مؤسس منصة Safer Egypt Mission لــروزاليوسف:
لسنا جهة إدانة.. وحماية فتاة واحدة إنجاز
هاجر عثمان
انطلاقا من دعوة الرئيس عبدالفتاح السيسى لفتح آفاق جديدة أمام المواهب والأفكار الخلّاقة، لم يعد الإبداع حكرًا على الفنون التقليدية وحدها، بل امتد ليشمل مبادرات مجتمعية تستخدم التكنولوجيا كأداة للتغيير.
ومن بين هذه النماذج، يبرز مشروع شاب مصرى اختار أن يواجه واحدة من أكثر القضايا حساسية، عبر منصة رقمية تتيح الإبلاغ عن وقائع التحرش، فى محاولة لخلق مساحة آمنة وكسر حاجز الصمت. تجربة تعكس نوعًا مختلفًا من الإبداع، يمكن تصنيفه ضمن الإبداع المجتمعى الرقمى، حيث تتحول الفكرة إلى وسيلة تأثير حقيقية تمس حياة الناس اليومية.
فى واقع أصبحت فيه شوارع المدن مزدحمة بحكايات مؤلمة لكنها صامتة؛ تظل ظاهرة التحرش واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا..وهى ظاهرة تحتاج فهمًا ووعيًا كما تحتاج إلى أدوات قادرة على مواجهتها. فلم تعد ظاهرة التحرش قضية محلية تخص مجتمعًا بعينه؛ بل أصبحت ظاهرة عالمية تتشابه ملامحها رغم اختلاف الثقافات. فمن شوارع المدن الكبرى إلى كواليس الصناعات الفنية، تتكرر الحكايات ذاتها ويبقى الصمت الشريك الخفى والدافع إلى استمرارها.
وقد انتشرت فى مصر خلال الفترة الماضية شهادات لنساء وفتيات تعرضن لجرائم تحرش جنسى، وانطلقت التدوينات على وسائل التواصل الاجتماعى تحت وسوم «هل فضحت متحرشًا اليوم؟»، وهو ما ذكرنا بحملة #MeToo التى انتشرت فى الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنوات وكشفت عن حجم الانتهاكات التى تتعرض لها النساء داخل مجال الفن هناك.
وتزامن مع شهادات الفتيات المصريات عبر السوشيال ميديا، جريمة تحرش جنسى بإحدى الفتيات فى أوتوبيس نقل عام، وأثارت الواقعة التى وثقتها الفتاة بكاميرا هاتفها غضب الشارع المصرى لكن الواقعة كشفت عن قيام البعض بالدفاع عن المتحرش وإلقاء اللوم على الفتاة.
ورغم الجهود القانونية والتشريعية التى تبذلها الدول لمواجهة التحرش؛ فان الواقع يثبت أن القوانين وحدها لا تكفى فى ظل تحديات الإبلاغ والخوف من الوصم وضعف التوثيق. ومن هنا برزت الحاجة إلى أدوات موازية، تعتمد على التكنولوجيا والمشارَكة المجتمعية؛ لتحويل القصص الفردية إلى قوة ضغط حقيقية. ومن هنا بدأت الحلول المجتمعية فى الظهور بهدف مساعدة النساء والفتيات على مواجهة هذه الظاهرة، ومنها منصة «Safer Egypt Mission»، التى تُعَد أول منصة مصرية تُقدم قاعدة بيانات لجمع أسماء المتحرشين والتعليقات والرسائل الجنسية غير المرغوب فيها، من صاحبة الواقعة بنفسها.
وتستهدف المنصة فضح أى متحرش يكتب تعليقًا أو منشورًا يحتوى على عبارات تحرش أو يبرر لجريمة التحرش عبر الفضاء الإلكترونى، وتستطيع أى فتاة الحصول على صورة ضوئية من هذه التعليقات ورابط الحساب الشخصى للمتحرش على الفيسبوك، وترسله للمنصة التى تقوم بإعادة نشره لتحذير المجتمع منه.
وتضم المبادرة المجتمعية متطوعين، يستهدفون توفير مساحة آمنة للمجتمع المصرى للإبلاغ عن المضايقات الرقمية العامة، والسعى فى رفع الوعى لحماية النساء والفتيات، كما لا تطلب المنصة أى بيانات شخصية من المُبلِّغين/ات، وتُركز على توثيق واقعة التحرش فقط؛ حفاظًا على الخصوصية والأمان.
فى حوار أجرته مجلة «روزاليوسف» مع سامح محمد المؤسّس لمنصة «Safer Egypt Mission»، تحدّث عن أسباب تدشين المنصة، وكيفية عدم الوقوع فى فخ التشهير بالأشخاص والتعرف على الرسائل الكيدية، كيف تساعد هذه المنصة فى محاربة جريمة التحرش وحماية الفتيات.
