إرهاب نفسى واعتداء على الحرمات فى زمن الشاشات
التحرش الإلكترونى جريمة خفية تهدد القيم.. والأوقاف تضع خطة لمواجهتها
صبحى مجاهد
لم يعد العالم الرقمى مجرد مساحة للتواصل وتبادل المعرفة، بل تحوّل إلى ساحة تتداخل فيها القيم مع التحديات، والخير مع الانحراف، وفى هذا السياق برزت ظاهرة التحرش الإلكترونى كواحدة من أخطر الجرائم المعاصرة التى تستهدف الإنسان فى كرامته وعرضه وأمنه النفسى
قد حذّرت وزارة الأوقاف المصرية من هذه الظاهرة بوصفها إنذار خطر يهدد المجتمع، مؤكدة أن خطورتها لا تقل عن التحرش فى الواقع، بل قد تفوقه لما تتمتع به من خفاء وسهولة انتشار واتساع نطاق الأذى.
وتعرّف دراسة الأوقاف التحرش الإلكترونى بأنه سلوك متعمّد لإيذاء الآخرين عبر الوسائط الرقمية، من خلال الرسائل غير اللائقة، أو التهديد، أو الابتزاز، أو نشر الصور والمعلومات الخاصة، أو التلاعب بالمشاعر بقصد الإضرار.
وتكمن خطورة هذا النوع من الجرائم فى أنه يمنح الجانى جرأة زائفة خلف الشاشات، ويجعله يتمادى فى الإيذاء دون إدراك حقيقى لحجم الجريمة، فى حين يترك أثرًا نفسيًا بالغًا على الضحية قد يمتد لسنوات.
وقد انطلقت وزارة الأوقاف فى تناولها لهذه الظاهرة من تأصيل شرعى واضح، يقوم على أن صيانة العرض من أعظم مقاصد الشريعة، وأن كل ما يؤدى إلى انتهاكه قولًا أو فعلًا أو إشارة هو أمر محرم. فالقرآن الكريم شدد على حرمة إيذاء الناس فى أعراضهم، وجعل ذلك من البهتان والإثم المبين، كما أكد النبى صلى الله عليه وسلم أن المسلم الحقيقى هو من يسلم الناس من لسانه ويده، وهو ما يشمل بطبيعة الحال الأذى الرقمى بكل صوره.
ومن أخطر المفاهيم التى تصححها الدراسة أن البعض يظن أن الجرائم التى تُرتكب عبر الإنترنت أقل شأنًا أو لا تُحاسب، وهو وهم خطير، إذ إن الرقابة الإلهية لا تغيب عن صغيرة ولا كبيرة، فالله يعلم ما تخفيه الصدور وما تكتبه الأيدى، وكل كلمة أو صورة أو رسالة محفوظة فى سجل لا يغادر شيئًا. ومن هنا يصبح الفضاء الإلكترونى ميدانًا حقيقيًا لاختبار صدق الإنسان فى خلوته، ومدى استحضار رقابة الله.
وتتعدد صور التحرش الإلكترونى بشكل لافت، فمنها الابتزاز الذى يستغل فيه ضعاف النفوس خصوصيات الآخرين للضغط عليهم، ومنها التشهير بنشر الشائعات أو الصور بقصد الإساءة، ومنها الألفاظ البذيئة التى تنفلت بها الألسن عبر التعليقات والرسائل، وكذلك الاستدراج العاطفى الذى يقوم على خداع المشاعر للوصول إلى الإيذاء أو الاستغلال، فضلًا عن نشر المحتوى الفاسد أو التفاعل معه، وهو ما يسهم فى إشاعة الفاحشة داخل المجتمع.
ولا تقف خطورة هذه الجريمة عند حدود الفعل ذاته، بل تمتد آثارها لتصيب الفرد والمجتمع على حد سواء، حيث تؤدى إلى اضطرابات نفسية كالاكتئاب والخوف والعزلة، وتُضعف الثقة بين الناس، وتهدد استقرار الأسرة، كما تسهم فى تآكل القيم الأخلاقية وانتشار السلوكيات المنحرفة. ولذلك اعتبرت الدراسة أن التحرش الإلكترونى جريمة مركبة تجمع بين الأذى والتجسس وانتهاك الخصوصية وإشاعة الفساد.
وفى مواجهة هذه الظاهرة، تؤكد وزارة الأوقاف المصرية أن المسئولية جماعية، تبدأ من الفرد الذى يجب أن يراقب سلوكه الرقمى، وتمر بالأسرة التى يقع على عاتقها توجيه الأبناء ومتابعتهم، وتمتد إلى المؤسسات الدينية والإعلامية التى ينبغى أن تضطلع بدور التوعية والتثقيف. كما شددت على ضرورة عدم التهاون مع هذه الجرائم، والإبلاغ عنها، وعدم الصمت الذى يشجع المعتدين على التمادى.
مواجهة جرائم التكنولوجيا الحديثة
فيما أكد أسامة رسلان المتحدث الرسمى لوزارة الأوقاف لـ«روزاليوسف» : أن اهتمام وزارة الأوقاف المصرية بالتوعية بخطورة التحرش الإلكترونى يأتى فى إطار إدراك الوزارة لحجم التحولات التى يشهدها المجتمع، وما أفرزته التكنولوجيا الحديثة من أنماط جديدة من الجرائم التى تستهدف القيم والأخلاق، مشيرًا إلى أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد سلوك فردى عابر، بل تمثل خطرًا حقيقيًا يستوجب المواجهة العلمية والدعوية معًا.
