السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

دويتو الموسم: الفاجومى وEminem

ثمة خيط خفيّ، لكنه شديد الصلابة، يربط بين «أحمد فؤاد نجم» ومغنى الراب الأمريكى الشهير «إيمنيم»؛ خيطٌ مصنوع من لغةٍ تُطلَق كالرصاص، لا يهدأ اندفاعها ولا تعرف المواربة طريقًا إليها.



«نجم»، الذى اشتبك مع السلطة فى ذروة حضورها، لم يتردّد فى نقد «جمال عبدالناصر» فى القصائد والأغانى التى غنّاها مع رفيق دربه «الشيخ إمام»، فدفع ثمن ذلك سجنًا. ثم كرّر الفعل ذاته مع «أنور السادات»، وكأن السجن فى قاموسه ليس عقوبة، بل حالة اعتياد؛ يتعامل معه كاستراحةٍ ينعزل فيها عن العالم الخارجي. ومع ذلك، ظلّت لغته، فى كل مرة، تنطلق كطلقٍ مباشر لا يخطئ هدفه.

وعلى الضفة الأخرى، يقدّم «ايمنيم» النسخة الأمريكية من هذا التمرّد: هاجم «جورج دبليو بوش» وطالب بوقف الحرب على العراق، ولم يتورّع عن السخرية من «مايكل جاكسون» إلى الحد الذى دفع الأخير للظهور علنًا مطالبًا بوقف هذا الهجاء اللاذع. هنا أيضًا، الكلمات ليست مجرد تعبير، بل سلاح هجومى كامل.

كلاهما يمتلك تلك الجرأة النادرة: القدرة على قول ما يتردّد الآخرون فى البوح به، أو يخجلون من صياغته. لكن السؤال الأهم، والذى غالبًا ما يُترك معلّقًا دون إجابة، هو: من أين تأتى هذه الحصانة؟ كيف ينجو صاحبا هذا اللسان الحاد من السقوط، رغم أنهما يشتبكان مع الجميع تقريبًا؟

الإجابة، على قسوتها، تكمن فى فكرة بسيطة ومؤلمة: التعرى الكامل.

فى فيلم (8 Mile)، يقدّم «ايمنيم» درسًا حاسمًا فى «كيفية الإفلات من الفضيحة». حيث إن فى معارك الـRap Battle، يفوز من يُحسن تحطيم خصمه أمام الجمهور. لكن «ايمنيم» قلب المعادلة: بدلًا من انتظار الضربة، بادر بكشف كل عيوبه؛ عرّى ذاته أمام الجميع - أمّه، علاقاته العاطفية، هشاشته، وسقطاته - حوّل نفسه إلى نصٍّ مفتوح بلا أسرار. وهنا تحديدًا، فقد خصومه سلاحهم؛ فلا شيء يُستخدم ضده لم يقله هو أولًا.

هذا هو «السلاح القذر» الذى تحوّل إلى أداة هيمنة.

«نجم»، بطريقته الخاصة، فعل الشيء ذاته. قدّم نفسه بلا أقنعة: فقير، حشّاش، لا يملك سوى جلبابه، ولا يكترث بصورة اجتماعية مصقولة. فى عالمٍ يُدار بالهيبة والسمعة، اختار أن يهدم صورته بيده، فلا يترك لأحدٍ رفاهية هدمها. حتى حين اصطدم بسطوة «أم كلثوم» فى هجائه الشهير بقصيدة «كلب الست»، بدا كأنه خارج نطاق العقاب التقليدى: لا بيت يُهدَم، ولا سمعة تُلطّخ، ولا خسارة تُذكر؛ حتى إنها - بحسب ما يُروى - قالت بعد سماعها القصيدة: «هخرب بيته»، قبل أن يُقال لها إنه لا يملك بيتًا من الأساس.

«نجم» أيضًا، مثل «إيمنيم»، استطاع أن يصنع من اعترافاته وأخطائه أعمالًا فنية لافتة. يظهر ذلك فى اشتباكه الفنى مع علاقته بابنته «نوّارة»، فى تتر مسلسل (حضرة المتهم أبى)، حين قدّم اعتذارًا مؤلمًا فى أغنية بديعة بعد عتابها له. وبالمناسبة، فقد روت هى الأخرى تفاصيل هذا الخلاف فى كتابها «وانت السبب يابا» بعمقٍ إنسانى لافت.

قد لا يكون «نجم» و«إيمنيم» قد التقيا يومًا بشكل حقيقى، لكنهما يلتقيان فى جوهرٍ واحد: الهجاء بوصفه سلطة، والسخرية بوصفها سلاحًا، واللغة بوصفها ساحة معركة. كلاهما أدرك مبكرًا أن أقصر الطرق للنجاة من الإدانة.. هو أن تُدين نفسك أولًا، ولكن بشروطك أنت.

والحقيقة أننى أعشق صراحة ووضوح هذا الثنائى، بغضّ النظر عن موقفى مما يقولانه فى أعمالهما. فأنا أحب «مايكل جاكسون» وغضبت من أغانى «ايمنيم» ضده، ومُتَيَّم بـ«أم كلثوم» ولا أستسيغ قصيدة «كلب الست». ومع ذلك، أحترم صراحتهما وجرأتهما فى التعبير بلا مجاملات.

وفى النهاية أتساءل: ماذا لو التقى «نجم» بـ «ايمنيم» واتفقا على إصدار عملٍ مشترك؟ من سيكون الخصم؟ وكيف ستُصاغ السخرية؟ ربما يجدر بى اللجوء إلى Suno لتحقيق هذا الحلم، والاستمتاع بأجرأ ما قد يقدّمه هذا اللقاء المتخيَّل!