فى البداية.. كيف انطلقت فكرة تدشين المنصة؟ وكم استغرق تطويرها قبل إطلاقها للجمهور؟
- بدأ التفكير فى المنصة قبل سنوات بالتزامُن مع قضية المتحرش أحمد بسام زكى عام 2020، وانتشار عشرات من شهادات التحرش من فتيات ضده، ورغم ذلك تعرضت الضحايا للوم والنقد بدلاً من تجريم المتحرش ورفض الفعل. فكرتُ حينذاك فى هذه المنصة وأهميتها لدعم الناجيات، وبدأتُ فى تصميم الموقع وبرمجته، ولكن لم يتكمل وقتها ولم تنطلق منصة «Safer Egypt Mission»، حتى وقعت جريمة التحرش بفتاة أوتوبيس النقل العام، وهنا قررت مع مجموعة أصدقاء، نستكمل العمل على المنصة ونقوم بإطلاقها رسميًا فى منتصف فبراير 2026.
ما الهدف الأساسى الذى تسعون لتحقيقه: الردع المجتمعى أَمْ توثيق الظاهرة؟
- نسعى لإنشاء قاعدة بيانات «Database» تضم أكبر عدد ممكن من المتحرشين على منصات التواصل الاجتماعى، والهدف منها العقاب المجتمعى للمتحرش؛ لأن الضحية لا تستطيع دائمًا الذهاب للشرطة والإبلاغ عنه، ولكن مع ذلك نحن نشجع الناجيات من الإبلاغ واتخاذ المسار القانونى إذا استطعن ذلك، ولكن نعلم أن كثيرًا ذلك الخيار لا يكون متاحًا لأسباب تتعلق بالوقت، أو المصاريف أو رفض بعض الأهالى ووصم البنات التى تتعرض لتجربة بشعة مثل التحرش.
من يقف خلف المبادرة؟ هل هم مجموعة ناشطين، مطورين تقنيين، أَمْ منظمة نسوية تابعة لمجتمع مدنى؟
- نحن مجموعة من المتطوعين تخصُّصُنا الأساسى العمل فى المجال التقنى، والمنصة مبادرة مستقلة غير تابعة لمنظمة سياسية أو حكومية، وهى منصة غير مُمولة ولم نحصل على أى دعم تقنى أو تمويلى لتطوير المنصة.
لماذا اخترتم نموذج قاعدة بيانات مجتمعية بدلاً من منصة دعم أو استشارة للضحايا؟
- لأننا شعرنا أن من خلال تخصُّصنا التقنى نستطيع إضافة شىء جديد للضحايا والناجيات، ولكن منصة للدعم النفسى والاستشارة والعمل بشكل مباشر معهن يحتاج لخبرة علمية متخصّصة؛ لأنه موضوع حساس جدًا، وهناك العديد من المؤسَّسات الحقوقية والنسوية التى تقدم هذا الدعم منذ فترة طويلة.
كيف تتم عملية تلقى البلاغات؟ وما نوع المعلومات التى تطلبونها من المُبلِّغة؟
- فى الوقت الحالى ومؤقتًا، نحن نقتصر النشر على التعليقات والمنشوراتposts العامة فقط، فى البداية نشرنا بعض المحادثات الشخصية ولكن توقفنا بعد ذلك حتى نصمم نظامَ تحقُّق من المحادثات بصورة تحمى هوية المبلغين وفى الوقت ذاته؛ لا نضيع فرصة لنشر بيانات المتحرشين.
وما نطلبه حاليًا من المبلغات لينك المنشور post أو التعليقcomment أو صورة ضوئية (سكرين شوت) من البوست أو التعليق، ولينك حساب account المتحرش، ووصف مختصر من المبلغة لما حدث.
ذكرتم أن هناك «فلترة أولية» قبل نشر البلاغات.. ما المعايير التى تعتمدونها فى هذه الفلترة لمنع البلاغات الكيدية؟
- تُطبق الفلترة على التعليقات أو المنشورات التى تكون غير مرفقة بلينك link للبوست/الكومنت أو الإساءات الواضحة مثل أن يقوم المبلغ بإرسال صورة شخص دون أى تفاصيل واضحة أو يقوم بملء استمارة البلاغات.. هنا نحذر لمنع البلاغات الكيدية أو الانتقامية، نحن فقط نقبل البوستات العامة ونعمل على تصميم طريقة للتحقق من الرسائل الشخصية من أجل استقبال رسائل تحرش شخصية مستقبلاً.
ومَن يقوم بمراجعة البلاغات؟ وهل الفريق لديه تدريب قانونى أو حقوقى؟
- أعضاء الفريق يقومون بفلترة البلاغات أسبوعيًا، من خلال متابعة الحالات وفحصها بدقة وفقًا للمعايير التى تستند لها المنصة فى الفترة الحالية.
هل يوجد حد أدنى من الأدلة المطلوبة قبل نشر اسم شخص على المنصة؟
- بالتأكيد، يجب أن يكون هناك لينك link مرفق للبوست أو التعليق المباشر للشخص المتحرش الذى يقوم بالتحرش بشخص آخر، ومن ثم تُنشر بيانات المتحرش العامة.
