بين رفض مشاركة روسيا والإصرار على انضمام إسرائيل
(يوروفيجن).. تسقط فى فخ ازدواجية المعايير
آلاء شوقى
لم تكن مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) يومًا مجرد حدث موسيقى عابر؛ بل لطالما قُدّمت بوصفها منصة ثقافية تحتفى بالسلام، والوحدة، والحياد السياسى، وهى القيم التى يحرص اتحاد البث الأوروبى (EBU) على ترديدها مع كل دورة جديدة.
ولكن؛ هذه الشعارات سرعان ما سقطت عند أول اختبار حقيقى؛ لتكشف عن مفارقة صارخة؛ بل وازدواجية معايير أوروبية واضحة؛ لتتحول الاحتفالية من جسر للثقافة إلى اختبار أخلاقى يضع مصداقيتها على المَحك.
فى فبراير 2022، لم يتردد اتحاد البث الأوروبى فى اتخاذ قرار فورى وحاسم بمنع «روسيا» من المشاركة فى (يوروفيجن) بسبب حربها مع «أوكرانيا»؛ معتبرًا أن استمرار مشاركتها (يسىء إلى سمعة المسابقة).
أمّا اليوم، وبعد أكثر من عامين من الحرب الإسرائيلية على قطاع «غزة»، التى أسفرت عن استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطينى، وإصابة أكثر من 171 ألفًا آخرين، أغلبهم من الأطفال والنساء، اختار الاتحاد نفسه منح إسرائيل ـ غير الأوروبية- الضوء الأخضر للمشاركة فى النسخة الـ70 للمسابقة، المقرر عقدها فى قاعة «فينر ستادتهال» بمدينة «فيينا» فى «النمسا» فى مايو المقبل، متذرعًا هذه المرة بـ(الحياد السياسى)!!
وبينما جاءت قرارات الانسحاب من مسابقة يوروفيجن 2026 على خلفية الحرب فى غزة، بدأت فى الأسابيع الأخيرة تظهر نبرة أوسع فى الخطاب الإعلامى الأوروبى، تربط الجدل بدور إسرائيل فى صراعات إقليمية ممتدة، من بينها التصعيد فى إيران ولبنان. وقد فجَّر هذا القرارُ واحدةً من أعنف الأزمات فى تاريخ المسابقة، ودفع 5 دول أوروبية- حتى الآن- إلى إعلان امتناعها عن المشاركة أو البث، فى خطوة غير مسبوقة تهدد مستقبل (يوروفيجن) كحدث جامع.
سلسلة انسحابات.. و«غزة» فى الكواليس
قد يظن البعض أن ما حدث ولا يزال يحدث فى غزة قد طواه النسيان أو غطت عليه حرب إيران، غير أن الجدل المستمر حول مسابقة يوروفيجن وما صاحبها من انسحابات، واعتراضات، يؤكد أن القضية لا تزال حاضرة بقوة فى الذاكرة وتفرض نفسها حتى على الساحة الفنية.. فقد تسبب العدوان الإسرائيلى على «غزة» فى اضطرابات متكررة داخل أروقة مسابقة الأغنية الأوروبية؛ حيث اندلعت احتجاجات خارج أماكن إقامة الفعاليات.. ومع ذلك؛ أصر اتحاد البث الأوروبى على مشاركة إسرائيل؛ موجهًا ضربة قوية للجماهير، والمذيعين، والتمويل الخاص بالمسابقة.
وعليه؛ صارت «أيسلندا» خامس دولة تقاطع مسابقة الأغنية الأوروبية للعام الجارى، بسبب مشاركة إسرائيل، مما زاد من حدة الأزمة التى تواجه المسابقة؛ حيث صوَّت مجلس إدارة هيئة الإذاعة الوطنية الأيسلندية (RÚV) على عدم المشاركة؛ لينضم هذا القرار إلى مواقف كل من دول: «إسبانيا، وسلوفينيا، وهولندا، وأيرلندا»، التى أعلنت عدم المشاركة فى الحدث أو بثه.
وقالت (RÚV)، إنه: «بالنظر إلى النقاش العام الدائر.. فمن الواضح أنه لن يسود الفرح، أو السلام فيما يتعلق بمشاركة هيئة الإذاعة والتليفزيون الإذاعى بمسابقة (يوروفيجن). ولذلك؛ قررت هيئة الإذاعة والتليفزيون الإذاعى إبلاغ الاتحاد الأوروبى للبث؛ بأنها لن تشارك فى مسابقة الأغنية الأوروبية المقبلة».
