من الهواية إلى منصة التتويج
على خطى المبدعين نيفين ياسر ترسم أول ملامح رحلتها نحو الإبداع
المصطفى نجدى
فى ظل عالم تتسارع فيه وتيرة التغيير، لم يعد الإبداع رفاهية أو خيارًا ثانويًا، بل أصبح ضرورة تفرضها تحديات الحاضر ومتطلبات المستقبل. ومن هنا، جاءت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى بدراسة إطلاق برنامج «دولة الفنون والإبداع» على غرار برنامج دولة التلاوة الذى حقق نجاحًا لافتًا وأسهم فى اكتشاف مواهب متميزة، لتعكس رؤية أوسع تستهدف ترسيخ ثقافة الابتكار والإبداع فى مختلف المجالات، وليس فى الفن وحده. فالإبداع اليوم يمتد إلى التعليم والبحث العلمى والصناعة والإعلام، باعتباره المحرك الحقيقى للتنمية الشاملة.
فالحديث عن «دولة الفنون والإبداع» لا ينفصل عن رؤية أشمل تسعى إلى بناء مجتمع منتج للأفكار، قادر على تحويل المعرفة إلى قوة، والموهبة إلى قيمة مضافة. إنها دعوة لإعادة تعريف الإبداع بوصفه منظومة متكاملة تتداخل فيها مؤسسات الدولة مع طاقات الأفراد، بهدف خلق بيئة تُحفّز التفكير الحر، وتدعم المبادرات، وتفتح المجال أمام أجيال جديدة لصياغة مستقبل أكثر وعيًا وتنافسية. وفى إطار هذه الرؤية، تفتح روزاليوسف ابتداءً من هذا الأسبوع نافذة جديدة نطل من خلالها على مبدعين مصريين فى مختلف المجالات لنتعرف على قصص ملهمة تستحق أن نلقى عليها الضوء..
فى إطار ما يطرحه هذا الملف من نماذج ملهمة فى مجالات الإبداع المختلفة، نقترب هنا من تجربة شابة تثبت أن الموهبة لا ترتبط بعمر؛ بل بالشغف والإصرار.. فبين قاعات الدراسة فى كلية الإعلام، اختارت أن ترسم لنفسها مسارًا خاصًا؛ لتكشف عن موهبة لافتة فى الرسم، نجحت من خلالها فى حصد عدة جوائز والتعبير عن رؤية فنية مميزة.
ففى عالم لا يعترف إلا بالموهبة المصقولة بالعمل، تبرز «نيفين ياسر»، الطالبة بالفرقة الرابعة إعلام رقمى بجامعة القاهرة، كأحد النماذج الشابة التى اختارت أن تحوّل شغف الطفولة إلى مشروع فنى حقيقى.. تحكى «نيفين» أن علاقتها بالرسم بدأت مبكرًا منذ الصف الأول الإعدادى، حين اكتشفت قدرتها على التعبير بالخَط والظل قبل اللون، لتبدأ بعدها رحلة طويلة من التعلم عبر كورسات متخصّصة مع أساتذة فى كلية التربية الفنية، استمرت لسنوات حتى المرحلة الجامعية.. مؤكدة أن هذا التدريب المتواصل كان حَجَر الأساس فى تكوين أسلوبها الحالى..
وتؤكد أن الفضل الأكبر فى استمرارها يعود إلى والدتها، التى آمنت بموهبتها منذ البداية وتولت بنفسها مهمة البحث عن الدورات المناسبة وتشجيعها على الاستمرار.. مشيرة إلى أن الدعم الأسَرى كان وقودها الحقيقى فى لحظات التردد.
ولا تحصر «نيفين» نفسَها فى خامة واحدة؛ إذ توضح أنها ترسم بالرصاص والفحم والألوان الزيتية.. معتبرة أن كل خامة لها روحها الخاصة وتأثيرها المختلف، فالفحم يمنح قوة ودرامية بالأبيض والأسود، بينما يسمح الرصاص بدقة التظليل، أمّا الزيت فيمنح اللوحة عمقًا وثراءً لونيًا فريدًا، وهو ما جعل كبار الفنانين عبر التاريخ يعتمدون عليه ومنهم الفنانون الإيطاليون ليوناردو دافينشى ومايكل أنجلو والفنان الفرنسى إدجار ديجا.