لكن هناك من يرى أن المنصة قد تتحول إلى محكمة رقمية تنشر اتهامات دون تحقق قضائى.. كيف تردون على ذلك؟
- فى الحقيقة معظم المنصات المصرية التى صمّمها مبرمجون بهدف نشر صور حميمية تم تسريبها أو تم تصويرها دون إذن وموافقة أصحابها، ومعظم المواقع الجنسية العربية تنشر بشكل أساسى فيديوهات جنسية لقاصرات، بالإضافة إلى «الجروبات» الموجودة على الفيسبوك وهدفها الأساسى التحرش بآلاف النساء والفتيات، والمقصود أن الإنترنت فعلاً ممتلئ بالمحاكمات الرقمية التى تنتهى يوميًا بنهايات مأساوية للضحايا.
ولكن منصتنا Safer Egypt Mission هدفها الأساسى أنها تكشف شخص المتحرش من خلال تعليق أو منشور فى الفضاء الإلكترونى، ونوجه نظر الجميع بأن «فلان الفلانى» متحرش بالدليل الواضح، وفى رأيى لو منصتنا ساعدت بنتًا واحدة تفلت من الزواج من شخص متحرش أو يُبرّر التحرش أو ساعدت شركة أنها ترفض توظيف شخص متحرش أو حتى الدولة ترفض منحه فيزا للسفر لها؛ فهذا يكفينا كمنصة.
نحن لا نحاكم أحدًا، ولا هذا دورنا أو مسئوليتنا، ولكن نمنح أصحاب القرار فرصة للتفكير جيدًا قبل أن يمرروا على حياتهم شخصًا متحرشًا أو يبرر للتحرش ويلقى اللوم على ملابس الفتاة أو أى سبب آخر!
نشر أسماء أشخاص متهمين بالتحرش دون حكم قضائى قد يعرضهم للتشهير.. هل فكرتم فى المخاطر القانونية للمنصة؟ وهل تلقيتم بالفعل اعتراضات أو طلبات إزالة أسماء من المنصة؟
- نعم تعرضت المنصة لهجمات إلكترونية، وتواصَل معنا العشرات من الأشخاص الذين نشرت صورهم ودلائل تحرشهم، وانهالوا علينا بالسباب والقذف فضلاً عن التهديدات القانونية، ولكن نرد على جميع الحالات والمعترضين، ولو هناك خطأ نصوبه، ولكن منصة Safer Egypt Mission موجودة فى الولايات المتحدة الأمريكية وتخضع للقوانين والتشريعات الأمريكية.
كم عدد الحالات التى تم توثيقها حتى الآن؟، وأى محافظات تشهد العدد الأكبر، وما هى أكثر فئة عمرية تقوم بالتحرش؟
- تم رصد وتوثيق 141 حالة منذ تدشين المنصة فى فبراير 2026، وكانت محافظات كالقاهرة، ثم الإسكندرية ثم محافظة الشرقية (مدينة الزقازيق) من أكثر ثلاث محافظات شهدت تسجيلاً لحالات التحرش.. ولكن من المؤسف أن المتحرشين منتشرون فى كل الفئات العمرية، ومن ثم صعب تحديد أى فئة تحقق نسبًا أعلى من الأخرى، وهو ما مما يدق ناقوس الخطر فى المجتمع بين كل الأعمار.
ما ردود فعل الفتيات بعد مساعدتهن فى نشر بيانات متحرش، هل تواصلن مع المنصة؟
- فى الحقيقة حتى الآن لم تشاركنا فتيات تجربتهن بشكل مباشر، ولكن منذ إطلاق المنصة رصدنا نشر إحدى الفتيات عن متحرش بعد نشر بياناته وصورته على المنصة، وأيضًا رصدنا تحذير بعض الشباب لبعض من وجود المنصة والحذر فى «التحرش» منعًا لنشر بياناتهم على المنصة والإبلاغ عنهم.
هل تخططون لتوسيع عملية النشر والتعريف بالمنصة من خلال شراكة مع المنظمات النسوية أو المجلس القومى للمرأة لنشر الوعى بها؟
- بكل تأكيد، نرحب جدًا بهذا التعاون، ونأمل أن الدولة تعمل « Sex Offender Registry» أو سجل مرتكبى الجرائم الجنسية، وهو قاعدة بيانات حكومية تحتوى على معلومات وتفاصيل الأشخاص الذين أُدينوا بجرائم جنسية.
ويهدف هذا النظام إلى تمكين سُلطات إنفاذ القانون من مراقبة تحركات هؤلاء الأفراد، وغالبًا ما يتاح للجمهور للبحث عنهم لتعزيز السلامة العامة من خلال معرفة عناوينهم، صورهم، وتاريخهم الإجرامى.







