أحد السعف يعلن البداية
الكنائس تعيش أقدس أسابيع السنة
وفاء وصفى
فى لحظةٍ تتوقف فيها مظاهر البهجة، وترتدى الكنائس ثوب الحزن، يبدأ الأقباط رحلة روحية فريدة تُعرف بـ«أسبوع الآلام».. أقدس أيام السنة لدى الأقباط.
أسبوع لا يُعاش بالكلمات، بل بالمشاعر.. حيث تمتزج الدموع بالصلاة، ويتحول الصمت إلى تأمل عميق فى قصة الألم التى صنعت الخلاص.
تحتفل الكنائس المصرية غدا ببداية أسبوع الآلام، الذى يعد أقدس أيام السنة وأكثرها روحانية، فهو أسبوع مملوء بالاحتفالات الحزينة والتى تخص آلام المسيح.
ومع حلول مساء غد الأحد تتشح الكنائس المصرية الأرثوذكسية بالسواد، وتغلق الهياكل وتسدل الستائر السوداء؛ ولا تقام القداسات أو صلوات الجنائز، وتعلق الوشاحات السوداء على الأعمدة والصلبان فى طقس حزين يستمر لمدة أسبوع كامل؛ وهو أقدس أيام السنة لدى الأقباط، أنه «أسبوع الآلام».
واختارت الكنيسة لهذا الأسبوع قراءةُ معينة من العهد القديم والجديد؛ كلها مشاعر وأحاسيس مؤثرة للغاية توضح علاقة الله بالبشر، كما اختارت له مجموعة من الألحان العميقة ومن التأملات والتفاسير الروحية.
أسبوع البصخة المقدسة
يسمى هذا الأسبوع بأسبوع الآلام، أو أسبوع البصخة المقدسة، أو الأسبوع المقدس وذلك لأن كل يوم فيه هو أقدس يوم بالنسبة إلى اسمه فى السنة كلها.
وقديما كان هذا الأسبوع مكرسًا كله للعبادة، يتفرغ فيه الناس من جميع أعمالهم، ويخدمون ويجتمعون فى الكنائس طول الوقت للصلاة والتأمل.
وكانوا يأخذون عطلة من أعمالهم، ليتفرغوا للعبادة.
ولا يعملون عملًا على الإطلاق سوى المواظبة على الكنيسة والسهر فيها للصلاة، وكان الملوك والأباطرة المسيحيون يمنحون عطلة فى هذا الأسبوع وكان السادة أيضًا يمنحون عبيدهم عطلة للعبادة والسيدات تحرم عليهن الزينة خلال هذا الأسبوع لما يحمل من ذكريات مؤلمة.
أما عن تسميته فقد ظهر تعبير «أسبوع الآلام الخلاصية» مع آواخر القرن السابع الميلادى كما ذكر فى قوانين مجمع «ترولو»؛ الذى انعقد عام 692 م، ولكن هذا التعبير لم يرد فى كتابات آباء كنيسة الإسكندرية ولا فى قوانينهم ولا فى قوانين بطاركة الكنيسة القبطية فى العصور الوسطى، ولكن التعبير الذى استخدم فى هذه الفترة كان «جمعة البصخة» والوحيد الذى ذكر تعبير «جمعة الآلام» هو يوحنا بن سباع فى القرن الثالث عشر.
ومع مرور الوقت؛ شاع هذا التعبير بين الأقباط؛ ويشترك معهم أيضًا فى هذا التعبير (الكنيسة الروسية)؛ أما الكنيسة اليونانية فيدعونه «الأسبوع المقدس العظيم»، أما الكنيسة اللاتينية تدعوه» الأسبوع العظيم أو »الأسبوع المقدس»؛ لكنهم يطلقون تعبير «أسبوع الآلام» على الأسبوع الذى يسبق أحد الشعانين؛ وهو الأسبوع الذى يدعوه اليونانيون «أسبوع الشعانين».
ويذكر المؤرخون أن أورشليم كانت هى أول من عرف الاحتفال بهذا الأسبوع المقدس فى القرن الرابع الميلادي؛ ومنها خرج الاحتفال بهذا الأسبوع شرقًا وغربًا.
