التحالف الخلاق فى مواجهة شبح الحرب بالمنطقة
الشارع الأمريكى على حافة بركان
حنان البدرى
تتصاعد الأحداث على مدى الساعة مع مرور ما يقرب من شهر على بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وفيما تستمر الضربات ما بين توسيع الجبهات والأهداف، يبدو الأمر أكثر تعقيدًا حتى مع الحديث عن مفاوضات محتملة تراوح نفسها، بعد مفارقات نفى وتأكيد من الجانبين الأمريكى والإيرانى، سَطر كل جانب شروطه لوقف الحرب.
وحيث تمسك الجانب الإيرانى بشروط أساسية على رأسها وقف تام لإطلاق النار عليها، ووقف الضربات ضد المقاومة فى لبنان والعراق، والتعويض عن خسائر طهران فى الأرواح وتخريب البنية التحتية جراء الضربات الموجهة، بدا الموقف الأمريكى أكثر تعقيدًا، بسبب إصرار الرئيس الأمريكى على الإدلاء بتصريحات تبدو متناقضة، ومنها حديثه عن مفاوضات نفاها الإيرانيون، بينما تم الانتهاء من تجهيز قوات برية للقيام بعمليات إبرار على جزيرة خرج بالخليج، وهى بمثابة قلب عمليات تصدير النفط الإيرانى، بل تم إصدار أمر مكتوب للبنتاجون بإنزال القوات البرية، ومنها قوات الفرقة 82 المتخصصة فى عمليات الإنزال الجوى والبرى، فى عملية تستهدف السيطرة على جزيرة خرج أو مضيق هرمز أو كليهما معًا، فيما تواصل اقتراب الحاملات الأمريكية للمنطقة.
وهو الأمر الذى أثار حفيظة الإيرانيين، وقالوا صراحة إنهم لا يثقون فى حديث الرئيس الأمريكى حول عملية تفاوض حقيقية، ومن ثم إعلان تمسكهم بشروطهم. وربما كان ذلك مدعاة لأن يتخذ الرئيس الأمريكى قرارًا بأن يكون نائبه دى جى فانس، على رأس فريق التفاوض الأمريكى وليس صهره كوشنر المحسوب ميله للجانب الإسرائيلى، وذلك فى حالة ما تم التوافق عبر وساطة مصرية وإقليمية على مفاوضات لا تبدو حتى لحظة كتابة هذه السطور سهلة التحقيق.
ظلت إسرائيل عقبة كبرى حتى مع تعيين رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو مسؤولًا خاصًا بمتابعة المفاوضات الأمريكية، وإصراره على الاستمرار فى توجيه ضربات مكثفة على أكثر من جبهة، مع التوغل فى جنوب لبنان، واستهداف البنية التحتية هناك، وتعاظم خطر تفجيرات تطول اليورانيوم الإيرانى، وبالطبع رد إيران فى هذه الحالة كان الاقتراب من مفاعلات إسرائيل النووية فى ديمونة، وهو ما يهدد أمن المنطقة برمتها.
على أى حال فالموقف داخل واشنطن لم يكن مختلفًا عن الحادث فى المنطقة، وبينما مرر مجلس الشيوخ للرئيس الجمهورى الاستمرارية فى تلك الحرب، انقسمت الآراء على الساحة السياسية الأمريكية، وأعنى بذلك ساحة صنع القرار فى ظل وجود رئيس يفضل التفرد به !
وكان اللافت على مدى الأسبوع الماضى، اهتمام الجهات المسؤولة على وضع الحقائق أمام صانع القرار الأمريكى، بما فى ذلك تقديرات الموقف المبنية على حصيلة معلوماتية لا يستهان بها، وهو ما سبب قلقًا أمريكيًا نادرًا وسوف ألخّص فى عجالة أهم النقاط :
- التقارير القادمة من المنطقة أظهرت تغيرًا غير مسبوق فى ردود الأفعال الشعبية والرسمية تجاه الولايات المتحدة، والتى رأوا فيها حليفًا لم يستطع حمايتهم من ضربات تعرضت لها بلادهم.
ومن ثم كان السؤال الأكبر حول جدوى القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيهم!
- هناك قلق من تحول تدريجى لدى دول الخليج نحو منافسين دوليين، مما سيؤثر سلبًا على المصالح الأمريكية، وهذه النقطة الأخيرة حسب ما صدر عن مسؤولين أمريكيين، تمت معالجتها على الأقل مع الجانب السعودى، خلال مكالمة هاتفية تمت بين الرئيس الأمريكى وبين ولى العهد السعودى قبل أيام.
وكان اللافت حرص مسئولين أمريكيين على تسريب تأكيد نسبوه لولى العهد السعودى بالضغط على الرئيس ترامب لمواصلة العمليات العسكرية ضد إيران!
- النظام الإيرانى داخليًا ما زال متماسكًا، ومن الصعب القول أنه لا يمكن الإطاحة به فى القريب المنظور.
- ما زالت هناك صعوبة فى القضاء تمامًا على القوة العسكرية الإيرانية.
تلك النقاط تحديدًا تجعل سبيل التفاوض أمام الرئيس الأمريكى مطلوبًا، بينما يستمر فى محاولة إحداث واقع على الأرض، وتحديدًا فى منطقة خليج هرمز، ليتمكن من خلاله من فرض أكبر عدد ممكن من شروطه الـ 15، التى أرسلت للجانب الإيراني.
عمومًا، وبينما يحاول الرئيس الأمريكى تدويل مسألة السيطرة على مضيق هرمز بخلق تحالف أمنى دولى وإقليمى، فإن نفس العوامل بما فيها نقاط القلق -التى سبق سردها- يمكن أن تخلق فرصة ذهبية أمام دول المنطقة، وذلك بخلق تحالف مصالح إقليمى يمكن توسعته شرقًا وشمالًا وحتى غربًا، وإذا كانت طهران تصر على التحكم فى مضيق هرمز، فإن وجود سلطنة عمان كشريك أساسى وقانونى على هذا المضيق الاستراتيجى الهام، يمكن أن يفتح الباب أمام توافقات سياسية أمنية وتجارية، والأخيرة موجودة بالفعل مع دول الخليج بلا استثناء.
وتبدو المسألة فى صورتها الخارجية وردية نوعا ما، لكنها ممكنة، لاسيما لو تكتل مثلث مصر والمملكة السعودية وتركيا، ووجود دعم دولى من أكبر الدول المستفيدة والقادرة على إحداث خلخلة، وهناك الصين التى تعتمد على مصادر الطاقة بالخليج والأوروبيون كذلك، وهناك روسيا وهناك باكستان، أي حراك من هذا النوع يمكن أن يكون «تحالفًا خلاقًا» يمكن أن يكرس لواقع جديد فى نظام عالمى جديد مفروض على الجميع، وحتى يحدث فنحن أمام شبح حرب ستستمر ما بين أربعة إلى ستة أسابيع على الأقل.