وتكشف «نيفين» أن بدايتها كانت بتقليد وجوه فنانين بالرصاص، قبل أن تتدرج فى استخدام الخامات المختلفة وصولًا إلى الزيت.. مؤكدة أن تعليمها الأساسى ارتكز على رسم البورتريه، وهو ما انعكس على أسلوبها الواقعى الواضح، سواء فى الوجوه أو فى الطبيعة الصامتة، وهو ما يظهر جليًا فى لوحاتها.
وتوضح «نيفين» أن أى لوحة تبدأ لديها بسكتش أولى دقيق، يتم خلاله تحديد التكوين العام، ثم توزيع مناطق الضوء والظل، قبل الدخول فى مرحلة التلوين التى تعتمد فيها على بناء العمل عبر طبقات متعددة؛ لأن الطبقة الواحدة- من وجهة نظرها- لا تمنح اللوحة العمق المطلوب.. كما تختار الخلفيات وفقًا لعناصر العمل وألوانه، بحيث تخدم الفكرة ولا تنافسها.
وعن موضوعات لوحاتها تشير «نيفين» إلى أنها غالبًا ما ترتبط بحالتها المزاجية، فقد تكون صورة أعجبتها أو تكوينًا لافتًا شدّ انتباهها.. مؤكدة أن كل لوحة تحمل إحساسًا مختلفًا يظهر بوضوح من خلال اختيار الألوان، بين الدرجات الفاتحة المبهجة أو الداكنة العميقة.
وعن تجربتها مع المَعارض، تقول إنها بدأت المشارَكة قبل دخول الجامعة من خلال ملتقى لفنانين تشكيليين، ثم واصلت حضورها القوى داخل جامعة القاهرة؛ حيث حصلت على المركز الثانى فى عامها الأول، ثم المركز الأول فى العام التالى، وعادت لتحصد المركز الثانى مرة أخرى على مستوى الجامعة، وهو ما ساهم فى انتشار اسمها بين زملائها ولفت انتباه القائمين على الأنشطة الطلابية.. وتشير إلى أن رؤية الجمهور يتفاعل مع أعمالها كان من أكثر اللحظات التى منحتها ثقة فى نفسها وشجعتها على الاستمرار والسعى وراء شغفها بالرسم.
أمّا أصعب ما يواجه الفنان الواقعى فترى «نيفين» أنه يتلخص فى ضبط ملامح الوجه وألوان البَشرة بدقة؛ لأن أى خطأ بسيط قد يُغيّر التعبير بالكامل.. مؤكدة أن إنجاز لوحة واحدة قد يستغرق أكثر من أسبوع من العمل المتواصل.
وتكشف «نيفين» عن طموحها فى استكمال دراسات حرة بكلية الفنون الجميلة، مع حلم أكبر يتمثل فى الوصول إلى أعلى درجات الواقعية، بحيث تبدو اللوحة نسخة شبه مطابقة للأصل، حتى وإن لم يكن هذا الاتجاه هو الأكثر رواجًا داخل المدارس الفنية المعاصرة.
ولا تستبعد إقامة معرض شخصى مستقبلاً، لكنها تفضل أن تنتظر حتى تصل إلى المستوى الذى تطمح إليه.. أمّا إذا طُلب منها رسم لوحة تعبّر عن شخصيتها كفنانة شابة، فتتخيل فتاة تحيط بها عناصر فنية وتكوينات تجمع بين البورتريه والطبيعة الصامتة، فى انعكاس واضح لهويتها الفنية وميولها الخاصة.
هكذا تمضى نيفين ياسر فى رحلتها بهدوء وثقة، مؤمنة بأنّ الفن الحقيقى لا يصنعه الضجيج؛ بل الإصرار، وأن الطريق إلى القمة يبدأ بخط رصاص بسيط، لكنه مرسوم بقلب يعرف جيدًا إلى أين يريد أن يصل.