سبت لعازر
وعلى الرغم من أن الأسبوع يبدأ فعليا من أحد السعف؛ والذى تحتفل فيه الكنيسة بتذكار دخول المسيح لأورشليم، حيث استقبله اليهود استقبال الملوك، وهم يهتفون أوصنا فى الأعالى هوشعنا يا ابن داود، أى خلصنا يا ابن داود، إلا أن الكنيسة الأرثوذكسية تحتفل بإقامة لعازر فى يوم السبت وتسميه سبت لعازر، بينما أن المعتقد أن المسيح أقام لعازر قبل يوم السبت بعدة أيام.
ولكن الكنيسة تفضل الاحتفال به قبل أسبوع الآلام ويوم أحد الشعانين مباشرة، فإقامة لعازر كانت السبب المباشر لاستقبال الجماهير الحافل للمسيح يوم الأحد، وكانت السبب المباشر لهياج رؤساء الكهنة وإصرارهم على الإسراع بقتل المسيح بل وقتل لعازر أيضًا حتى لا يذهب الناس وراءه ويؤمنون به.
أحد الشعانين
أما أحد الشعانين فى القدس فكانت الاحتفالات تبدأ بخدمة طقسية فى كنيسة تسمى «لازاريوم» فى بيت عنيا، ويوم أحد الشعانين يخرجون إلى جبل الزيتون وينطلقون منه فى موكب حافل وبأيديهم سعفًا وأغصان زيتون، ثم يذهبون إليه مرة أخرى يوم الثلاثاء؛ حيث يقرأ لهم الكهنة نبوءة خراب أورشليم، ويوم الأربعاء يقرأون قصة خيانة يهوذا، أما يوم الخميس فأنهم يقضون ليلته إلى صباح الجمعة على جبل الزيتون وفى الجثسيمانية، أما يوم الجمعة فيخرجون الصليب ويقرأون قصة الآلام مدة ثلاث ساعات كاملة بجانب نبوات العهد القديم.
أما يوم السبت فكان يصام من المؤمنين فى كل الكنائس؛ ومن ليلة السبت لصباح الأحد فهى سهرة مليئة بالصلاة والترانيم.
ويذكر كتاب «الدسقولية السريانية» فى القرن الثالث «أقيموا صلوات وابتهالات وأقروا الأنبياء والإنجيل والمزامير بخوف ورعدة مع ابتهال حار حتى الساعة الثالثة من الليل التى تلى يوم السبت».
ويقول يوسابيوس القيصرى فى كتابه «حياة قسطنطين الكبير»؛ إنه أمر بحفظ هذه الأيام؛ وأصدر حكم ملكى بذلك ويؤيده فى ذلك المؤرخ سوزومين وهو أحد مؤرخين القرن الخامس.
أما الآن فتبدأ صلوات البصخة المقدسة يوم أحد الشعانين بعد القداس بدءًا من صلاة التجنيز؛ ويعقبها صلاتا التاسعة والحادية عشر من يوم الأحد، بعض الكنائس تصلى هاتين الصلاتين عقب صلاة التجنيز والبعض الآخر يصليها مساءً قبل صلوات ليلة الاثنين.
وينقسم اليوم إلى خمس ساعات نهارية وهى (باكر – الثالثة -السادسة – التاسعة – الحادية عشر) وخمس صلوات ليلية وهى (الأولى – الثالثة – السادسة – التاسعة – الحادية عشر)؛ ويوم الجمعة العظيمة تضاف الساعة الثانية عشرة.
وكانت الكنيسة قديمًا تصلى كل صلاة فى وقتها ثم يرتاح الشعب بعدها إلى وقت الساعة التالية، ومازالت الأديرة القبطية تتبع هذا النظام إلى الآن، أما الكنائس فإنها تجمع الصلوات النهارية معًا والمسائية معًا أو النهارية على فترتين والمسائية كذلك.