إن موقف «أيسلندا» جاء بَعد أيام قليلة من تصريح هيئة الإذاعة والتليفزيون الأيرلندية (RTÉ) التى قالت فيه، إن: «المشاركةـ فى المسابقة- غير معقولة؛ وذلك بالنظر إلى الخسائر المروعة فى الأرواح فى «غزة»، والأزمة الإنسانية هناك».
أمّا هيئة الإذاعة الإسبانية (RTVE)، فأكدت أنّ المشاركة ستولد انعدام الثقة فى المنظمة؛ نظرًا لعمق المشاعر تجاه «غزة»، وهو ما أيّده وزير الثقافة الإسبانى «إرنست أورتاسون»، قائلاً: «لا يمكن تبييض صفحة إسرائيل فى ظل الإبادة الجماعية فى «غزة».. يجب أن تقف الثقافة إلى جانب السلام والعدالة».
وبالنسبة لهيئة الإذاعة والتليفزيون السلوفينية (RTVSLO)؛ فأكدت أن مشارَكة بلادها فى مسابقة (يوروفيجن 2026) فى ظل الظروف الراهنة باتت مستحيلة، موضحة أن ذلك يتعارض مع القيم التى تتبناها. ومن جانبها، أوضحت هيئة البث الهولندية (Avrotros) أنه لا يمكن التوفيق بين المشارَكة فى المسابقة، والقيم العامة التى تعتبر أساسية لمنظمتها.
وعلى الجانب الآخر دعمت كل من ألمانيا والنمسا مشاركة إسرائيل فى المسابقة.
للشعب البلجيكى رأىٌ آخر
لم تتجسّد الأزمة فى مواقف الدول المقاطعة وحدها؛ بل امتدت إلى انقسامات داخل الدول المشاركة نفسها. ففى «بلجيكا»، وقّع 170 فنانًا، ومثقفًا، وعاملاً فى القطاع الثقافى عريضة احتجاجية تندّد بقرار هيئة الإذاعة العامة البلجيكية (RTBF) الاستمرار فى المشاركة فى مسابقة (يوروفيجن) المقبلة.
واعتبر الموقّعون أن هذا القرار يُحَوّل المسابقة إلى منصة لتطبيع انتهاكات القانون الدولى؛ بسبب حرب الإبادة التى ترتكب فى «غزة».
وأضح نَصُّ العريضة أن قرار (RTBF)، يمثل خرقًا خطيرًا للالتزامات الأخلاقية والمعنوية لهيئات البث العامة.
كما أكد الموقّعون أن إسرائيل تستخدم الأحداث الثقافية لأغراض سياسية؛ موضحين أن الحكومة الإسرائيلية استخدمت لسنوات أحداثًا فنية وثقافية كبرَى لأغراض دعائية، من أجل صرف الانتباه عن نظام الاحتلال، والاستعمار، والفصل العنصرى الذى تمارسه ضد الشعب الفلسطينى.
كما أضافوا إن المشاركة فى مسابقة الأغنية الأوروبية تسمح لإسرائيل بالحفاظ على وهْم أنها ديمقراطية غربية حديثة ومثالية؛ لتخفى أعمالها الإجرامية بسهولة أكبر؛ داعية هيئة (RTBF) إلى الوفاء بمهمتها فى خدمة الجمهور، من خلال إلغاء مشاركتها فى (يوروفيجن 2026).
وصفت الصحف الأوروبية انسحاب «إسبانيا» بالخسارة الفادحة؛ لأنها دولة مانحة رئيسية ذات حضور جماهيرى غفير، كما يُشكل انسحاب «أيرلندا» ضربة قوية أيضًا؛ كونها منافسًا تقليديًا فازت بالمسابقة فى أغلب الأحيان.
احتجاجات فردية
امتدت أزمة عدم المشاركة التى تواجه المسابقة إلى الفنانين أيضًا.. فعلى سبيل المثال، أعلن المغنى السويسرى «نيمو» الفائز بمسابقة (يوروفيجن) فى عام 2024، أنه سيعيد الكأس، بعد السماح لإسرائيل بالمشارَكة.
وفى مقطع فيديو نشره على موقع (إنستجرام)، حمَل «نيمو» الكأس الزجاجية، وقال: «اليوم، لم أعد أشعر أن هذه الكأس مكانها على رفّى»، مضيفًا إن استمرار مشارَكة إسرائيل، فى ظل ما خلصت إليه لجنة التحقيق الدولية المستقلة، التابعة للأمم المتحدة، بأن ما يحدث فى «غزة» إبادة جماعية؛ فإن هذا يُظهر تعارضًا واضحًا بين المُثل والقرارات التى اتخذها اتحاد البث الأوروبى.