وأوضح أن «التعاون بين الوزارة والمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية يضع أيدينا على مشكلات حقيقية واقعية يلزم التصدى لها من مختلف الزوايا؛ كلّ مؤسسة فيما يخصها»، مؤكدًا أن هذا التكامل بين المؤسسات البحثية والدينية يتيح قراءة دقيقة للواقع، ويساعد فى صياغة خطاب توعوى قادر على التعامل مع القضايا المعاصرة، وعلى رأسها التحرش الإلكترونى.
وأضاف: إن وزارة الأوقاف تنطلق فى مواجهتها لهذه الظواهر من دورها الأصيل فى بناء الإنسان، قائلًا: «واجبنا الارتقاء بالوعى الدينى، وترسيخ الوازع الدينى الأخلاقى فى لجم السلوكيات السلبية على المستويين الفردى والجمعي»، مشددًا على أن غياب الوازع الأخلاقى هو المدخل الرئيسى لانتشار مثل هذه الجرائم، وأن المعالجة الحقيقية تبدأ من إصلاح الداخل قبل فرض أى إجراءات خارجية.
وأشار إلى أن خطة الوزارة فى التعامل مع القضايا المعاصرة، وفى مقدمتها التحرش الإلكترونى، تقوم على تنويع أدوات التأثير وتوسيع نطاق التوعية، موضحًا أن «الخطبة تتحول إلى مسارات توعية بالحضور الميدانى والوعظ المسجدى وفى الأماكن التابعة لشركاء صحح مفاهيمك، ونواكب ذلك بحملات إلكترونية عبر صفحات الوزارة على مواقع التواصل الاجتماعى»، بما يضمن وصول الرسالة إلى مختلف الفئات، خاصة الشباب، فى أماكن تواجدهم الواقعية والافتراضية.
واختتم تصريحه بالتأكيد على أن مواجهة هذه الظواهر تتطلب تضافر الجهود بين جميع مؤسسات الدولة، إلى جانب وعى مجتمعى حقيقى بخطورة ما يُنشر أو يُتداول عبر الفضاء الرقمى، لافتًا إلى أن بناء إنسان واعٍ أخلاقيًا هو خط الدفاع الأول فى مواجهة كل أشكال الانحراف، سواء فى الواقع أو عبر العالم الافتراضى.
إرهاب نفسى
وفى سياق التحذير من خطورة هذه الظاهرة، أكد الداعية محمود عطا أن التحرش الإلكترونى لم يعد مجرد تجاوز أخلاقى عابر، بل أصبح جريمة مركبة تمس جوهر الدين والقيم، موضحًا أن ما يحدث عبر الشاشات هو فى حقيقته استباحة الحرمات تحت ستار الحرية الزائفة.
وأوضح أن القضية لا تتعلق بالتكنولوجيا أو التطبيقات بقدر ما تتعلق بمنظومة القيم، قائلا:ً إن البعض كسر حواجز الحياء واستحل ما حرّم الله تحت مسميات مضللة، بينما الحقيقة أن الكلمة أمانة، وأن الإنسان مسئول عن سمعه وبصره وفؤاده، كما قرر القرآن الكريم.
وبيّن أن مفهوم التحرش الإلكترونى أوسع بكثير من مجرد كلمات خادشة، فهو – على حد وصفه – «إرهاب نفسى ممنهج»، يشمل تتبع عورات الناس، واقتحام خصوصياتهم عبر الرسائل الخاصة، وتصويرهم دون علمهم، أو نشر صورهم بقصد السخرية أو التشهير، فضلًا عن التنمر الذى يحطم نفوس الشباب والفتيات.
وحذّر من الآثار النفسية والاجتماعية المدمرة لهذه الممارسات، مؤكدًا أنها تمثل «قتلًا صامتًا» للضحايا، إذ تفقدهم الإحساس بالأمان حتى داخل بيوتهم، وتدفعهم إلى القلق والعزلة وفقدان الثقة فى الآخرين، كما قد تؤدى إلى تفكك الأسر بسبب كلمة طائشة أو رسالة مسيئة أو صورة مفبركة، فضلًا عن قدرتها على تدمير مستقبل الأفراد وتشويه سمعتهم لسنوات طويلة.
وفى خطابه التوعوى، دعا إلى استعادة ما سماه «الإنسانية الرقمية»، من خلال مجموعة من القواعد الأخلاقية التى تضبط السلوك عبر الإنترنت، فى مقدمتها أن يتخيل الإنسان نفسه وجهاً لوجه مع من يخاطبه قبل أن يكتب أى كلمة، وأن يدرك أن سمعته الرقمية هى انعكاس حقيقى لشخصيته، وأن ما يتركه من أثر على الإنترنت قد يلازمه طوال حياته.
وأكد على المسئولية المجتمعية فى مواجهة هذه الظاهرة، داعيًا إلى عدم الصمت أو التفاعل السلبى مع المحتوى المسيء، بل التصدى له بالنصح أو الإبلاغ، حمايةً للضحايا وردعًا للمعتدين.
ولم يغفل دور الأسرة، حيث دعا الآباء إلى متابعة أبنائهم وتوجيههم نحو الاستخدام الرشيد للتكنولوجيا، وغرس القيم التى تقوم على احترام الآخرين وصيانة أعراضهم، مؤكدًا أن التربية الرقمية أصبحت ضرورة لا تقل أهمية عن التربية التقليدية.