الشمامسة والهيكل
وفى هذا الأسبوع يحتسب اليوم من الغروب إلى غروب اليوم التالى، كما تقام الصلوات خارج الخورس الأول (خورس الشمامسة والهيكل)؛ وذلك لأن المسيح تألم وصلب على جبل الجلجثة خارج أورشليم؛ وكقول بولس الرسول: «فلنخرج إذًا إليه خارج المحلة حاملين عاره (عب13،12:13) ولأن ذبيحة الخطية كانت تحرق خارج المحلة (عب 11:3)».
وكذلك يقرأ إنجيل متى بأكمله يوم الثلاثاء، وإنجيل مرقس يوم الأربعاء، وأنجيل لوقا يوم الخميس، وإنجيل يوحنا قبل تسبحه نصف الليل يوم أحد القيامة المجيدة.
ومن ليلة الأربعاء إلى آخر يوم السبت لا يقبل الكهنة والشعب بعضهم بعضًا وذلك استنكار لقبلة يهوذا الخائن.
ألم المسيح
وكذلك لا تصلى الكنيسة بالأجبية كعادتها فى أيام البصخة، حيث تتفرغ تمامًا لتذكار ألم المسيح؛ فلهذا اختارت منها ما يناسب أحداث سواعى البصخة؛ ورتبت استعمالها قبل قراءة الإنجيل فى كل ساعة؛ ووضعت تسبحة «لك القوة والمجد» 12 مرة فى كل ساعة بدلا من المزامير؛ كما تصلى الكنيسة يوم خميس العهد اللقان تذكار لغسل السيد المسيح أرجل تلاميذه، حيث يقوم البطريرك أو الأسقف بغسل أرجل الشمامسة والشعب فى ذلك اليوم.
ومن مظاهر حزن الكنيسة عدم استخدام «الدف والتريانتو» فى الألحان حيث ترتل بالطقس الإدريبى أى الحزاينى؛ كذلك لا تصلى صلاة الصلح فى قداس خميس العهد وقداس سبت النور لأن الصلح لم يكن قد تم بعد.
الجمعة العظيمة
وفى يوم الجمعة العظيمة تسهر الكنيسة حتى فجر السبت فى ليلة تعرف باسم «أبو غلمسيس»؛ حيث تقرأ فيه سفر الرؤيا استعدادا لاستقبال احتفالات عيدالقيامة المجيد.
وهذا الأسبوع كان قديما يحتفل به كل 33 عاما؛ ولأن الكنيسة جعلته احتفالا سنويا؛ وذلك بعدما ارتأت أنه من الممكن أن يولد الإنسان ويموت دون الاحتفال به، وهو من المهم جدًا أن يعيشه القبطى لأنه أساس الإيمان بالعقيدة المسيحية، ولذلك فهذا الأسبوع له مكانه خاصة فى قلوب الأقباط لدرجة تجعل البعض يعتكف فيه فيأخذ إجازة من عمله؛ ويتفرغ لصلوات البصخة المقدسة؛ وهى كلمة تعنى العبور فى إشارة رمزية إلى أنه بآلام المسيح يعبر القبطى من الخطيئة للخلاص.
فى أسبوع الآلام تقتصر الصلوات فقط على صلوات طقس البصخة؛ وهى كلمة عبرية تعنى «العبور» فى إشارة واضحة بحسب العقيدة المسيحية أن الفداء عبر بالإنسان من الهلاك إلى الفردوس.
لا يجوز فى أسبوع الآلام الصلاة على الموتى ومن يموت خلال هذا الأسبوع يحضر جثمانه فقط صلوات البصخة، ثم يدفن وذلك لأن الحزن الأكبر يكون على المسيح ولذلك يجب على جميع الأقباط حضور صلاة الجناز العام، والتى تصلى عقب انتهاء صلوات قداس أحد الشعانين تحسبا لانتقال أو وفاة أى شخص خلال هذا الأسبوع.
التاريخ القديم
ولكن هذا الطقس لم يكن معمول به فى التاريخ القديم، فقد كانت الكنيسة فى البداية تصوم الأربعين يومًا من بعد الغطاس مباشرة؛ مثل ما صام المسيح الأربعين يوما بعد عماده مباشرة فى نهر الأردن؛ حيث صعد على الجبل لمدة 40 يومًا.
