قانون إعدام الأسرى
تشريع عنصرى مثير للجدل يفتح أبواب التصعيد
داليا طه
أثار إقرار الكنيست الإسرائيلى لقانون يتيح إعدام أسرى فلسطينيين موجة واسعة من الجدل والغضب، على المستويين الإقليمى والدولى، منذ الإعلان عنه خلال الأيام الماضية، ويأتى هذا القرار فى سياق تصاعد التوترات، وسط تحذيرات من تداعيات على مستقبل الصراع.
القانون، الذى تدعمه الحكومة اليمينية فى إسرائيل، ينص على فرض عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين المتهمين بتنفيذ عمليات أدت إلى مقتل إسرائيليين، وهو ما اعتبره مؤيدوه وسيلة «لردع» ومنع الهجمات.
فى المقابل، يرى منتقدون أن القانون يتسم بازدواجية واضحة، إذ لا يُطبق على إسرائيليين متورطين فى قتل فلسطينيين، ما يعمّق اتهامات التمييز فى المنظومة القضائية.
على الأرض، انعكس القرار بشكل مباشر على عائلات الأسرى الفلسطينيين، التى تعيش حالة من القلق والترقب، خاصة مع الحديث عن آلاف المعتقلين داخل السجون الإسرائيلية، واحتمال شمول بعضهم بهذا القانون.
من جانبها، وصفت وزارة الخارجية الفلسطينية القانون بأنه «جريمة حرب»، معتبرة أنه يفتح الباب أمام «إعدامات ميدانية مقنّعة بقوانين»، فى ظل ما تصفه بانعدام العدالة فى المحاكمات.
كما أثار المشروع انتقادات حتى داخل إسرائيل، حيث عارضه بعض قادة المعارضة وشخصيات قانونية، محذرين من تأثيره على صورة إسرائيل الدولية، وإمكانية تعارضه مع القوانين الدولية واتفاقيات حقوق الإنسان.
ويرى محللون أن توقيت إقرار القانون ليس منفصلًا عن السياق السياسى الداخلى فى إسرائيل، خاصة مع صعود التيارات اليمينية المتشددة التى تدفع نحو سياسات أكثر صرامة تجاه الفلسطينيين.
وأضافوا: إن الموقف الرسمى الفلسطينى يعكس محاولة لتأطير القانون ضمن سياق أوسع من التصعيد السياسى، وربطه بالتحركات الإسرائيلية فى الضفة الغربية وقطاع غزة.
ردود الفعل
وتصدّرت رئاسة السلطة الفلسطينية ردود الفعل على إقرار الكنيست الإسرائيلى قانون إعدام الأسرى، محذّرة من تداعياته القانونية والسياسية، ومعتبرة أنه يتعارض مع قواعد القانون الدولى، ويرى مراقبون أن هذا الموقف يندرج ضمن محاولة فلسطينية لدفع الملف إلى الساحة الدولية، واستثمار القرار فى تحريك قنوات ضغط دبلوماسية.
فى المقابل، اعتبرت حركة حماس أن القانون يمثل تصعيدًا نوعيًا، ولوّحت بتداعيات ميدانية محتملة فى حال جرى تطبيقه.
ودعت وزارة الخارجية الفلسطينية إلى تحرك دولى عاجل، ووصفت القانون بأنه خطوة تحمل أبعادًا تتجاوز الإطار التشريعى الداخلى، ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس استمرار الرهان الفلسطينى على المؤسسات الدولية، رغم محدودية قدرتها على التأثير المباشر فى القرارات الإسرائيلية.
على المستوى العربى، صدرت مواقف رافضة من عدة دول، بينها الأردن ومصر، اعتبرت أن القانون قد يؤدى إلى تصعيد إضافى فى المنطقة ويتعارض مع قواعد القانون الدولى، كما دعا البرلمان العربى إلى تحرك دولى لوقف تنفيذ القانون.
