلية بخطة الترشيد، أو في حال حدوث اضطراب مفاجئ في طرق توريد الوقود العالمية نتيجة الحرب.