وكانت الكنيسة تصوم أربعين يوما فقط منفصلة عن أسبوع الآلام الذى كان يصام كل 33 عامًا؛ حيث صلب المسيح فى عامه الـ 33، ثم نقلوا الأربعين يوما المقدسة وجعلوها مع أسبوع الآلام؛ وذلك بعد أن وجدوا أنه من الممكن أن يموت أى شخص دون أن يحضر أسبوع الآلام.
ولكن عندما وضعوا الأربعين يومًا مع أسبوع الآلام لم يصبح الصوم 47 يومًا، بل حذفوا أسبوع من الصوم الكبير؛ وأضافوا بدلًا منه أسبوعا الآلام بحيث يكون الصوم 40 يومًا بما فيها أسبوعًا الآلام، ولكن كانت الكنيسة تجعل الذين يدخلون إلى المسيحية فى القرون الأولى يصومون 40 يومًا قبل معموديتهم، حيث كان يلقى عليهم 40 عظة عن قانون الإيمان.
بعد الأربعين يومًا كانوا يعمدونهم فى أحد التناصير أو المولود أعمى والذى تقرأ قصته فى أنجيل ذلك اليوم «نهاية الأربعين يومًا صيام للموعوظين استعدادًا للمعمودية»، وبعد معموديتهم يصومون مع الكنيسة الأسبوعين المتبقيين؛ فأصبح صوم الموعوظين 55 يومًا وهذا خاص بالموعوظين فقط. لكن المؤمنين كانوا يصومون 40 يومًا فقط.
وكل يوم خلال هذا الأسبوع تعيش فيه الكنيسة أجواء بعينها؛ وكل يوم يحمل اسم خاص به؛ حيث يبدأ من سبت لعازر وفيه تحى الكنيسة ذكرى إقامة لعازر حبيب المسيح الذى أقامه من الموت بعد ٣ أيام، عندما نادى عليه قائلاً: «لعازر هلم خارجا».
ثم يبدأ استقبال المسيح كملك متوج وذلك فى أحداث أحد السعف أو الشعانين، حيث تباع سعف النخيل على أبواب الكنائس، وتقام به المشغولات اليدوية أبرزها الحمار إشارة إلى الأتان الذى دخل به المسيح لمدينة أورشليم؛ حيث استقبله اليهود استقبال الملوك المنتصرة فى الحروب، وفرشوا له القمصان الجديدة ولوحوا بسعف النخيل وأغصان الزيتون؛ وهم يهتفون: «أوصنا فى الأعالى أوصنا لابن دواد»؛ وينتهى يوم الأحد بلعن المسيح أورشليم قائلا» أورشليم أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها ولم تريدوا، هوذا بيتكم يترك لكم خرابا»؛ وبالفعل هذا ما تحقق فى حصار الهيكل عام ٧٢ ميلادية.
لعن التينة
يوم الاثنين فيعرف بلعن التينة؛ وذلك حين جاع ورأى التينة ذات الأوراق الخضراء؛ ولكنه وجدها بلا ثمار فلعنها إشارة إلى رفضه للتدين الشكلى، وهو الأمر الذى رفضه بشكل واضح فى حديثه مع كهنة الهيكل، حينما قال لهم « وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُورًا مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً، وَهِيَ مِنْ دَاخِل مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ».
هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا: «مِنْ خَارِجٍ تَظْهَرُونَ لِلنَّاسِ أَبْرَارًا، وَلكِنَّكُمْ مِنْ دَاخِل مَشْحُونُونَ رِيَاءً وَإِثْمًا».
أما يوم الثلاثاء فكان حديث المسيح المستمر مع تلاميذه عما سيحدث له، والأربعاء يعرف بأربعاء أيوب وفى هذا اليوم يمنع التقبيل؛ وذلك لأن يهوذا الخائن اتفق مع اليهود ليسلمهم المسيح مقابل ثلاثين من الفضة؛ وكانت العلامة أن من سيقبله هو من سيقبضون عليه. ولذلك تمنع الكنيسة التقبيل فى هذا اليوم حتى أيضا عند السلام على الآباء الكهنة لا تتم المصافحة باليد.