وأكدت مصر أن هذا التشريع الباطل يكرس نهجًا تمييزيًا ممنهجًا، ويعزز نظام الفصل العنصرى من خلال التفرقة فى تطبيقه بين الفلسطينيين وغيرهم، بما يخالف أبسط مبادئ العدالة والمساواة أمام القانون، كما يمثل انتهاكًا صارخًا للوضع القانونى القائم فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، والذى لا تنطبق بموجبه التشريعات الإسرائيلية على المواطنين الفلسطينيين فى الضفة الغربية.
فيما حذرت مرارًا من تجاهل الانتهاكات الإسرائيلية الجسيمة فى الضفة الغربية وقطاع غزة على خلفية التصعيد العسكرى الراهن فى المنطقة، وأكدت خلال البيان على خطورة هذا الإجراء وتداعياته على استقرار الأوضاع فى الأراضى الفلسطينية المحتلة وفرص احتواء التصعيد، مجددة رفضها القاطع لكافة السياسات والإجراءات الإسرائيلية الأحادية.
كما طالبت مصر المجتمع الدولى بالاضطلاع بمسؤولياته القانونية والأخلاقية واتخاذ مواقف حازمة وفورية لوقف هذه الانتهاكات السافرة، وضمان حماية الشعب الفلسطينى وصون حقوقه المشروعة وفقًا لقرارات الشرعية الدولية.
كما دعت أربع دول أوروبية، إسرائيل إلى التخلى عن مشروع قانون يفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين، معربة عن قلقها من تداعياته.جاء ذلك فى بيان مشترك صدر عن بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وأعرب عن قلق بالغ إزاء موافقة لجنة الأمن القومى فى الكنيست الإسرائيلية على مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.
وذكر البيان أن «المشروع من شأنه أن يزيد بشكل كبير من احتمالات تطبيق عقوبة الإعدام فى إسرائيل»، مؤكدًا أن هذه العقوبة تُعد شكلًا «لا إنسانيًا ومهينًا» من أشكال العقاب، ولا تحقق أى أثر رادع.
وتابع: «نحن نعارض عقوبة الإعدام أينما وُجدت وتحت أى ظرف»، داعيًا صناع القرار فى الكنيست والحكومة الإسرائيلية إلى التخلى عن هذه الخطط.
وأدانت وزارة الخارجية وشئون المغتربين الأردنية مصادقة الكنيست الإسرائيلية على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين فى سجون الاحتلال، واعتبرته خرقا للقانون الدولى والقانون الدولى الإنسانى.
وأكّد الناطق الرسمى باسم الوزارة السفير فؤاد المجالى، رفض المملكة المطلق وإدانته لهذا القانون العنصرى التمييزى اللاشرعى الذى يتعارض وقواعد القانون الدولى التى تحظر فرض السيطرة على الأراضى المحتلة عبر أطر تشريعية مفروضة من القوة القائمة بالاحتلال، والذى يعدّ جزءًا من سياسة إسرائيلية مُمنهَجة تستهدف الشعب الفلسطينى لحقوقه غير القابلة للتصرف فى تقرير المصير، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على التراب الوطنى الفلسطينى ووفق حلّ الدولتين.
محاكمات بأثر رجعى
قال الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية الفلسطينى، إن الكنيست الإسرائيلى أُقر قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بالقراءة النهائية، حيث صوّت لصالحه 62 عضوًا مقابل 48 معارضًا، وبذلك أصبح هذا القرار فى حيّز التنفيذ، موضحا أن القانون يمنح المحاكم صلاحية رفض تنفيذ حكم الإعدام فى بعض الحالات أو إعادة المحاكمة.
وأضاف فى تصريحات لروزاليوسف أن خطورة هذا القانون تكمن فى وجود ما يقارب أربعة عشر ألف أسير فلسطينى فى سجون الاحتلال، إذ قد يُعاد محاكمة عدد منهم بذريعة تورطهم فى قتل إسرائيليين، ما قد يؤدى إلى تنفيذ أحكام إعدام بأثر رجعى بحق أسرى مضى على اعتقالهم عشرات السنوات.