وإلى جانب هذه المواقف الفردية؛ أرسل أكثر من 70 متسابقًا سابقًا بمسابقة الأغنية الأوروبية رسالة مفتوحة لاتحاد البث الأوروبى، دعوا فيها إلى حظر مشاركة إسرائيل، معتبرين أن استمرار مشاركتها يتعارض مع القيم الأساسية للمسابقة ويُسقط مصداقيتها. وفى خضم هذه الانسحابات؛ أوضحت الباحثة «كاثرين بيكر»، المتخصّصة فى السياسات الثقافية بجامعة «هال» البريطانية، أن الفنانين باتوا تحت ضغط غير مسبوق لاتخاذ مواقف أخلاقية وسياسية، حتى قبل وصولهم إلى منصة (يوروفيجن)، مؤكدة أن بعض الفنانين شاركوا فى التصفيات الوطنية على افتراض أن إسرائيل لن تكون ضمن المتسابقين، ما جعل استمرار مشاركتها عاملاً مقلقًا قد يُغيَر حساباتهم بالكامل.
مفارقة «روسيا»
لم ينسَ جميع معارضى مشاركة إسرائيل فى المسابقة ما حدث فى عام 2022، حين مُنعت «روسيا» من المشارَكة فى (يوروفيجن)؛ إذ اعتبر اتحاد البث الأوروبى ـ حينها- أن المشارَكة الروسية من شأنها أن «تسىء إلى سمعة المسابقة»، فى تصريح منافٍ لما يفعله حاليًا!!
وفى مايو من العام نفسه؛ علق الاتحاد رسميًا عضوية «روسيا»، وسحَب منها حقوق البث والمشاركة إلى أجل غير مسمى، ما دفع «موسكو»ـ لاحقًا- إلى إطلاق مسابقة بديلة بعنوان (إنترفيجن)، التى شهدت النسخة الأخيرة منها مشاركة دولية واسعة؛ إذ قال «سيرجى كيريينكو»، رئيس مجلس إدارة (إنترفيجن)، إن: «الدول المشاركة تمثل أكثر من نصف سكان العالم»، فى إشارة إلى أن «روسيا» ليست وحدها، ولا تزال قادرة على استقطاب جمهور وتحالفات بعيدًا عن الغرب.
وفى هذا الصدد؛ علق «دين فوليتش» الباحث والمؤرخ المتخصّص فى تاريخ المسابقة، على تناقض (يوروفيجن) الصارخ قائلاً، إن «المسابقة تمثل (بارومترًا سياسيًا) يعكس روح العصر»، مؤكدًا أن ما يحدث اليوم هو سابقة غير معهودة فى تاريخ المسابقة الممتد لأكثر من 7 عقود.
كما أكد أن اتحاد البث الأوروبى، بمحاولته التمسك بشعار (الفصل بين الفن والسياسة)، يتجاهل حقيقة أن (يوروفيجن) لطالما كانت مسرحًا للرسائل السياسية الرمزية، بداية من الحرب الباردة إلى تفكك «يوغوسلافيا»، وصولاً إلى استبعاد «روسيا» عام 2022، معتبرًا أن الإصرار الحالى على مشاركة إسرائيل، رغم الحرب الدائرة فى «غزة»، وانتهاك القانون الدولى، جعل ادعاء الحياد يبدو انتقائيًا ومفرغًا من مضمونه.
وبشكل عام؛ قال «ويليام لى آدامز»، مؤسّس موقع (Wiwibloggs)- المتخصص فى أخبار وتحليلات مسابقة (يوروفيجن) للأغانى- إن عدد الدول المشاركة بلغ 35 دولة فقط ـ وهو الأدنى منذ عام 2004، محذرًا من أن هذا الرقم قد لا يصمد حتى موعد انطلاق المسابقة فى «فيينا»، فى ظل تزايُد الضغوط على الفنانين وهيئات البث.
كما أكد أن المشاركة فى (يوروفيجن) ـ الذى كان شرفًا فنيًا، ومنصة انطلاق عالمية- باتت لدى بعض الفنانين أشبه بما وصفه بكأس مسموم، قد يجر عليهم حملات مقاطعة، أو يضر بمسيرتهم المهنية.
فى النهاية؛ كشفت أزمة (يوروفيجن) أن الادعاء بالحياد السياسى لم يَعُد مقنعًا، ولا قابلاً للتصديق، حين يُحظر طرف خلال أيام، ويُمنح آخر حصانة رغم حرب مدمرة وإبادة جماعية موثقة.