وأوضح أن القانون يعكس حالة من التطرف والعنصرية داخل دولة الاحتلال، ويدل على تجردها من القيم والأخلاق، حيث تسعى إلى تقنين جرائمها بحق الشعب الفلسطينى. وخلال العامين الماضيين، سقط أكثر من ثمانين ألف شهيد فى غزة والضفة الغربية، غالبيتهم قُتلوا ميدانيًا، ويسعى الاحتلال من خلال هذا القانون إلى إضفاء طابع قانونى على قرارات الإعدام.
كما يمنح هذا القانون الاحتلال وسيلة للضغط على الأسرى الفلسطينيين، وكان إيتمار بن غفير من أبرز الداعمين له منذ البداية، ويرى الآن أن الفرصة سانحة لتنفيذه، وقد تم بالفعل تمريره.
وقال إن هذا القرار، هناك حاجة أولًا إلى تجديد الحراك الدولى، وعلى جامعة الدول العربية التحرك بشكل عاجل.
كما يُفترض تصعيد الحراك على الأرض فى الضفة الغربية تحديدًا، نظرًا لظروف غزة الحالية. إلى جانب ذلك، هناك حراك أوروبى بدأ يتبلور، وقد يسهم فى ممارسة ضغط على إسرائيل لوقف مثل هذه القرارات التى تعكس سياسات مرفوضة.
الخبير فى الشأن الإسرائيلى، الدكتور نزار نزال، أكد أن إقرار القانون كان متوقعا لكن إسقاطاته على الحالة الفلسطينية هى أنه لن يكون هناك استسلام بل القتال حتى الموت.
وأضاف فى تصريحاته لروزاليوسف أن هذا القانون سيعمل على تشويه صورة إسرائيل خاصة أن هناك خلافًا بين الكنيست والقضاء الإسرائيلى وانتقادات كبيرة بشأن القانون لأنه سيجعل إسرائيل دولة شمولية ديكتاتورية لا تحترم حقوق الإنسان.
ويرى محللون أن الفجوة بين المواقف الفلسطينية — بين المسار الدبلوماسى الذى تقوده رئاسة السلطة الفلسطينية، والخطاب الميدانى الذى تتبناه «حماس»، قد تحد من إمكانية بلورة رد موحّد، لكنها فى الوقت ذاته تعكس توزيع أدوار تقليدية داخل النظام السياسى الفلسطينى.
فى هذا السياق، أشار المحلل السياسى الفلسطينى ماهر صافى إلى أن إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين من قبل الاحتلال الإسرائيلى يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولى الإنسانى وحقوق الإنسان ومخالف لكافة اللوائح التى تقر بسلامة الاسرى، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة بما تكفله من حماية للأشخاص وضمانات المحاكمة العادلة، ويعتبر هذا القانون بمثابة إعدام بدم بارد يُعد جريمة حرب بحق أسرانا البواسل ولشعبنا الفلسطينى ويأتى هذا القانون فى ظل الإجراءات الممنهجة التى تنتهجها سلطات الاحتلال الإسرائيلى فى الأرض الفلسطينية كافة، فى قطاع غزة التى تواجه حرب إبادة منذ أكثر من عامين والضفة الغربية التى تواجه سياسة استيطان ممنهج يهدف إلى التهجير كما فى غزة والقدس المسجد الأقصى الذى يواجه اعتداءات مستمرة من قطعان المستوطنين.
وأضاف فى تصريحاته لروزاليوسف أن قانون إعدام الأسرى يكشف الطبيعة الدموية للاحتلال الإسرائيلى ويهدد حياة الأسرى ويشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولى وهذا القرار سيعمل على تأجيج الوضع فى الأراضى الفلسطينية المحتلة وسيكون له ردود أفعال قوية فى المنطقة بأكملها.







